الزواج المدني في مصر.. مسارات متعرجة / ناصر كامل

تبدو للوهلة الأولى الأصوات الداعية لسن قانون للزواج المدني في مصر خافتة، ومحصورة في نطاق ضيق. ويبدو المكترثون بسماعها قلة خارج نطاق فضاء التواصل الاجتماعي الذي تظهر فيه نبرة أحد، وأحكام صادمة للكثيرين، من نوعية: «المرأة المسلمة يملكها أهلها ورجال الدين جزئياً، والمرأة المسيحية يملكها أهلها ورجال الدين كلياً»، وللوهلة الثانية تبدو القضية وكأنها خاصة بالمسيحيين من دون المسلمين، ومتعلقة فقط ببضع إجراءات قانونية، لكن التدقيق، قليلا، يتكشف عن أبعاد أكثر تعقيداً: ثقافياً ودينياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً؛ ذلك أن كلمة «مدني، مدنية» تحمل في طياتها كل ذلك التعقيد الناتج عن عجز المجتمع المصري عن اكتشاف طريقه نحو الحداثة.

الكلمة «مدنية» موصومة بـ «نبذ الشريعة» منذ نحو قرن من الزمان، لكن مقارباتها سارت في مسارات متعرجة، وتناوب سالكوها على التقدم والتراجع منذ كتب الشيخ محمد رشيد رضا في مجلة المنار ـــ حزيران 1922ـــ مقالته «مدنية القوانين أو سعي المتفرنجين إلى نبذ بقية الشريعة الإسلامية»، معتبراً أن من يقترح أن تقوم الحكومة المصرية «في عهد الاستقلال والدستور بتوحيد قوانينها؛ لتُجعل كلها مدنية بوضع قانون مدني للأحوال الشخصية من زواج وطلاق وغير ذلك»، يعني بالمدني ما يقابل الديني، وواصفاً أصحاب الاقتراح بأنهم «بعض ملاحدة المتفرنجين المقلدين لأعداء الأديان من الإفرنج» وأنهم يرون أن «الشريعة الإسلامية غير عادلة؛ لأنها تبيح للمسلم أن يتزوج يهودية أو نصرانية، ولا تبيح أن يتزوج غير المسلم امرأة مسلمة!».

ومنذ ذلك الوقت، وحتى اللحظة، لم يخفت هذا الصوت على الرغم من ركام القوانين وتعديلاتها، وما زالت هناك أصداء لذلك الصوت تعتبر ليس فقط لفظ «مدنية، مدني» مخالف للشريعة، لكن أيضاً تسم تعبير «قانون الأحوال الشخصية» بأنه «مصطلح دخيل»، فالشيخ محمد الغزالي في كتابه (كفاح دين): «لا وجود لتلك التسمية في ميدان الفقه الإسلامي، فشرائع الأسرة ليست أحوالاً شخصية تخص أصحابها وحدهم، حتى يبقوها إذا شاءوا أو يغيروها إذا شاءوا، ولا وجود لكلمة «قوانين الأحوال الشخصية» في كتبنا الفقهية كلها». وما زالت هناك أصوات تعتبر أن «الحياة الزوجية علاقة مقدسة».

ذلك الصون وأصداؤه تجد مقابلها؛ وإن كان أكثر صرامة؛ عند الكنيسة بالنسبة للمسيحيين «الأقباط الأرثوذكس»، فالزواج؛ من منظور كنسي؛ يعد «سراً من أسرار الكنيسة السبعة: (التناول، الكهنوت، الميرون، التوبة والاعتراف، مسحة المرضى، الزيجة، المعمودية)، ويعتبر «رباط الزوجية من عمل الله» (ما جمعه الله لا يفرقه إنسان). أما من الناحية القانونية فإن «الزواج سر مقدس، يثبت بعقد، يرتبط به رجل وامرأة ـــ مسيحيين صالحين ـــ ارتباطاً علنياً طبقاً لطقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بقصد تكوين أسرة جديدة «تتعاون على شؤون الحياة»، و»لا ينعقد الزواج صحيحاً ألا إذا تم بمراسيم دينية على يد رجل دين مسيحي مختص مصرح له بإجرائه من رئاسته الدينية».

في المسارات المتعرجة، وتناوب التقدم والتراجع، مثل عام 1955 نقطة تحول هائلة، فبحسب تصريحات للقس صفوت البياضي، رئيس الطائفة الإنجيلية، كانت الكنيسة ـــ حتى وقتها ـــ هي «صاحبة السلطة في الزواج والطلاق إلى أن أصدر الرئيس عبدالناصر في أيلول قانوناً بإلغاء المحاكم الملية والمحاكم الشرعية، في ذلك الوقت الكنيسة احتجت لكن الرئيس عبدالناصر أصر على تنفيذ القانون اعتباراً من أول كانون الثاني عام 1956.. أصبحت القضايا كلها تنظر أمام محاكم مدنية.. كانت المشكلة في حالة اختلاف الطائفة أو الملة، فلو أن زوجين تزوجا وهما تابعان للكنيسة الأرثوذكسية ثم تحول أحدهما إلى الطائفة الإنجيلية أو العكس، مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يوجد اختلاف حاد بين الكنائس وفي العائلة الواحدة تجد من يتبع الكنيستين أو الكنيسة الثالثة الكاثوليكية، لكنهم قالوا في حالة اختلاف الطائفة أو الملة تطبق الشريعة الإسلامية مما أثار حالة من الاحتجاج، وكتب الكثيرون في ذلك ليس من المسيحيين فقط بل من المسلمين أيضاً لكن كان هناك إصرار على أنه لا رجعة عن المحاكم المدنية.. كان واضحا أن هناك ظلماً أن تطبق شريعة بعيدة عن الزوجين، فطبقاً لمبدأ تنازع القوانين تطبق شريعة العقد لدرجة أنه بعد أن صدر قانون الخلع أصبحت الزوجة المسيحية تخلع زوجها أو يغير الزوج إلى طائفة ثانية ويطلق بالإرادة المنفردة، بل إنه أحيانا كان شخص أرثوذكسي يغير الطائفة إلى الروم الأرثوذكس فتطبق الشريعة الإسلامية».

أحكام الشريعة

وهكذا أضحى واقع الأحوال الشخصية قانوناً: أحكام الشريعة الإسلامية تطبق على المصريين المسلمين وغير المسلمين في حالة اختلاف الطائفة أو الملة، وأحكام الشرائع الخاصة (الطائفية) تطبق على المصريين غير المسلمين متى كانوا متحدين في الديانة والطائفة والملة.

وكان من نتيجة ذلك الوضع «القانوني» ظهور ذلك «التناقض الصارخ» بين المصريين بسبب الدين، فمن ناحية؛ وعقب إقرار ما سمي بقانون الخلع؛ هناك سهولة في إجراءات الزواج والطلاق للمسلمين وصعوبة اجراءات الزواج، ومنتهى الصعوبة في إجراءات الطلاق لدى المسيحيين، وأدى ذلك الى وجود عشرات الآلاف من المسيحيين حصلوا على حكم من المحكمة «المدنية» بالطلاق ولكن الكنيسة لم تعط لهم تصريحاً بالزواج مرة أخرى، ووجدوا أنفسهم في وضع صعب، لا هم متزوجون ولا هم مطلقون.

وكان من ضمن عواقب ذلك «التناقض» تنامي التحول عن المسيحية إلى الإسلام أو تغيير الطائفة مع كل آثاره الاجتماعية المركبة، وكان لافتاً تأكيد شيخ الأزهر أحمد الطيب أن 99% من حالات إشهار الإسلام ـــ من قبل مسيحيين مصريين ـــ لا علاقة لهم بالإسلام، ثم عدول أعداد منهم؛ بعد حصولهم على الطلاق؛ وإقامتهم دعاوى للعودة إلى المسيحية، تستغرق على الأقل عشر سنوات ليحكم لهم بذلك.

وفي هذا الشأن ترصد منظمات حقوق الإنسان المصرية عدداً من العقبات والمشاكل مع دوائر الدولة الرسمية، من بينها الصعوبة الشديدة في إقرار ذلك التحول في الأوراق الثبوتية اللازمة، وتلاحظ تلك المنظمات أن المتحولين من الإسلام إلى المسيحية (أو أي ديانة أخرى)، لا يتعرضون للحرمان من الوثائق الرسمية استناداً إلى أي قانون يجرم تغيير الديانة على هذا النحو، وإنما على أساس تفسير المسؤولين لتحريم الشريعة الإسلامية للتحول عن الإسلام باعتباره شكلاً من أشكال الردة. وعلى النقيض من ذلك، فإن المصريين الذين يتحولون من المسيحية (أو أي ديانة أخرى إلى الإسلام) نادراً ما يواجهون أي صعوبات في تغيير أوراق إثبات شخصيتهم لتعكس انتماءهم الديني الجديد.

فقانون الأحوال المدنية الصادر عام 1994 يجيز للمواطنين تغيير أو تصحيح البيانات الواردة في وثائق تحقيق الشخصية الخاصة بهم، بما في ذلك تغيير خانة الديانة، عبر تسجيل البيانات الجديدة مباشرة، من دون اشتراط الحصول على موافقة مصلحة الأحوال المدنية.

هكذا يمكننا أن نرى المسارات المتعرجة لـ «مدنية القوانين» التي أنكرها الشيخ رشيد رضا، فمع إقرار قانون الأحوال الشخصية الأول ـــ 1922 ـــ ظل شأنها منوطاً بالمحاكم الشرعية حتى كانون الثاني 1956 حين ألغيت، وأصبحت المحاكم «المدنية» هي التي تفصل في القضايا المنظورة أمامها، مع وجود ذلك الاختلال الهائل بين المصريين بحسب الدين والطائفة، وبينما أبدت الكنيسة الأرثوذكسية «القبطية» امتعاضها من ذلك الاختلال الظاهر، اعتصمت برفض تطبيق لائحة 1938 التي توسعت بعض الشيء في أسباب الطلاق «التطليق»، واعتصمت برفض التطليق إلا لعلة الزنى، وأضحى الزواج الثاني نادراً للغاية، وعند منتصف السبعينيات تشددت أكثر، وظلت تصعد من موقفها في مواجهة أحكام المحاكم المدنية وترفض إقرارها كنسياً، حتى جاءت لجنة إعداد الدستور في 2012 والتي هيمن عليها بالمطلق جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين وباقي فصائل تيار الإسلام السياسي، ومقابل استمرار من يمثلون الكنائس المصرية في اللجنة؛ في ظل مقاطعة سياسية واسعة وخروج شبه جماعي من قوى سياسية رافضة لمخرجات مشروع الدستور الذي حمل بصمات طائفية صارخة؛ أقرت اللجنة المادة الثالثة في مشروع الدستور الذي أُقر في الاستفتاء عليه، وكان نص المادة هو: «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، واختيار قياداتهم الروحية». وهي مادة لم يكن باستطاعة لجنة تعديل الدستور في 2014 أن تقترب من حرف فيها لاعتبارت عدة؛ من بينها بالطبع الأجواء اللهبة للمواجهات مع أطراف من الإسلام السياسي طال غضبهم عشرات الكنائس في عدة مدن مصرية بالحرق والهدم والنهب، وهذه المادة وضعت كل الأصوات المنادية بقانون للزواج المدني في وضع أسوأ مما كانت عليه قبل، فهنا سند دستوري تتحصن خلفه الكنيسة القبطية، بعد أن جمعت خلفها أربع كنائس رئيسية في مصر في مجلس للكنائس المصرية، معلنة رفضها التام ـــ ويبدو أنها ستظل متمسكة برفضها ـــ لإقرار الزواج المدني للمسيحيين، وفي الغالب الأعم لن تستجيب الدولة للمطالبات بقانون للزواج المدني للمسيحيين في حال استمرار رفض الكنيسة.

وهنا بالضبط يتبين بعض التعقيد حيث يتقاطع السياسي بالديني بالاجتماعي في تلك المسارات المتعرجة التي يتناوب عبرها خطوات التقدم والتراجع لاكتشاف طريق الحداثة، والتي تجد تعبيراتها الأوضح في وقائع تاريخية بارزة وأعمال أدبية وفنية: فوقائع قضية زواج الشيخ علي يوسف من صفية صغرى بنات السيد «السادات» في مطلع القرن العشرين ـــ 1904 ـــ دالة، وهي التي يصفها أحمد بهاء الدين في كتابه «أيام لها تاريخ» ـــ 1956ـــ بأنها (قصة زواج.. لا غير، ومع ذلك فقد أقامت مصر وأقعدتها، وقسمت الرأي العام والساسة، وأهل الرأي، وعامة الناس، وكانت محل كثير من المناورات السياسية الدقيقة التي دارت من وراء ستار، ذلك أنها كانت صدمة عنيفة للناس في الكثير من معتقداتهم القديمة عن «الشرف» و»الحسب والنسب»). وفي وقائع قصة الزواج، والدعوى التي أقامها الوالد لفسخه، والجدل الدائر حولها، والذي شمل الجميع بداية من رأس الدولة، الخديوي عباس حلمي، وحكم الشيخ أبو خطوة بالتفريق بين الزوجين إثبات لصحة شطر من المقولة التي تتردد كثيراً في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي «المرأة المسلمة يملكها أهلها ورجال الدين جزئياً». بينما تقدم لنا وقائع زواج «البرنسيسة والأفندي» إنقلاباً تاماً مناقضاً لذلك الشطر، انقلاب تردد صداه عند منتصف القرن العشرين في مصر كلها، وشمل الجميع بآثاره، فالبرنسيسة هي الأميرة فتحية شقيقة الملك فاروق، والأفندي هو رياض غالي الموظف بالخارجية المصرية، والزواج طرفاه: زوج مسيحي وزوجة مسلمة، وهذا جانب ديني هز مصر بمسلميها ومسيحييها، أزهرها وكنيستها، وزواج طرفاه زوجة «أميرة» من الدم الأزرق، وزوج من طبقة أقل وكل مؤهلاته الوظيفية أن الوالدة «الملكة نازلي» اختارته سكرتيراً خاصاً ومستشاراً سياسياً لها بعد سفرها إلى أميركا، وهو بذلك حدثٌ جلل تقاطعت عنده دروب السياسة بالدين بالأعراف بالمال بالتاريخ.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق