ثلاثية النضال (ج3)

“النموذج” كشكل للنضال

في الجزء الأول من هذه السلسلة، تناولنا مفهوم النضال باعتباره مظلة تندرج تحتها أطيافًا متعددة للنضال. وفي الجزء الثاني تناولنا شكلاً للنضال يُمارس بشكل غير مخطط وغير مقصود وذلك من خلال العيش وفق منطق “فن الحضور” كما أسماه آصف بيات. في هذا الجزء الأخير، سنتناول شكلاً آخرًا للنضال تتم ممارسته بوعي وتخطيط مسبق، ولكنه يختلف عن التصور التقليدي للنضال.

بداية، حتى لا نُتهم بالرومنسية – إن اعتبرنا الرومانسية تهمة – فالابتسام في وجه الحياة كشكل للنضال لا يعني استسلاما وقبولا سلبيا، بقدر ما هو نضال يومي يرتكز على توجيه الطاقة لتفاصيل اليوم لجعله يومًا أفضل للذات وللمحيطين. كما أن الحديث عن طريق آخر للنضال لا يُقصد به التوجه إلى الفن كخيار بديل باعتبار الفن وحده هو الحل كشكل من النضال الخلاق. فشخصية بإجرام وقسوة هتلر كانت مستهلكة ومنتجة للفن! الإشكالية التي نقع فيها دوما هي في تقديم حلول أحادية الجانب، فمرة نرى التغيير الذي نطمح إليه سيأتي عبر دعوات للنضال تحمل اللافتات بمطالب سياسية محددة، ومرة عبر المطالبة بتدريس الفلسفة، ومرة أخرى بتكريس الفنون والموسيقى في حياتنا. جميعها نحتاجها وستضفي شكلا لحياتنا وتغييرا، ولكن نحتاجها ضمن منظومة تحوي كل هذا وأكثر، وهذا موضوع لمقال آخر، فسنكتفي هنا بهذا، لنعود لتناول مفهومًا وشكلًا آخرًا للنضال يغيب جزئيا عن واقعنا.

إن ما نفتقده في واقعنا هو وجود نماذج تشكل من خلال نمط عيشها وممارستها اليومية سواء في العمل أو في علاقتها الإنسانية نموذجا يجعل لإمكانية تحقيق شيء ما وسط كل هذه الرداءة أمرًا ممكنًا. نعم نحتاج “فسحة أمل” بتعبير زياد الرحباني، فلو تأملنا الشخوص الذين نلتقي بهم في حياتنا اليومية، نجد أنه يمكن تصنيفهم إلى أربعة نماذج متمايزة، قد توجد نماذج أخرى، ولكن التناول هنا للأبرز منها:
1- نموذج يعيش في قوقعة تفاصيل العيش ولا يكترث للشأن العام.
2- نموذج يعي رداءة الواقع، ولكنه مصاب باليأس، فيمارس العيش بسلبية أو بسخرية مريرة.
3- نموذج يجد نفسه في هذا الواقع، فيحاول الانتفاع انتهازًا منه بأقصى ما يستطيع.
4- نموذج واع للواقع ويحاول تغييره قسرا وبحدية، فينتهي مسجونا داخلا أو خارجا كلاجئ.
إن تأملنا هذه النماذج، نجدها نماذج لا تفتح بابا للأمل. فإما هروب أو إنكار ساخر أو عيش يضيّع المرء فيه بوصلته القيمية أو انتحار بطيء. ما يحتاجه واقعنا وجود نماذج لأفراد يعيشون وفق منطق أخلاقي واضح وصلب، ويحققون مع هذا نجاحا مقبولا وسعادة ممكنة. إنها نماذج لبث روح الأمل لمجتمعات تعيش أزمات داخلية وخارجية على مدى قرون، أزمات نخرت في روح أهلها لتتشكل طبقات وطبقات من التراكمات النفسية، ليصبح التغيير السياسي المباشر ليس حلا كافيا لها. ليس من المطلوب أن تصرخ هذه النماذج بمطالب محددة، أو أن تمتلك مشروعا لتغيير سياسي ما، لكنها بعيشها ونمط عيشها فقط تزيل هالة اليأس المحيطة، وتكسر قاعدة “ليس بالإمكان أفضل مما كان”. وليصبح طرحنا أكثر وضوحًا، فإن مثالا قد يساعد. فمثلا كنساء، نعاني التهميش ومحاولات الإقصاء الواعية وغير الواعية عن المجال العام، والتي تؤدي إلى خلق واقع غير متوازن وضياع لحقوق النساء، فيصبح النضال ليس مقتصرا فقط على الخروج للشارع للمطالبة بتلك الحقوق، ولكن خلق واقع يصبح فيه تواجد المرأة في الفضاء العام أكثر قبولاً.

بعبارة أخرى، تقوم أغلب دعاوى إقصاء المرأة، على فكرة الخوف من فتنة المرأة وما قد تسببه تلك الفتنة من إرباكات وفوضى اجتماعية وأخلاقية، أي أن المبرر – وبمصطلح نفسي – هو “قلق عصابي” من مجهول يُتوقع منه السوء. فلعل العلاج هنا عبر الاشتغال على هذا القلق بمبضع السيكولوجي الذي يُعرّض المريض لمصدر القلق وسط بيئة آمنة، ليختبر المريض خوفه بشكل جديد لا يشعر فيه بنفس مستوى القلق والتوتر الذي تخيله، حتى يصل لمرحلة التخلص من القلق العصبي وتقبل الواقع الجديد.

فإن كان الخوف من المرأة هو خوف من فتنتها وغوايتها، فلتظهر النساء على الملأ دون تحدّ أو حركات احتجاج جماعية، ولنر إن كانت الفوضى الأخلاقية التي يُخشى منها ستحدث أم لا. فمثلاً، كون أكبر فضاء عام في السعودية الآن هو وسائل التواصل الاجتماعي، فإن تواجد النساء باسمائهن الصريحة وبصورهن التي تمت محاولة طمسها طويلاً، قد يكون طريقة لإثبات وجود محاولات تغييب مازالت موجودة. أن تضع إحداهن صورتها، ولتكن صورتها فاتنة – وهو ما يُصعد من درجة القلق – وفوق هذا أن تُعبر المرأة عن ذاتها فكرًا ومشاعر وجسدًا، فإنها بهذا لامست منبع القلق من المرأة، ولكن أن تفعل المرأة ذلك وبذات الوقت تمتلك أُطرها القيمية الصارمة من احترام الذات والآخر وجسدها، فإنها تطرح نموذجا جديدا لم يكن مطروحا كنموذج نسوي. ويصبح حضور المرأة بفتنتها (منبع القلق العصابي)، نموذجًا جديدًا يمكن تقديمه للمجتمع وبشكل ناعم عن إمكانية فتح فضاءات للمرأة دون خوف متوهم ومُضخم من انهيار أخلاقي ومجتمعي.

مثال آخر مهني هذي المرة، أحد أساتذة الجامعة يُعدّ نابغة في مجاله، وله عدد من الكتب والمقالات والتراجم في مجال تخصصه، له رأي يقول فيه: على أستاذ الجامعة أن ينظر للعمل في الجامعة كمصدر رزق فقط للحصول على راتب آخر الشهر، مع تركيز الجهد على الأبحاث وتأليف الكتب. ولكن لو تأملنا الأثر للمنتج النهائي لعطاء هذا البروفيسور الجامعي: تأليف كتب فكرية نخبوية متميزة يطلع عليها العشرات لتُلامس وتؤثر على عدد يقارب عدد أصابع يده. في المقابل، في الفصل الدراسي الواحد يُدرس الأستاذ ما يُقارب ٣٠٠ طالب جامعي. فأيهما أجدى بالاشتغال عليه؟ وحين نقول اشتغالاً، لا نطالب الأستاذ بمحاولة لتنوير وتثوير الطلاب واختلاق حالة وعي ثقافي، أو الدخول معهم في نقاش سياسي، أو تحريض على قراءة كتب فلسفية متعمقة. لا، فمن حق الطالب أن يعيش تجربته الخاصة كما يريد، ودورنا ليس في تشكيل عقولهم أو ذواتهم دون إرادتهم، بل أن نكون نموذجًا، والطالب عندها يقرر أي نموذج يريد أن يكون، وبذا – نسعى بكل حسن نية وبصدق – لأن نكون نموذجًا جميلاً في حياة الطالب.

أن يختبر طالب الجامعة أستاذا متمكنا علميًا من مادته، يشرح المادة بإخلاص وبصدق، ويحترم الطلبة بحيث يعاملهم بندية، وأيضًا يلتزم بمتطلبات مهنته من حضور في الموعد، وتواجد مستمر بالجامعة، ومساعدة الطلاب على المستوى الإنساني والعلمي، وفوق هذا صرامة أخلاقية ومهنية في التعامل مع الطلاب عند التجاوز في حالات الغش أو التلاعب، هنا يُقدم الأستاذ ذاته كنموذج للشخص المنتج الذي يعمل بإخلاص وقيم واضحة. هذا النموذج هو ما ينقصنا. ألا نسمع – وبشكل متكرر – العبارة التبريرية: “كلهم يغشون، كلهم يكذبون…”؟ وجود شخص يخلق هذا الاستثناء – وينجح صامدًا في ذلك – يفكك هذا التبرير ويضعفه. ليس مطلوبًا من أستاذ الجامعة أن يقف ليخطب أمام طلبته عن مفهوم الأخلاق عند نيتشه، أو فلسفة الجمال عند كانط، أو مفهوم الإرادة عند شوبنهاور، بل أن يكون هو النموذج لذلك كله. ولأن هذه عملية ليست سهلة، فلعلها النضال الأصعب ولكنه الأهم حاليا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق