في نقد الجهل الخالص

لا يجب السقوط في جدل عقيم يبتغى إيجاد مصالحة مستحيلة بين الدين والفن فهما خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا إذ لا رجل الدين المقلد يقبل حرية الفن وعالميته ولا الفنان المبدع يقبل الرضوخ لتحفظات الدين و خصوصيته. وربما عدم الفصل في هذه المسألة هو الذي أربك و لا يزال يربك الساحة الثقافية في الجزائر وكدت أقول أن هذا المزج والتداخل هو السبب الرئيس في أزمة الإبداع التي يعاني منها البلد منذ عقود. كيف تقوم للإبداع قائمة في الجزائر حينما يتحول بعض أشباه الفنانين إلى رجال دين وحينما يتحول أئمة متطرفون إلى نقاد سينما و مسرح و أدب؟ ما افتعل من جدل حول فيلم “الوهراني” للمخرج الجزائري الشاب الياس سالم هو تلخيص نموذجي لمدى الجهل الذي مازال معششا في الكثير من الأذهان، كما يبين هذا اللغط مدى التأثير السلبي الذي ما زال يعاني منه الحقل الثقافي والإبداع عموما في الجزائر جراء تدخل المتطفلين. الصراع الدائر اليوم حول “الوهراني” هو عينة من ذلك الصراع العام الذي يخوضه ما تبقى من الحداثيين ضد الآلة الأصولية التي تكاد أن تبتلع كل شيء في البلد، هو استمرار بوسائل أخرى لذلك الصراع العنيف الذي تحدث عنه الراحل الطاهر جاعوط في بداية التسعينيات، بين العائلة التي تتقدم  والعائلة التي تتأخر. النظرة الدينية نظرة اختزالية أحادية وأخلاقوية لا يمكن أبدا أن تكون معيارا لتقييم عمل سينمائي بمستوى “الوهراني” وكلما شرع في تقييم أي إبداع عبر المقولات الدينية كان ذلك بداية لخنق الحريات والدخول في مرحلة الانحطاط.

لا تستحق الاتهامات الموجهة للفيلم أي رد أو تفنيد لأنها ساذجة ولا تقف على أي سند تاريخي أو سوسيولوجي أو فني. فضلا على أن الطابور الرافض للفيلم يحتقر الجمهور ويعتبره غير راشد و ينصب نفسه عليه وكيلا يختار له ما يجب أن يشاهد أو لا يشاهد، كأن الجمهور قاصر وجب توجيهه كقطيع من الغنم. وربما موضوع الفيلم هو أحسن رد على معارضيه إذ يشيد بالهوية الجزائرية المتعددة في الوقت الذي ينفون فيه ذلك التنوع والتعدد ويريدون فرض هوية مستوردة. فلئن قسّم المتدينون المتطرفون البشر إلى شياطين وملائكة، فالسينمائيون يصورون نماذج بشرية بعينها تعيش تناقضاتها واختلافاتها وانكساراتها وبطولاتها… وهذا ما نتمتع به في هذا العمل الإبداعي المظلوم الذي حاول أن ينظر إلى الثورة الجزائرية نظرة موضوعية بعيدة عن التمجيد المجاني.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق