تعطي مسألة الزواج المدني في لبنان انطباعاً خادعاً…

تعطي مسألة الزواج المدني في لبنان انطباعاً خادعاً بأنها مسألة منعزلة إذ لا تهمُّ سوى عدد قليل من فئة واحدة من الناس، بعض الشباب، وهي بالتالي أقرب إلى مجموعة حالات خاصة لا ترقى، استطراداً، إلى مستوى مسألة عامة ووطنية، حتى وإن كانت في أساسها عابرةً للطوائف، وغير مختصة بطائفة واحدة ولا حتى بطوائف معيّنة من دون أخرى!

كما تتبدَّى للبعض أيضاً كمسألة مصطنعة، مفرطة بالمبالغة، لكون عدد من اللبنانيين قد مارس فعلاً هذا الزواج المدني، ولا يزال عديدون منهم يمارسونه للساعة، ويقدَّر عددهم اليوم بالآلاف. ولكون الدولة اللبنانية تعترف لهم بشرعية هذا الزواج ومختلف تبعاته القانونية المرعيَّة الإجراء على الأرض اللبنانية بوصفهم مواطنين لبنانيين كاملي الحقوق الرسمية والمدنية في وطنهم! ولكن بشرط ضروري هو أن يكون هذا الزواج المدني قد عُقِد وسُجّل رسمياً وأوَّلاً خارج الأراضي اللبنانية، في بلد صديق للجمهورية اللبنانية ونتبادل معه علاقات دبلوماسية، أي أنَّ هذا النمط من الزواج هو الوحيد المرعي الإجراء قانوناً على أرض هذا البلد. فلا يكون على السلطة اللبنانية، والحالة هذه، سوى تصديق هذا العقد والقبول به وبكل تبعاته القانونية المتعلقة بالزوجَين والأولاد.

ولكن السؤال الأساسي يبقى التالي: لماذا لا يكون هذا الزواج ذاته، بالشروط ذاتها وبفاعلَيه ذاتهما وبالتبعات ذاتها، مقبولاً عقده على الأرض اللبنانية؟

الإجابة عن هذا السؤال تبلغ حدّها الأقصى من الرفض ومن المراوغة المخاتلة، ومن العدائية المموَّهة التي تضع على المحك مصداقية النوازع الحقيقية حول العيش المشترك الذي نص عليه الدستور اللبناني وجعله أيديولوجيا الدولة الطوائفية في لبنان والقاعدة الأساسية للسلوك والأخلاق والاستقرار في الحياة العامة المتنوعة الانتماءات كالدولة، وأكثر منها! إلاّ أنَّ ما يخفف من سوداوية هذه المواقف كونها منحصرة فعلاً في عدد قليل ممن يتولّون «قيادة» الطائفة حرصهم على مصالحها و»قيادتهم» لها! ويدَّعون أيضاً وتالياً ـــ وهذا أندر المواقف وأكثرها هذياناً – «قيادة الأمَّة» بأسرها! فالبحوث الاجتماعية أظهرت أنَّ غالبية الناس هي دوماً أقل اهتماماً طائفياً، وبالتالي أقل تشنُّجاً وعدائية، من الذين يدَّعون حصرية الكلام باسمهم، مدنيين أو غير مدنيِّين!

يبرِّر أحد الأحبار المسيحيين موقف الكنيسة (الطائفة المارونية) بقوله إنَّ «قبولها الزواج المدني ولو مكرَهة، في الدول التي اعتنقت هذا القانون»، يعود إلى أنها «تحترم الحرية الإنسانية» (المطران بولس مطر، جريدة النهار، 8-2-2013).

إلاّ أن مسألة قبول عقود الزواج المدني هي من الاتساع بحيث أن أيَّ طرف في لبنان (وفي غير لبنان)، طائفياً كان أم غير طائفي، عاجز فعلاً عن الإحاطة بها وبمختلف تشظياتها المتنوعة، وبالمتطلبات التي تتجاوز مجرَّد إدانتها ورفضها، كائنة ما كانت لغة هذه الإدانة وإجراءاتها العمليَّة الممكنة.

نحن بالحقيقة إزاء زواج مدني عقدَه على مدى عقود ملايين من البشر المهاجرين (المغتربين)، من كل الأديان والمذاهب من غير استثناء، ينتمون في الأصل، ولا يزالون ينتمون، إلى مواطنهم الأصلية في آسيا وأفريقيا، دولاً ومجتمعات، لا يزال الزواجُ الديني في أغلبها هو المعتمَد. وأسَّسوا هناك عائلات يمارس العديد من أفرادها، النوعَين من الزواج وعلى التوالي: الزواج المدني أولاً وضرورةً، والديني لاحقاً وتالياً إذا رغب المتزوّجون في ذلك، وكانوا يؤمنون بضرورته. وهم لا يشعرون بذلك التهديد لحرية إيمانهم الديني الذي يزعمه لهم مناوئو هذا الزواج عندنا!

نسوق هذا الكلام لتصويب الرأي (والنصيحة، ،أو ربما التحذير) من أن «الإصرار على المطالبة بزواج مدني يُعقَد في لبنان سيدفع الطوائف والمذاهب المعبَّأة الى إقفال «المخرج» المعتمد منذ الخمسينيات، أي تشريع الزواج المدني المعقود في الخارج» (سركيس نعوم، النهار، 6-2-2015)!

طرد الملايين

بالحقيقة، ما من سلطة داخلية، طائفية أو رسمية، هي فعلاً قادرة على هذا المنع الذي يترجَم افتراضياً بـ «طرد» الملايين من أوطانهم الأصلية، وإصدار مرسوم بتكفيرهم، أو حرمهم، ووصم أبنائهم رسمياً بأنَّهم «أولاد زنى»، ويستمر هذا المرسوم ساري المفعول، افتراضاً، إلى حين عودتهم إلينا وعقدهم زواجهم الديني عندنا! فمثل هذه المواقف الاتهامية الافتراضية المتوهِّمة، في هذا الزمن، سهولة الانزواء عن العالم والانقطاع عنه، والتي يهدّدون بها المطالبين بزواج مدني يُعقد في لبنان، وهي أحد نماذج الانغلاق الفكري المستشري راهناً بأشكال توحشية استعراضية في «دوله» وفي مضاربه المستقطعة من اهتراء سلطات الاستبداد العربية، وأهم ما يلفت فيها هو أنها تخفي نزعات لا نسَب لها بتبدّل الأحوال والأزمان (أحوالنا وأزماننا)، هذا التبدُّل الذي نصح ابن خلدون، منذ قرون، بالوعي الدقيق به، تمثُّلاً بالمؤرخ الحصيف العتيد الذي ينشد كنه حقيقة التاريخ، لا بالمؤرخ الببغائي ذي النمط القديم الذي لا يفعل سوى ترداد ما قيل، وما محضه عديدُ التكرار حصانةً من القداسة والإجلال والرسوخ!

إلاّ أن الخديعة الكبرى حول مسألة الزواج المدني هي تلك التي تكمن في الطريقة التي يجري بها تمويه قواعده التي يقوم عليها. فهو، بخصوصيّته، وحتى بحصرية ميدانه، أحد وجوه المعركة المديدة والمريرة والحاسمة التي، من نتائجها، دخل الجنس البشري في عصور حديثة، أي في الحداثة التي حررت عقله من الكثير من الأخطاء والأوهام المتوارثة، واعتبرت الإنسان العاقل الحر هو الذي يكتشف الحقائق ويبتدعها، وهو القادر بحرّيته وثقته بنفسه أن يقرر مصيره ويحدِّد معتقداته، وأن البشر هم متساوون، بصرف النظر عن فروقات الدين واللغة والعرق والصقع بينهم… وأن سلطاتنا، في الطوائف وفي الدولة المركبة من الطوائف، إذ تعترف بتقدُّم «الحداثيين» وبتخلُّفنا عنهم، وتسأل مع بعض مفكِّرينا: لِمَ حصل ذلك، ولا يزال يحصل؟ فإنها لا تجرؤ، تالياً، على السؤال لماذا أولئك «المتفوِّقون» يمارسون زواجاً مدنياً، ولماذا نحن نرى فيه خطراً مبدداً لهويتنا!

إنَّ المعركة الناعمة والمهذبة والراقية الاسلوب التي يقوم بها بعض الشبان والشابات اللبنانيين في الضغط الديموقراطي على السلطة السياسة وسواها لإقرار عقد الزواج المدني في لبنان، توهم، ظاهراً – وهو وهمٌ لم تفلت منه حتى الكثرة من مناصريه أنفسهم! – بأننا إزاء منافسة علنية بروح رياضية. بينما هي بالفعل استئنافٌ لمعركة كبرى مديدة، هي معركة الحداثة، أو «النهضة»، اندلعت منذ قرنين، ولا تزال مستمرة بأشكال وأوجه مختلفة، وعلى وقع عالمٍ بات يصعب إقفال مساربه المتصلة والمتواصلة. الزواج المدني رأس جبل الجليد منها. ودعك هنا من الفورات البربرية العابرة. فهذه، إذ لا تُحسن التمييز بين الماضي والمستقبل والوعي بتبدُّل الأحوال، فلا مستقبل لها سوى ماضيها الغابر المختزَل، والمزوَّر تالياً، بما تتوهَّم أنَّه كان له!

باختصار، لا بد من لفت النظر إلى أنَّ تاريخ الزواج المدني في لبنان شهد في العقدين الماضيين ثلاثة منعطفات كبرى يصعب، بمدى قريب، تجاوز الحدّ الأقصى الذي بلغته، ويصعب أيضاً كنه دلالاته البعيدة، وتناقضاته الدينامية، بغير عقل جدلي هو الاكثر قدرة على فهم مسارها التاريخي:

المنعطف الأول: الدولة اللبنانية تقوم بإقرار مشروع قانون زواج مدني اختياري في لبنان، في جلسة لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية بتاريخ 18ـــ 3 ـــ 1998، بأصوات 21 وزيراً من أصل 30، أي نسبة 70%. (وهي، للتذكير، النسبة الدنيا المقبولة لانتخاب رئيس للجمهورية من الدورة الأولى)!

المنعطف الثاني: هذه «النعم» القصوى، غير المسبوقة، تحبطها «لا» دولتية أيضاً، ولكن غير دستورية: رئيس الحكومة آنذاك، رفيق الحريري، يعتقل هذا المشروع ويمتنع عن تحويله إلى مجلس النواب لمناقشته والبتّ به. ولا يزال المشروع معتقلاً للساعة! وتعزيزاً لهذه الـ «لا»، يصدر مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني، بعد عقد ونصف العقد من الزمن، فتوى دينية تعلن أنَّ مَن يوافق من المسؤولين المسلمين في لبنان «على تشريع الزواج المدني وتقنينه، ولو اختيارياً، هو مرتدٌّ وخارجٌ عن دين الإسلام…»!

المنعطف الثالث: هو «نعم» جديدة تأكيدية لافتة صادرة عن مرجع إسلامي لبناني كبير هو رئيس الحكومة سعد الحريري الذي رفض علناً ما صدر عن لسان مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمَّد رشيد قباني بشأن قضية الزواج المدني من «تكفير الناس»، مشدداً (الحريري) على أن ذلك «غير مقبول»، ومذكِّراً المفتي بأنَّ «هناك 700 مليون مسلم اختاروا الزواج المدني، فهل هؤلاء كفَّار؟». واعترف بأن «هناك خلافاً على الزواج المدني في لبنان، ولا بد من الحوار» حوله (النهار، 1 شباط 2013).

إن قراءة لمواقف الحد الأقصى من مسألة الزواج المدني (ومن غير الإفتئات على عدد من المواقف القيّمة، هي الأخرى، التي لم نذكرها هنا) عموماً، وفي لبنان، التي عبَّرت عنها هذه الجدليةُ الثلاثية الكبرى في لبنان: (نعم – لا – نعم)، تنمُّ، بمعناها الواسع، عن أزمة عميقة شاملة في ثقافتنا (وفي معارفنا وقيمنا ومعتقداتنا) وفي نظامنا السياسي الذي يتكلَّم على تفسُّخه الصعب وعلى وحدته العويصة، بأكثر من دلالة. فالأزمة تعني، بإحدى صوَرها العامة، أنَّ القديم مات، أو يترنَّح، بينما الجديد لم يولد بعد. أما أزمتنا بالزواج المدني فهي من نمطٍ جدلي خاص يوفِّر تعايشاً جديداً غير مسبوق على أرض لبنان للزواجَين الديني والمدني لا يتلاغيان حكماً، كما لا يتكاملان ضرورةً، بل خياراً حراً غير مفروض وغير مرفوض. أما قوى الصدِّ والإلغاء بالعنف ـــ وهي متمثلة مع ذلك بمحدودية فكرية وثقافية تجعلها غير مؤهلة لاستيعاب هذه المسألة بعناصرها المتداخلة ومختلف أبعادها، وبالتالي لخوض هذه الواقعة الحضارية التي تزج نفسها فيها بمفاهيم قاصرة وملتوية وعدائية حول المواطَنة والعلمانية، والرسوخ في ذهنها لفكرة دونية المرأة ولصورة الانسان غير الناضج للتصرف بممصيره وحده ومن غير سلطة أو وصاية خارجة عنه ـــ فهي تنسلخ تلقاءً عن هذه التسوية التاريخية الحضارية المطروحة، وتضع نفسها، إمعاناً في الجهل والتشبث بمسلكيات بائدة، على مستوى متدنٍّ عنها.

إن وعينا بدينامية الحياة، الذي دفعنا باهظاً لاكتسابه والتمتع بمغانمه المعرفية، يرفدنا بقوى خلاّقة للانخراط بمعركة واسعة لابتداع عالمٍ، هو عالمنا، أكثر جمالاً وأكثر تعاوناً وأكثر عدالة وحريةً، وأكثر إنسانية. فالزواج المدني الذي لا سوابق له في تراثنا، هو أحد نماذج هذه الانتماءات الجديدة إلى هذا العالم. فمن تربَّوا على الخوف من التغيير، والتوجس من التجديد وأهله، ومن كل ما يخرج عن مسار التقاليد، لا يجدون ضيراً في رؤيتهم المغلوطة لحياة جامدة هكذا منذ نشأة الكون، كما علَّم الآباء والأجداد وأشباههم!

هؤلاء السذَّج هم أدوات المعركة وواجهتها وليسوا محرِّكها الناطق باسمها، الذي جعلها ساحه المفتعلة بصلفٍ وخوفٍ ومخاتلة لإلغاء مخالفيه. «ولكنَّها تدور»، قال غاليليو بإصرارٍ لم يُسقط هدوءَه وأناقته الانسانية. مذ ذاك، تغيَّرَ العالمُ إلى غير رجعة.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق