محاكم التفتيش الأخلاقية / سامر فرنجيّة

باتت هناك صناعة عالمية للتضامن والإدانة، تطالب كل فرد من وراء شاشته بأن يعرّي عواطفه ويوزّع أحاسيسه على ضحايا هذا العالم. وإذا كان المثل الأوضح في الآونة الأخيرة لهذه الصناعة حملة «أنا شارلي»، فقد سبقتها سلسلة انفجارات تضامنية، من ضحايا «بوكو حرام» إلى حملة «ن» وغيرها من الأحداث، رسمت عتبة أخلاقية تحدّد إنسانية المراقب لمآسي العالم. وغالباً ما تلحق حملات التضامن هذه حملات مضادة، تعرض ضحايا جدداً في بازار من العواطف المُدينة، حيث يتنافس «أحمد» مع «شارلي»، وضحايا البراميل مع ضحايا «داعش»، وضحايا الولايات المتّحدة مع ضحايا «بوكو حرام»، والغالب دائماً، أطفال غزة، أو اليوم أطفال اليرموك، وهم ضحايا مزدوجون من المفترض أن يلاقوا تضامن الجميع.

التضامن والإدانة قد يشكّلان أحاسيس ضرورية في عالم فقد سذاجته المعرفية وقدرته على قول «لو كنت أعلم». بهذا المعنى، فهما قد يحدّدان آخر معقل لإنسانية كُتب عليها التعايش مع عنف مصوّر ومعمّم. غير أنّ تكاثرهما في العقد الأخير، وهو ظاهرة تزامنت مع تقليص فعالية الصدمة الأخلاقية ومنسوبها السياسي، قد يشير إلى تحوّل في السياسة، يمكن تلخيصه بعبارة «أخلقة السياسة». وفي هذا الإيطار، يلمح روجيه عوطة في معرض وصفه لأحاسيس التضامن وفعل الإدانة التي تلت عملية «داعش» الأخيرة إلى بعض جوانب هذه الظاهرة التي لخّصها بعبارة «إدانة، باعتبارها اعترافاً بخطيئة لم تُرتكب»، تربط بين لوم النفس على الجريمة والعقاب الآتي والمستحقّ. فكما يكتب: «ينظر المُدين إلى نفسه كأنها خاطئ ممكن، وعند مشاهدته القتل، يصبح خاطئاً قائماً بكلامه. يعتقد أنه مسؤول عن المقتول، يكونه كضحية، يشتد ذنبه أكثر فأكثر، فيعتبر نفسه القاتل، «أنا المسؤول عن المقتول، أنا القاتل، لا مناص من معاقبتي» (المدن، ٢٠١٥/٢/٦). بالتالي، يشير ترابط مفاهيم الإدانة بالذنب، بالتالي تشابك الداخل النفسي مع منظومة السلطة، إلى تحوّل في فعل الإدانة وأحاسيس التضامن مع السياسة. فلم يعد كافياً الرضوخ الصامت لنظام سلطة، أو حتى القبول العقلاني بضرورته، بل بات مطلوباً استثمار كل الطاقات النفسية للفرد في تبنيه هذا النظام من خلال إبدائه المتواصل لأحقّيته الأخلاقية.

تحوّلت الأخلاق من رادع للسياسة، يلجم تجاوزاتها الدموية، إلى اسبدال لها لتصبح اليوم أشبه بمحاكم تفتيش أخلاقية ترصد الأحاسيس الدافنة للأفراد والجماعات. ولهذا التحوّل أسباب أو إشارات يمكن رصدها في مجالات مختلفة. فانتقل العمل السياسي، مثلاً، من عمل جماعي حزبي، يذوب فيه الفرد في جماعة سياسية، إلى تقنية العرائض والبيانات، حيث بات الفرد في فرديّته نقطة الإرتكاز للسياسة، وصولاً إلى التضامن الأخلاقي، وهو إعادة الفرد إلى جماعة لا توحّدها الأيديولوجيا، بل الإحساس بسخط أخلاقي مشترك. المشكلة في «أنا شارلي»، بهذا المعنى، ليست في شارلي بل في «الأنا» الذي بات وجوده مرهوناً بشارلي، بالتالي بالأخوين كواشي.

كما يمكن رصد هذا التحوّل في مصاعب فكرة التضامن الدولي الذي بات في أزمة منذ انهيار نموذج حرب إسبانيا، ومن ثمّ التضامن العالم ثالثي، ليصبح عملية مولّدة لذنب لا نهاية له. فتزامنت نسبوية ثقافية حدّت من سفر السياسة مع أخلقة للعمل الدولي، استبدل التضامن السياسي بآلات العمل الإنساني ومؤسستها الضخمة التي باتت من أهم مصانع تحويل السياسة إلى عمل خيري. بهذا المعنى، ضحايا «البعث» وضحايا التسونامي لهم تقنيّات إطعامهم وتعليمهم التي لا تحتاج إلى سياسة، بل إلى تضامن مع ضحايا عزّل. فالحرب الأهلية باتت نموذجاً للصراعات، تنزع السياسة عن أي خلاف لتستبدله بتقنيّات حل النزاعات والاشتغال على الذاكرة. وهذا التحوّل ليس محصوراً في السياسة، بل يمتدّ إلى الإقتصاد مثلاً، حيث صعدت في العقود الأخيرة، شعارات كالفساد أو التقشّف، وهما إسقاط أخلاقي على الإقتصاد السياسي، أو من قبلهما أخلاقوية الفكر النيو-ليبرالي في التعاطي مع المسائل الإجتماعية، ليتحوّل الإقتصاد إلى تعميم لإدارة منزل.

بهذا المعنى، نمت صناعة التضامن والإدانة في ظل ميل عام إلى أخلقة السياسة وفروعها وتحويلها إلى تقنية حكم، لتشكّل المرادف النفسي لهذا التحوّل المعرفي. وإذا كانت السياسة تطورت تاريخيّاً في صراع مع قطبي الأخلاق والقانون، فاتّحادهما في محاكم التفتيش الأخلاقية قد يكون إشارة إلى أزمة في السياسة قد تقضي على قدرتنا على التعايش مع عالم سيبقى فيه ضحايا، ربّما لتضامننا معهم. فدمقرطة الضحايا قد تكون خطوة متقدّمة على أيديولوجيات القرن العشرين وتراتبية الضحايا التي شكّلت أرضيتهم الأخلاقية. بيد أنّ ما بدأ كرادع لسياسة خطيرة تحوّل إلى تقنية حكم وبديل للسياسة، يضع صاحب الأخلاق أمام معضلات لا نهاية لها. فطوبى القرن العشرين التاريخية لم تختفِ بل تحوّلت إلى طوبى أخلاقية عن عالم خالٍ من الضحايا، بات عالماً غير قادر على التعاطي مع واقعه الأسود.

التشكيك بالتحوّل نحو الأخلاق ليس تبريراً لعنف لا ينتظر من يبرره، وليس اتهاماً للمتضامن بنفاق أخلاقي. هو مجرّد إشارة إلى تعليب لأحاسيس قد تشكّل خطراً على إمكانية السياسة في الحاضر، والأهم من ذلك، إشارة إلى فشل هذا الكمّ من التضامن في انتاج سياسة بديلة. ينهي روجيه عوطة مقالته بأسئلة قد تشير إلى سياسة ما بعد أخلاقية: «كيف نعترض على القتل من دون أن ينم اعتراضنا عن شعور بالإتهام؟ كيف نواجه الإرهاب من دون أن نبرر مكافحة الإرهاب؟». الجواب السائد عن هذه الأسئلة هو الرفض المزدوج ومنطقه الجمعي: لا لداعش ولا لبشار، لا للإخوان ولا للعسكر، لا لصدام ولا لاحتلال العراق، لا للقاعدة ولا لجورج بوش، لا لشارلي ولا للإخوين كواشي، لا لـ٨ ولا لـ١٤ آذار. غير أنّ هذا الجواب بات العائق الأساسي للخروج من هذه الدوامة، التي قد تتطلب اليوم تعليق التضامن لحظة لتأمّل السؤال الفعلي وهو أنّ للسياسة ضحايا، لا مفرّ منهم، لا تقنياً ولا أخلاقياً. فهل يمكن تسييس هذه الحقيقة المرّة، بدل أنّ نؤخلق السياسة؟

عن جريدة الحياة – ملحق تيارات

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق