هل يوجد إسلام معتدل؟

 شخصيا، لا يوجد لدي أي“بديل”يمكنني اقتراحه عليكم. ففي الوقت الذي أسعى فيه إلى إفشاء هذه التأملات إليكم، فأني كنت لا أبتغي من ذلك إشعال فتيل حرب ضد أي كان. لأنه سلوك مناف لذوقي. فأنا لا أمتلك مشروعا إسلاميا مثاليا محكم الصنع يستطيع استجماع جميع الأصوات الانتخابية. لكن: ألا يمكن اعتبار النظام الأفضل بالنسبة لنا هو ذاك الذي يتيح للإنسان القدرة على الانفتاح واختيار التصرف الذي يحلو له بلا إكراه أو ضغط أيا كان نوعه، وإلا ما جدوى استقامة ضميره التي تنبجس من قناعته الحرة وبمقتضى إرادته الحرة؟ إذا كان لي رأي، فإني أرى أن مستقبل الإسلام، من حيث كونه يراد له أن يكون رسالة كونية، منوط بمدى قدرته على استيعاب الحداثة؛ حتى لا يصير مجرد شاهد انفعالي سلبي في الزمن المعاصر، وإنما لكي يغدو أحد الفاعلين الحيويين فيه.

 يمكن أن ننعت البديل الذي يبحث عن إنشاء نزعات إسلامية نسبيا معتدلة مقارنة مع الكليانيات التيوقراطية الرافضة صراحة للديمقراطية، بـ“النوموقراطية البرلمانية”، هي عبارة تتطلب بعض الشروح. لقد تولدت هذه العبارة الجديدة من جذرين لاتينيين هما:“nomos” و“kratos”على شاكلة نموذج الكلمتين التاليتين: الديمقراطية والتيوقراطية كما هما متداولتان في اللسان العادي منذ القدم. فالكلمات الثلاث شكلت نوعا من مثلت مفهومي يربط بينها جذر مشترك “kratos”، والذي يدل على القوة، والسلطة والنفوذ. أما الجزء الآخر من الاشتقاق المعجمي فإنه يوجهنا نحو ثلاث وجهات متباينة.


 فانطلاقا من الجذر اللاتيني“demos”والذي يعني الشعب، ومن كلمة الديمقراطية التي تدل على سلطة الشعب؛ مما يعني منطقيا العلمانية التي بمقتضاها يمارس الشعب سيادته دون أي تدخلات خارجية. إن الديمقراطية إذن، هي بطبيعتها تصور علماني للسلطة، وقوانينها تعتبر وضعية. ومن الأجدى التذكير أن ابن خلدون، وإن كان على غير معرفة بمفهومي الديمقراطية والعلمانية، قد لاحظ أن القوانين العادلة- والتي بدونها ما كان للدولة أن“يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها”- ضربان: قوانين وضعية متأتية من مصدر يدعوه بـ“السياسة العقلية”- تحيل أساسا إلى مفهوم العلمانية بالتعبير الاصطلاحي الحالي- وقوانين شرعية“المنصوص عليها من الله” والتي تنتسب إلى“السياسة الشرعية”. بمعنى، نحن أمام نظام تيوقراطي ونظام نوموقراطي. وكما ورد في مقدمته “فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصائرها كانت سياسة عقلية؛ وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا والآخرة”. فبحسب ابن خلدون، بمجرد أن يتم “التنصيص”عليها، تعدو جزءا من طبيعة القوانين. إنما مصدر الاختلاف الكائن بينهما مرده إلى من يتم تنصيص عليها: الإنسان بعقله والإله بحكمتهّ. إذا كان ابن خلدون يمج السياسة العقلية بدعوى أنها“النظر إلى الأشياء بغير نور الله”، فإنه يقر بأن“السياسة الشرعية” غير نابعة من طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان، وأن أمما عدة خلت لم تكن على علم بها وأن حركة التاريخ سارية في مجرى“انقلاب الخلافة إلى ملك”.

 يعود اشتقاق كلمة “théos”، الله إلى كلمة“théocratie”وتدل على سيادة حكم الله. إن هذا المفهوم يتنافى كليا مع العلمانية أو مع الدور المخول للشعب في ممارسة السلطة، لكون أمرها عائد إلى الله وحده لا لغيره. وهذا يقودنا حتما- تماشيا مع التحليل إلى أقصى حد- إلى كليانية لاهوتية وإلى نظام إكليروسي. صحيح أنّ ابن خلدون لم يكن على وعي بهذه المعضلة حينما نافح عن“السياسة الشرعية” معتبرا إياها وقاية ضد “سيادة حكم الغلبة” المقرون بالملك. “لما كانت حقيقة الملك أنه الاجتماع الضروري للبشر، ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية، كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم لحمله إياهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته”، فمن الطبيعي إذن، ألا يجول في خلد ذهن ابن خلدون أن الديمقراطية، أي سيادة الشعب، بإمكانها أن تكون بديلا للوضع الحالي. بل كيف يمكن أن يتأتى له ذلك، إذا كان روح العصر الذي زامنه لا يوحي له بتاتا بأي نموذج ديمقراطي يؤسس عليه تفكيره؟

 فانطلاقا من لفظة“nomos” القانون، فإن “النوموقراطية”(nomocratie) تدل على سيادة القانون. هي كلمة، في الحقيقة، لا وجود لها أصلا في اللسان الفرنسي، وإنما اشتققناها من نموذج “النوموغرافيا” (دراسة حول القوانين، قاموس روبير الصغير). إن كلمة “nomos” الإغريقية هجرت إلى لغة فلاسفة الإسلام في العصر الوسيط للدلالة على القوانين السارية في الكون. والشيء ذاته حدث للفظة“hulé”التي كانت رائجة الاستعمال عند فلاسفة العرب للدلالة على“المادة الأولى”. بل هناك من يرى أن كلمة “ناموس”عينها، قد أقحمت في اللسان العربي قبل صدر الإسلام بواسطة أهل الكتاب في أرض مكة. إن كلمة التوراة، وبالأخص أسفار موسى الخمسة، قد ترجمت فعلا في الترجمة السبعينية بلفظة “nomos”. وكان من ميزة انزياح المعنى أن أضحى الناموس المشار إلى الشريعة الموسوية رديفا لكلمة شريعة. فعندما نتصفح قاموس لسان العرب لابن منظور، فإننا واجدون فيه أثرا دالا على انغراس كلمة “nomos” في الوسط الثقافي العربي قبل الإسلام في صياغة لغوية معربة“ناموس”. هذا وتجدر الإشارة إلى أن قاموس ابن منظور ورد فيه التعريف التالي: “الناموس جبريل، وأهل الكتاب يسمون جبريل عليه السلام الناموس. لأن الله تعالى خصه بالوحي والغيب اللذين لا يطلع عليهما غيره”. بينما يشير قاموس المنجد إلى معنى الشريعة ضمن باقي المعاني الأخرى المتنوعة للناموس.
 

إن العبارة التي سقنا اشتقاقا لها فيما سلف، لا تشير إلى سيادة أي قانون من القوانين، بل إلى قانون موحى بواسطة جبريل، بمعنى الشريعة. فهي ليست تيوقراطية خالصة حيث لا دخل لإرادة الشعب فيها، وليست ديمقراطية خالصة ذات سيادة مطلقة لسلطة الشعب. “النوموقراطية” إذن، تقع بين بين أو في نصف الطريق: الشعب يمارس فيها السلطة وفق الشريعة بأساليب مناسبة وبتدخل مبدأ الإجماع تحث طائلة أشكاله المتنوعة، بما في ذلك الديمقراطية البرلمانية الأقرب عهدا وحداثة. بهذا المعنى، يشكل النظام النوموقراطي البرلماني جهازا، يتم فيه سن قوانين البرلمان المنتخب بوصفه ممثلا للسيادة الشعبية. إن هذا المعنى هو الذي يحيل إليه النظام الديمقراطي. لكنه نظام خاضع لمراقبة عليا للناموس وتحت رعايته؛ لكيلا تتخذ القوانين المنصوص عليها من لدن ممثلي الشعب مجرى مخالفا للسيادة الإلهية كما هي متجلية في الشريعة. إنه إذن نظام هجين يرجع فيه اليد الطولى إلى سيادة حكم الله. إن مثل هذا النظام يعتبر، بطريقة أو أخرى نظاما دستوريا، مادام يقرّ بسلطة تشريعية، لكن يبقى، مع ذلك، القرآن والسنة مصدري الدستور الأسمى. إنه شكل النظام الذي سعى الخميني إلى توضيح معالمه: “فحكومة الإسلام ليست مطلقة، وإنما هي دستورية؛ ولكن لا بالمعنى الدستوري المتعارف الذي يمثل في النظام البرلماني أو المجالس الشعبية. وإنما هي دستورية بمعنى أن القائمين بالأمر يتقيدون بمجموعة الشروط والقواعد المبينة في القرآن والسنة، والتي تتمثل في وجوب مراعاة النظام و تطبيق أحكام الإسلام وقوانينه، ومن هنا كانت الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الإلهي”. إن هذا النظام الإسلامي، والذي سينعته الخميني بحكم ولاية الفقيه، سيمارس فيه المجلس الدستوري دور المراقب لمدى مطابقة القوانين مع الدستور.

 لكن: هل يمكن أن تطبق هذه الرؤية اللاهوتية في ظل شروطنا الراهنة؟ بالطبع لا. ولتوضيح هذه المعضلة، قمت بتوليد لفظة جديدة “النوموقراطية” كردة فعل ضد أي مسعى يرمي لمماثلة الدولة الإسلامية بالنظام التيوقراطي لعدم صمودها أمام الدليل التاريخي. فلم يسبق لأي دولة إسلامية أن استمدت سلطتها من شرعية إلهية. بل كانت قائمة دوما على حق الغلبة والقهر. لكن ما إن يتم الانقضاض على السلطة حتى يتطلب تحويل الدولة من دولة غلبة وقهر إلى دولة حق. وبما أن الفقهاء، كعادتهم، وكلاء بمهام إضفاء الشرعية على السلطة السياسية، فقد أكدوا ضرورة تلازم شرعية سلطة الدولة بخدمة الشريعة، والتي كانت دوما عصية عن التطبيق. في البلدان الإسلامية، تجد طبقة العلماء هي التي كانت تحتكر صناعة القوانين. هكذا، فإن سلطة التنفيذ المستندة على القوة تصير شرعية بدءا من اللحظة التي يرفع فيها السيف لخدمة الشريعة. إنها بالذات تلك الدولة التي سبق أن وسمناها بـ“النوموقراطية”. لهذا كان غرضي من هذا كله هو الإبلاغ عن حدث تاريخي. لكن دون أن يعني أننا نسعى إلى إثبات صلاحية هذا النظام في زمننا الراهن. ذلك أنّ تشريع القوانين لم يعد اليوم موكولا إلى العلماء وإنما أضحت الدولة هي التي يحق لها سن القوانين عبر المجالس التشريعية. ومن ثمة، أمسى النظام النوموقراطي منعدما.
 قد يقال: ما الدور الذي يمكن أن يناط للشريعة في الوقت الراهن؟ فمن حيث هي شكل تنظيمي للمجتمع لم تعد لها صلة وثيقة بتاتا بالموضوع. بل لا يمكن أن تكون إلا كذلك. كما أنها أيضا شكل تنظيمي أخلاقي وروحي للجماعة المسلمة، ولها دور، في هذه الحالة، يمكن أن تلعبه لصالح هذه الجماعة. لكن ينبغي لها الانقياد لمنطق التطور التاريخي. إن الشريعة هي الطريق الذي يقود إلى الله. والطريق إليها ليس موصدا. فحتى تلك الأنظمة السياسية التي تشترط في دستورها أن الإسلام هو دين الدولة مازالت، مع ذلك، تحوم باستمرار في حلقة مفرغة حول هذه القضية. فهي أقل من أن تكون أزمة لاهوتية، وهذا حال باقي الأديان الأخرى كالديانة المسيحية مثلا، بقدر ما هي أزمة قانونية- اجتماعية؛ و لن يتاح لنا الخروج منها إلا إذا سويت مسألة الشريعة بكيفية ترضي وعي الكتل المجتمعية. إن هذه الأزمة تعكس أساسا التحولات التي تعيشها المجتمعات المسلمة التي هي في طور الخروج من حياة البداوة وأحيانا من حياة الصحراء إلى حياة “المجتمع المدني”؛ وإن كان الطريق مازال مديدا ومليئا بالأشواك. لأن هذه الحداثة ذائعة الصيت، بوصفها بؤرة المعضلة، لم تنشأ في حضن العالم الإسلامي بتأثير تطور طبيعي تدريجي؛ أي أنها حداثة غير نابعة من ثمار قيمها الخاصة، وإنما هي،في البداية، حداثة فرضت من الخارج عن طريق الإذلال الاستعماري واستيراد البضائع والذهنيات الغربية. مما جعل البعض يصدرون إزاءها مواقف انفعالية رافضة لقيمها إلى درجة اللجوء إلى استعمال العنف، بينما البعض الأخر ارتمى في أحضانها معلنا القطع مع الجذور والتصفية مع القيم الأخلاقية والروحية الثاوية في مظانّ الميراث الإسلامي. نحن نعيش مواجهة مع أزمة وعي غائرة. والحال أن أي أزمة من الأزمات لا فكاك منها إلا عندما تعثر القضية على السلم والانسجام. إن الطريق الوحيد الذي يسعفنا في تحقيق ذلك، هو أن نتمسك بالبحث والدراسة وأسلوب الحوار. هكذا ترون معي، أني أراوح دوما حول فكرتي القائمة على ضرورة إرساء مركز للدراسات الدينية، الذي بإمكانه أن يبادر في تطوير الفكر الإسلامي و أن يساعد على أسلمة الحداثة وتحديث الإسلام. وإذا تعذر هذا المشروع الفكري، فلن يتأتى لنا الحصول على أي مخرج من هذه الأزمة. لقد اتهم ابن خلدون، والذي كان له تأثير عميق في حياتي الفكرية “السياسة العقلية”، وإن كان لا ينفي ميزاتها، بكونها “النظر في الأشياء بغير نور الله”. إن هدفنا إذن هو: أن تكون السياسة، في آن معا، عقلانية وفي ضوء النور الإلهي. وكما سبق أن صرحت، فإني لا أملك أي حل للمسألة. أقول فقط أن الطريق يسلك هذا المنحى.
 صحيح أن هناك كيفيات عدة لتصفية الإرث الإسلامي، بدليل أن المسلمين المنسلخين كليا عن إسلامهم بإمكانهم أن يثبتوا عدم الاعتراف بهم لا في أتون التاريخ الإسلامي ولا ضمن المجتمعات العربية. إنه دأب بعض المنافحين عن البربرية. وهذا ما يعادل رفضهم للتاريخ العربي- الإسلامي، على اعتبار أن كلمة عرب تحيل إلى معنى اثني لا على معنى ثقافي. بل هناك اعتراف للبعض منهم في المجتمع الثقافي الغربي أكثر منه في مجتمعاتهم العربية-الإسلامية. صحيح أنه توجد حداثة قد تنحو منحى الاقتلاع التام للجذور الثقافية، وهذا ليس حال ثقافتنا التي كانت مطبوعة بمسحة الإسلام إلى درجة أن مفكرين غير مسلمين تأثروا به (ابن ميمون نموذجا). إن هذا السبب هو الذي دفعني إلى الحديث عن الثقافة العربية-الإسلامية؛ ثقافة تحمل في طياتها شيئا ما، بحيث أضفى عليها لونا متميزا. ذاك الشيء المتميز هو الإسلام. فلم يكن هناك وجود تاريخي لهذه الثقافة الإسلامية قبل الوحي، ولادتها تأتت بدافع نص تأسيسي وبحركة تأسيسية.
 قديما، خاض البرابرة معارك ضد تواجد العرب باسم راية الإسلام. وكانت الحركة البربرية، في بدايتها، متجذرة في حياة الإسلام. أما في الوقت الراهن، فقد شهدت تمردا ضد النزوع العروبي والإسلامي. بل تمادى البعض منهم في التفكير بأنه يصعب الانخراط في حداثة حقيقية دون التحرر بشكل كلي من منظومة الفكر العربي-الإسلامي. وفي المقابل، بإمكان المسلمين ثقافيا، أن يفقدوا الإيمان، لكن مع بقائهم منشدين بوشائج الانتماء للثقافة الإسلامية.
 إنه لمن الأفيد، في السياق الحالي، ألا نتحدث عن الفضاء المغاربي الإسلامي، لأن مثل هذا الكلام، سينجم عنه سياسيا أمور خطيرة. فبإمكان التيارات الدينية المتطرفة أن تستحوذ على هذا التعبير لاستعماله لأغراض خاصة. صحيح أن الفضاء المغاربي هو واقع حقيقي. لكن، عندما نتحدث عن الفضاء العربي المغاربي، إذا شئنا القول، هو في اعتقادي كلام عن فضاء مغاربي له امتداد حضاري؛ استعملت فيه العربية كلسان دارج. وهذا أمر لا يعني شيئا.
 إن التعبيرين “العربي- الإسلامي” و“الفضاء المغاربي العربي” في حاجة إلى شروح توضيحية. تكمن أهميتهما في السماح بصياغة تركيبية لعدد معين من الوقائع. إلا أنه من اللازم اجتناب، عن حق، أخذهما في نطاق معنى حصري جدا وإلا سيكون ذلك منافيا لأي انفتاح. فهذه الصياغات تقدم فعلا صورة سلبية لما تحويه من بعد أثني، قد تثير استفزازا وانتقادات مبررة. والحال، أن مسعى الإسلام هو أن يقدم صورة على نفسه كإسلام عالمي لا كإسلام عرقي. لهذا، لا يتضمن أي تحجر في هذه الصياغات التعبيرية.
 كما أنه ينبغي كذلك تقديم إضاءة وشروح لهذه التعبيرات المتداولة من قبيل:“تحديث الإسلام” أو “أسلمة الحداثة”. فنحن لا نصير أشخاصا حداثيين بمجرد تلبيس خالص للذات بنمط حياة معين أو بأي مظهر براني. إن الغرب انخرط في الحداثة و هو يتحمل ثقل تاريخه. فهو يوجد معها، في آن معا، ضمن إيقاع متأرجح بين الاستمرارية والقطيعة، بين الدياكرونية والسانكرونية. إن هذا التوتر الحاد قد استنبت حداثة لا هي بحداثة قطيعة ولا هي بحداثة سيرورة خطية. كما أن هذا المثير الناشئ من حدة التوتر، هو الصانع لقوة الغرب وعظمته؛ والمهماز الذي جعل فكره دوما مبدعا. بهذا المعنى، تصير الحداثة قوة خلاقة دائمة وطاقة محركة صوب شيء ما؛ وروحا تتوخى البحث عن معرفة تصير الإنسان باستمرار إنسانا. الحداثة إذن هي قوة التجاوز. فهل نحن إذن على وعي بأن الحداثة هي جماع هذه الأمور كلها؟ يفترض هذا الوعي بالحداثة الاستمرار في إنماء تراثها الثقافي على كافة أشكال البحث، مع الأخذ في الحسبان بجميع الإسهامات، مهما كان مصدرها. ذلك، فإن الحداثة الغربية أبانت عن مقدرتها على هضم واستيعاب أشكال الميراث الأخرى المغايرة لها. فلتنظروا كيف عبرت هي عن نفسها في شتى أشكال التعبيرات المختلفة سواء أكانت فنية أو موسيقية أو أدبية، وقد اغتنت بفضل تيارات فكرية متنوعة. هنا تكمن قوة استيعاب هائلة مع ومن أجل محور الولايات المتحدة، والتي اعتبرت البؤرة التي انبثقت من صلبها حضارة قوية وغنية.
 فما الموقف الذي يتطلب منا اتخاذه لمجابهة مكشوفة أمام هذا الأمور كلها؟ البعض اختار الانسلاخ عن جذوره الثقافية بغرض الاندماج في الحداثة. بل وصلت عملية نزع الطابع الإسلامي عندهم درجة قصوى. وهذه حالة الروائي سلمان رشدي الذي تمرد على ماضيه، حتى وإن كان كلامه عنه مفعما أحيانا بنبرات الشوق والحنين. إن هذا الطريق ليس بالضرورة موصدا، فبإمكان أي مسلم مؤمن أن يسلكه مادام الإيمان شأنا خاصا وحميميا عند الإنسان. غير أنه لا يمكن أن يكون له تأثير سوى على فئات صغيرة محظوظة بثقافة أتاحت لها منفذا إلى الغرب. إذن فماذا نفعل من أجل الآخرين؟ طالما أن الحداثة الغربية تفسر سبب نجاح الخميني الذي وجد له صدى مؤثرا في وطنه من خلال الدعوة إلى الثورة ضد“الشيطان الأكبر”، فإنها تجازف في إنتاج تأثير مخالف عما كنا نسعى إلى البحث عنه. بمعنى أن يكون مصيره الإهمال. وكما سبق القول، ينبغي علينا أن نتحرر من الخوف. فبإمكاننا،أن نعثر في قيم الغرب العميقة ما يطابق قيمنا. بل يمكننا، فيما يبدو، أن نقدم من جديد للإنسانية أمورا كثيرة. يتطلب أن نساهم في بناء حداثة تعتبر اليوم حداثة كوكبية، مادام أي تلبيس لها موبوءا بالفشل. لهذا فمن اللازم إذن، وعن حق، امتلاك حرية تامة للتعبير، أي حرية فكر خالية من تابوهات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق