العامل الإنساني: حوار مع هومي بهابها(*)Homi K. Bhabha

تقديم


ولد هومي ك. بهابها (Homi K. Bhabha) سنة 1949 في مومباي بالهند حيث زاول تعليمه هناك حتى المرحلة الأولى من التعليم العالي، قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة ليكمل دراساته العليا. يشغل الآن وظيفة أستاذ الأدب الانكلو – أمريكي واللغة في جامعة أوكسفورد، ومدير مركز الإنسانيّات في جامعة هارفارد.
وينتمي بهابها إلى مدرسة ما بعد البنيويّة ونظريّة ما بعد الكولونياليّة. وقد اجترح عدداً من المفاهيم المفتاحيّة مثل مفهوم “الفضاء الثالث” (Third Space) و“المحاكاة” (Mimicry) و“التهجين” (Hybridity)… وتصف هذه المفاهيم وغيرها الطرائق التي قاومت بها الشعوب المستعمرة سلطة المستعمر. له عديد الكتب والدراسات العلميّة من أبرزها “حول الخيار الثقافي” (2000) و“صناعة الاختلاف: إرث الحروب الثقافيّة” (2003) و“إدوارد سعيد يواصل المحادثة” 2005))، والعديد من الإصدارات الأخرى التي لم يترجم أيّ منها إلى العربيّة بعد.
تُعتبر أعمال كلّ من جاك دريدا (Derrida Jacques) وجاك لاكان (Jacques Lacan) وميشال فوكو (Michel Foucault) من أهمّ الأدبيّات التي أثّرت في أعماله، وقد أشار في حوار معه سنة 1995 إلى أنّ إدوارد سعيد هو أكثر المثقّفين الذين تأثّر بهم. وقد تلقّى سنة 2012 جائزة بادما بوشان (the Padma Bhushan award) في ميدان الأدب والتعليم من الحكومة الهنديّة.
وفي هذا الحوار الذي نترجمه من الانكليزيّة، يتحدّث بهابها عن دور الإنسانيّات في المجتمع الحديث، وغياب النقاشات العامّة في المجتمعات الحديثة، وإرادة الإقصاء عند البشر.

*********

ـ في عالم يجب أن تكون فيه مسؤولاً، يجب عليك تبنّي مقاربة علميّة. ماذا يمكن أن تعلّمنا الإنسانيّات ؟
اليوم يوجد طوفان من المعلومات. ما شجّعته الإنسانيّات بوصفها مجموعة من التخصّصات، هو معرفة مدى أهميّة التأويل. الحقائق لا تتكلّم بنفسها، لأنّ الجميع يمكن أن يدلّك على الحقائق بطريقة أو بأخرى. وهذا ليس شيئاً غير أمين، ولكنّ الجميع يتمثّل الحقائق بطريقة معيّنة. إذن، ما تفعله الإنسانيّات هو أنها تأخذ المعلومات وتحوّلها عبر مسار تأويلي إلى معرفة.
ـ هل يوجد إطار عمل بسيط تستخدمه كخطوة أولى لتبدأ مساراً تأويليّاً ؟
نعم! الخطوة الأولى لبداية تأويل ما، هي النظر إلى كثافة المعلومات. لن أنظر إلى حيث يصرّح أحدهم تصريحاً شائناً أو يضع إحصائيّات غير ممحّصة. وحيثما تتوّفر حقائق يمكن البناء عليها، حينها فقط يمكن أن أبدأ تأويلاً نشطاً. وعبر ذلك التأويل النشط، يمكننا بناء نظام معرفي، ومن ثمّة القول، على أساس دراسة تلك الحقائق التي تحظى بكثافة معيّنة -بعضها صحيح والآخر خاطئ – أبدأُ بتكوين صورة حول كيفيّة تشكّل هذه المسألة المحدّدة أو أين أحتاج أن أذهب لسبر أغوارها.
ـ لكن من أيّ وجهة نظر يجب على المرء أن يحلّل الموضوع؟ من وجهة نظر المساهمين أو المواطنين…
الإرث العظيم للعلوم الإنسانيّة منذ عدّة قرون يقول إنّه يجب أن يكون في مصلحة البشريّة. مصلحة البشريّة تقتضي أن تكون المنافع مفتوحة لأكبر عدد ممكن من الناس دون إسكات الذين يمكن أن يكونوا أقليّة. من دون ذلك لا يمكن أن يكون هناك مسار ديمقراطي. “من المستفيد من هذا؟” إذا كان لا يمكن لهذا السؤال أن يُطرح بحريّة، فإنّه لا يمكن الحصول على مجتمع ديمقراطي.
خذ على سبيل المثال ساعات العمل الطويلة. إذا كان عملك يتطلّب منك، دون إرادتك، أن تعمل 17 ساعة يوميّاً، لكن ذلك سيكون له تأثيرات كبيرة على حياتك الشخصيّة، فإنّه من الواجب أن تتمّ معالجة ذلك. هذا الموضوع على سبيل المثال طرح في المملكة المتحدة في أعلى المستويات حين قال البرلمانيّون: “تستمرّ جلسات البرلمان طويلاً لأنّ أحداً ما يريد إثارة قضيّة. أحياناً ننام ثلاث أو أربع ساعات، ولا تتسنّى لنا العودة إلى عائلاتنا في المساء، نحن نتجاهل التزامنا المهمّ نحو عائلاتنا وجماعاتنا بسبب طريقة هيكلة عملنا، ونبقى هناك لساعات متأخّرة من الليل. لا يمكن لهذا أن يكون طريقة جيّدة”.
ـ لماذا لا يريد الناس أن يثيروا ذلك في نقاشات عامّة؟ في أزمنة سابقة، انخرط ألبير كامي (Albert Camus) وجون بول سارتر (Jean Paul Sartre) في نقاشات عامّة حول قضايا حيويّة.
أنا شخصيّاً معجب جدّاً مثلك بتلك الفترة وتلك النقاشات العامّة. أظنّ أنّ ما حصل هو أنّ الناس يريدون أن يكونوا مثقّفين عامّين، لكنّ المنشورات لا تعطيهم المساحة الكافية، فالإعلام الآن لا يعطي أهميّة للأفكار بقدر اهتمامه بالمعلومات. لا أحد يريد للأفكار أن تُنشر في وسائل الإعلام، لأسباب اقتصاديّة أو سياسيّة عديدة. أظن أن هذا هو السبب الأوّل. والسبب الثاني هو أنّ التعليم أصبح تقنيّاً ومهنيّاً بصفة عامّة، بينما تحتاج مثل تلك النقاشات معرفة أوسع. سارتر وكامي كلاهما كان بصفة أساسيّة كاتباً، وكانا مهتمّين بالسياسة والثقافة والتاريخ… لا يوجد نفس النوع من الأسس الإنسانيّة في التعليم اليوم.
صحيح، سيشكّك الناس في مصداقيّتك إذا قدّمت رأياَ حول موضوع ليس من اختصاصك. على سبيل المثال إذا لم تكن رجل اتّصالات، فكيف يمكن أن يكون لك رأي في ذلك؟
هذا نتيجة للتعليم التقني المهني المفصول للغاية. إذا تلقيّت تعليماً إنسانياً أدبيّاً ليبراليّاً واسعاً، وهذه من نقاط القوّة في الولايات المتحدة حيث تُكرّس السنتان الأوليان لتعليم أوسع، فإنّك تبدأ في بناء قدرتك على ربط الصلات. يجب على التعليم أن يسمح لك بإقامة صلات بين الاختصاصات والأشكال المختلفة للمعرفة.

ـ كان الإغريق يطلقون على من يختلف عنهم “البرابرة”. مازلنا في نواحٍ نُعامل “الآخر” بنفس الطريقة، لماذا؟
لأنّك تراهم كخطر وغير مرغوب فيهم. تريد خلق عالم يمكنك أنت وقومك احتلاله والاستحواذ على جميع المزايا. هذا النوع من الإقصاء يظهر باستمرار حين توجد امتيازات سياسيّة واقتصاديّة كبيرة يمكن جنيها. وفي هذه النقطة، لا شيء أكثر فاعليّة، بمعنى الأشدّ تراجيديّة، من القول بأنّ هذا الشخص هندوسي أو ذاك الشخص مسلم أو فارسي، أو يهودي.
وحول هذه الأنواع المختلفة من المفاهيم الهوويّة، يتمّ خلق الصور النمطيّة. وعلى سبيل المثال عبارة “الفُرس الهنديّون ليس لهم التزام حقيقي نحو الهند!”… ما أقوله هو أنّ أسهل شيء في أوقات التوتّر السياسي هو تقديم الناس المختلفين لغويّاً ودينيّاً ومن هم مختلفون ثقافيّاً أكباش فداء، وبناء أفكار عدوانية أو عنيفة بشأنهم، وأن تستخرج عنفك وتعكسه باتّجاهم كي يمكنك الادّعاء بأنّهم يهاجمونك.
ـ في الهند يوجد لدينا نقاش قويّ حول النموّ الاقتصادي والحفاظ على أسلوب عيش القبائل. كيف تحلّل ذلك؟
هل يمكن لفرد أو جماعة صغيرة الوقوف في طريق التطوّر؟ حصل ذلك في انكلترا حين حفروا نفق المانش. قال بعض الناس لن نغادر موطننا وافعلوا ما تريدون. الناس الذي قالوا ذلك كانوا أقليّة، وما أرادوه هو اعتراف مناسب بما خسروه وتعويض خسارتهم تلك، وذلك هو الأمر المهمّ. لا يمكنك فقط القول “أنت ضدّ التقدّم”.
أولئك الذي قد لا يكونون جزءً من التقدّم لهم تاريخ وثقافة ومسقط رأس وأرض. لذلك، فإنّه لا بدّ من أن يكون جزء من التعليم من أجل مجتمع مدني هو بالدرجة الأولى ما يجعلهم يحسّون بأنّنا في نفس القارب، ثمّ الاعتراف ثانياً بخسارتهم وتعويض خسائرهم كي يتمكّنوا من تأسيس شكل جديد من العيش الكريم.

********

أهمّ كتابات هومي بهابها
Nation and Narration, New York: Routledge, 1990.
The Location of Culture, London ; New York: Routledge, 1994.
“On Cultural Choice”, In: The Turn to Ethics, edited by: Marjorie Garber, Beatrice Hanssen & Rebecca L. Walkowitz, London: Routledge, 2000 (pp. 181-200).
“Democracy De-Realized”, in: O. Enwezor et al. (eds) Democracy Unrealized: Documenta 11 Platform 1, Ostfildern-Ruit: Hatje Cantz, 2002 (pp. 347–364).

– نشر هذا الحوار في مجلّة Forbes India بتاريخ 25 مارس 2011 تحت عنوان:The Human Factor – An Interview with Homi Bhabha, by Shishir Prasad

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق