أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية / وفيق غريزي

إن القرون الأربعة من تاريخ فهم وتأثير وتأويل فرنسوا رابليه مفيدة للغاية ما دام هذا التاريخ يتداخل بتاريخ الضحك، ووظائفه وفهمه في الفترة نفسها.

إن معاصري رابليه (تقريباً اثناء القرن السادس عشر بأكمله) الذين عاشوا وسط التقاليد الشعبية الأدبية والايديولوجية، في ظروف وأحداث العصر، كانوا يفهمون مؤلفنا ويحسنون تقديره. إن آراء المعاصرين والخلف الأقرب، التي وصلتنا، وأيضاً الطبعات الكثيرة لأعماله في القرن السادس عشر وفي الثلث الأول من القرن السابع عشر شاهدة على ذلك، كما ان رابليه كان يحظى بتقدير كبير ليس لدى ذوي النزعة الإنسانية فحسب، ولدى البلاط والطبقة العليا من البرجوازية الحضرية، ولكن أيضاً لدى الجماهير الشعبية الواسعة، كتب أحد معاصري رابليه وهو المؤرخ اتيان باسكييه في رسالة إلى رونسار يقول فيها: «ليس هناك من بيننا من لا يدرك كم أن العلامة رابليه بهزله الحكيم غارغانتويا وبانتاغرويل قد حظي بإعجاب الشعب».

أحداث أخرى تبرهن بشكل واضح على أن رابليه كان مفهوماً ومحبوباً لدى معاصريه: إنها الآثار العديدة والعميقة لتأثيره، والعدد الكبير لمقلديه. وتقريباً كل كتاب النثر في القرن السادس عشر الذين اعقبوه: بونافو نتور دي بيرييه، نويل دوفاي، غيوم بوشي، جاك طاهورو، نيكولا دوكوليير، وغيرهم، استلهموا جميعاً منهج رابليه بهذه الدرجة أو تلك.

رابليه وتاريخ الضحك

كان هناك إقتناع لدى رونسار وجماعة لابلياد بوجود تراتبية للأجناس، لكن إعادة تأويلها في الظروف الفرنسية لم يكن من السهل استنباتها منذ الوهلة الاولى، وفي هذا الصدد، فإن «لابلياد» كانت ليبرالية وديموقراطية جداً، وكان أعضاؤها يكنون كل الاحترام لرابليه ويحسنون تقديره حق قدره، وعلى الأخص دوبيلي وباييف. الا ان الحكم الامتداحي، الذي أطلق على رابليه، وتأثير لغته القوي في لغة لابلياد، يقول المؤلف: «كان يتعارض بشكل قاطع مع المكان الذي خصص له في تراتبية الأجناس، أي المكان الأدنى تقريباً، عند عتبة الأدب. إن هذه التراتبية لم تكن في تلك الفترة سوى فكرة مجردة خالصة وغير دقيقة. وكان ينبغي حدوث بعض التحولات والطفرات الإجتماعية، السياسية والايديولوجية، وكان ينبغي ان تتضح وتضيق دائرة القراء والخبراء بالأدب الرسمي الكبير حتى تصير تراتبية الأجناس تعبيراً عن علاقاتهم الحقيقية المتبادلة في حدود ذلك الادب الكبير، وتصير قوة منظمة ومحددة على نحو حقيقي.

نعلم ان هذه السيرورة اكتملت في القرن السابع عشر، وإن تم استشعارها منذ نهاية القرن السادس عشر. إذ في هذه الفترة الزمنية بدأ الاعتقاد بأن رابليه ليس سوى كاتب ممتع، كاتب مضحك. كما نعلم ان المصير نفسه عرفه دون كيشوط ايضاً. الذي ظل لأمد طويل يصنف ضمن القراءات السهلة والممتعة. والشأن كذلك بالنسبة إلى رابليه الذي بدأ منذ نهاية القرن السادس عشر يتهاوى أسفل فأسفل، إلى عتبة الأدب الكبير، وتقريباً ادنى من ذلك، ثم أدنى من ذلك صراحة.

إن فترة رابليه، سرفانتس وشكسبير تمثل منعطفاً رئيسياً في تاريخ الضحك. في الموقف من الضحك، وليس في أي مكان سواه، فإن التخوم الفاصلة بين القرن السادس عشر والقرون الموالية لعصر النهضة لم تكن جازمة، قطعية وواضحة بكل ذلك القدر. إن موقف عصر النهضة من الضحك يمكن تشخيصه، على سبيل التمهيد والإجمال، على النحو التالي: إن للضحك قيمة تصور للعالم عميقة، لأنه أحد الاشكال الرئيسية التي من خلالها تتجلى الحقيقة حول العالم بمجمله، حول التاريخ، حول الإنسان، إنه وجهة نظر خاصة وشمولية في العالم، الذي ينظر إلى هذا الأخير على نحو مختلف، لكن بطريقة لا تقل أهمية ان لم تكن أكبر، من الجد؛ ولهذا السبب، ينبغي على الأدب الكبير أن يقبله شأن الجد؛ وحده الضحك، بالفعل، يستطيع الوصول إلى بعض مظاهر العالم المهمة للغاية.

ويشير المؤلف إلى مصدر فلسفة الضحك في عهد رابليه فيقول: «هو عبارة ارسطو الشهيرة (وحده الانسان دون سائر الأحياء من يعرف الضحك) وبهذه العبارة التي كانت تحظى بشعبية كبيرة، كان الضحك يمنح معنى موسعاً: يتم اعتبار الضحك بأنه امتياز روحاني أعلى للإنسان لا ترقى اليه باقي المخلوقات. ويستهل رابليه كتابه غارغانثويا بهذين السطرين: «الكتابة عن الضحك افضل من الدموع/لأن الضحك سمة الإنسان».

معجم الساحات العامة في أعمال رابليه

يتوقف المؤلف عند عناصر أعمال رابليه التي مثلت حجر عثرة بالنسبة الى معجبيه وقرائه منذ القرن السابع عشر، والتي وصفها لابرويير بـ «سحر الرعاع» والمفسدة القذرة، ووسمها فولتير بحزمة من الصلافة والعبارات الفاحشة البذيئة. أما المؤلف فيصفها اصطلاحاً ومجازاً بمعجم الساحات العامة. إنها تلك العبارات التي طردها الراهب مارسي والراهب بيرو من أعمال رابليه بكل حذق في القرن الثامن عشر، والتي ارادت الأديبة جورج صاند في القرن التاسع عشر تهذيبها. ان هذه العبارات لا تزال حتى اليوم تمنع من تمثيل رابليه على خشبة المسرح.

وحتى اليوم يؤكد المؤلف ان هذا المعجم يحرج كل قراء رابليه الذين يصعب عليهم ادماج هذه العناصر عضوياً وعلى نحو تام في النسيج الأدبي. ان الدلالة المحصورة، المقيدة والنوعية التي تلقاها هذا المعجم في الأزمنة الحديثة تشوه فهمه الحقيقي داخل أعمال رابليه، حيث كان له معنى شمولي بعيد جداً عن الإباحية الحديثة. ولهذا السبب يقول المؤلف: «ان العارفين والباحثين قد تناولوا بنوع من الازدراء هذا الارث الفاجع للقرن السادس عشر الساذج والفج، مؤكدين عن قصد على الطابع الساذج والمغفل لتلك العبارة الفاحشة العتيقة من خلال تمييزها عن الاباحية الحديثة المنحرفة».

استطاع رابليه التألق مع مظهر هام جداً من حياة الساحة العامة: عروض الشارع الفرجوية، ومن المحتمل انه هناك اكتسب معارف مميزة حول المنصات التي كان يشتغل عليها الممثلون، لقد كانت منصوبة في قلب الساحة وكان الشعب يتدافع عند جنباتها. مختلطاً بالحشود، كان رابليه يشاهد تمثيل الأعمال والتمثيليات الوعظة والمقالب الهزلية. «وقد اختار رابليه بالضبط سان ميكسان ونيور مكاناً لطرائف فيون التي وصفها في أحد كتبه. إذ كانت الثقافة المسرحية في فرنسا من اعلاها إلى أسفلها مرتبطة بالساحة العامة».

أشكال وصور الاحتفال الشعبي

إن صورة الملك أو الملكيين في الكتاب الرابع من أعمال رابليه، تفيد في تحديد درجة الثراء العالية التي يتمتع بها الشيكانوس الذي يشعر بحسن خدمته. لكن صورة الملك ترتبط أساساً بالمشاجرات المرحة وبالشتائم، كما أن صاحب الخط الأحمر الذي للشيكانوس، لديه موته المزعوم، وإنعاشه، وقفزة المهرج بعد التعرض للضرب.

ويقول المؤلف: «إن رابليه يصف خلع ملكين: بيكروكول في غارغانتويا وأنارش في بانتا غرويل. يرسم عن ذلك لوحة كرنفالية خالصة وإن اصطبغت بالتقليد القديم والإنجيلي».

الأسطورة التي تحيط بحياة رابليه تقدمه لنا بملامح كرنفالية. نعرف العديد من المحكيات التي تسرد تحريفاته وتدليسه، ويصف إحدى هذه المحكيات الحفلة التنكرية التي سبقت موته، وهو على فراش الموت، طلب أن يتم إلباسه زياً تنكرياً احتراماً لحكمة وردت في الكتاب المقدس سفر الرؤيا ومعناها «طوبى لمن مات صحبة الرب». إن الطابع الكرنفالي لهذه الحكاية وضاح تمام الوضوح، وتجدر الإشارة إلى أن هذا التخفي ينبني على تحريف دلالي للنصوص المقدسة.

ومن وجهة نظر المؤلف، كل أولئك الملوك (بيكركول، أرناش) وشيوخ السوربون (جانوس دو براغماردو)، كل اولئك الرهبان المنافقين، كل الوشاة الحزانى، ومناهضي الضحك، العابسين، كلها مشاهد متشابهة عند رابليه. «وهو يعمد إلى تدميرهم، وضربهم وطردهم، ولعنهم، وشتمهم، والاستهزاء منهم، إنهم ممثلو العالم الهرم، العالم بأكمله، العالم الثنوي الجسد، الذي يمنح الحياة بموته». بتنحية ورمي الجسم الهرم الذي يحتضر، فإنه قطع حبل سرّة الجسم الجديد والفتي. يتعلق الأمر بفعل واحد ووحيد، إن الصور الرابليهية ترشح لحظة الانتقال التي تجمع محوريهما الاثنين، كل ضربة موجهة للعالم الهرم تساعد على ولادة الجديد. إنها تشبه العملية القيصرية المحتومة على الأم، لكنها تخلص الطفل. يتم ضرب وشتم ممثلي العالم القديم ولكن الناشئ. لهذا السبب فإن الضربات والشتائم تتحول إلى أفعال احتفال مرحة.

ويشير المؤلف إلى أن رابليه يميز بين الملك، أو الملك سابقاً أو طامع في العرش، وفي الوقت نفسه، فإن محاولات كل المخلوعين عن العرش هي محاولات واقعية وحيّة تماماً، مثلما هم كل هؤلاء الشيكاتوس، هؤلاء المنافقون العابسون المفترون الذين يضربهم ويطردهم ويشتمهم. كل هذه الشخصيات الواردة في أعمال رابليه تتعرض للاستهزاء والشتم والضرب لأنها تمثل بصفة فردية السلطة والحقيقة المنتهية الصلاحية: الأفكار، الحق، الإيمان، الفضائل السائدة.

إن المعلم رابليه الشجاع يقضي على هذه الدمى بلا رحمة، بقسوة، وبمرح. إن الزمن المرح، الذي باسمه وبنبرته يتكلم هو الذي يغلب في نهاية المطاف. يقول المؤلف: «إن رابليه لا يمزق أبداً الأحياء، بل يتركهم يذهبون وحدهم، لكن يجب في البدء أن يزيلوا لباسهم الملكي أو رداءهم التنكري السوربوني الباذخ، رداء المنذر بالحقيقة الإلهية. بل إنه مستعد لمنحهم كوخاً صغيراً في الطرف الأقصى من فناء، ومهراساً لدق البصل الذي سوف يستعمله الملك أنارش، أو ثوباً لنسج سراويل جديدة، ومغرفة كبيرة لشرب الحساء». من المؤكد أن رابليه تعرض لهجوم مناهضي الضحك، أي أولئك الذين لا يعترفون بحقوق الضحك الخاصة. لقد أدانت السوربون كل كتبه، وفي أواخر أيامه فقد عاتبه بشدة الراهب غابرييل دوبويهربو من الجانب الكاثوليكي، وكالفان من الجانب البروتستانتي، لكن أصوات كل هؤلاء المناهضين للضحك ظلت معزولة؛ إن حقوق الضحك التي يكلفها الكرنفال كانت لها كلمتها العليا. نجح رابليه تماماً في الاهتداء بمقلب فيون.

صورة الجسد الغروتيسكية

ثمة تضخيمات توجد في صورة الجسد والحياة الجسدية، وكذلك في صور أخرى، لكنها ظاهرة بوضوح أشد في صور الجسد وصور الطعام. وهنا أيضاً ينبغي استقصاء المصدر الرئيسي والمبدأ الخلاق لكل صيغ المبالغة والتضخيم الأخرى في الكون الرابليهي، مصدر كل كثرة ووفرة مفرطة.

الجسد الغروتيسكي يقول المؤلف: «جسد في حركة دائمة، إنه غير جاهز أبداً، ولا يكتمل. إنه دائماً في حالة بناء وإبداع، وهو بنفسه يبني جسداً آخر؛ إضافة إلى ذلك إن هذا الجسد يمتص العالم وهو ممتص من طرفه». ومن البديهي أن أطراف وأجزاء الجسد قد تظهر في الصورة الغروتيسكية، لكنها لا تلعب هنا سوى دور شخصيات صامتة في الدراما الغروتيسكية، ولا يحدث أبداً أن يتم التأكيد عليها، إلا إذا كانت تحل مكان عضو من الدرجة الأولى.

صورة رابليه وواقع عصره

يمكن القول أن أعمال رابليه كلها، من البداية إلى النهاية، خرجت من قلب حياة العصر الذي كان رابليه مساهماً فعّالاً فيه أو شاهداً عليه مهتماً به. إنه يجمع في صوره سعة الشمولية الشعبية الكبيرة والخارقة للعادة الواحدة ذات الفردية، والحرص على التفاصيل، وما هو ملموس، في الحياة، ووحدات ذات راهنية موغلة إلى حد أقصى، إنها بعيدة إلى ما لا نهاية له عن الرمزية والنزعة الاختزالية المجردة.

ويقول المؤلف في هذا السياق: «إن في كتاب رابليه تقترن السعة الكونية للأسطورة بالحس الحاد بالراهنية في لمحة عامة معاصرة، وكذا الحس بالملموس والدقة الخاصة بالرواية الواقعية. خلف الصور التي قد تبدو مغرضة في العجائبية ترسم أحداث واقعية، وتظهر شخصيات حية، وتكمن تجربة المؤلف الشخصية الكبيرة وملاحظاته الدقيقة».

[ أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية

[ ميخائيل باختين

[ ترجمة: شكير نصرالدين

[منشورات دار الجمل – بيروت

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق