الإشارة إلى المذهب في وثيقة الولادة / طلال الحسيني

«أولادنا ليسوا عبيدَ الآباء، نساؤنا لَسْنَ عبيدَ الرجال، ونحن وأزواجنا وأولادنا، نذهب ما شئنا من المذهب، ولسنا عبيد المذاهب، دينيّةً كانت أم سياسيّة، لسلطات محلّيّة أو أجنبيّة».

الهيئة المدنيّة لحريّة الاختيار

يتعلّق الحقّ بالزواج المدنيّ وبعقده على الأراضي اللبنانيّة بإسقاط الإشارة إلى المذهب في سجلاّت النفوس (الإشارة إلى الكيان الإداري الذي هو الطائفة، في الاستعمال القانوني، وليس إلى المذهب الكلامي أو اللاهوتي أو الفقهي في النفوس والعمل، في الاستعمال الديني)*. فما حقيقة هذه الإشارة، من قبل، في سياق القانون العادي أو الدستوري أو الدوليّ؟

موضوعنا هنا إذًا هو قانونيّة الإشارة إلى المذهب في سجلاّت النفوس، نقلاً عن وثيقة الولادة. ومع أنّ هذه الإشارة هي جزء بارز من تعيين هوّيّة اللبنانيّ الشخصيّة، بما ترسمه من حدود:

1 ـــ اجتماعيّة (الزواج والبنوّة)،

2 ـــ ماليّة (الإرث والوصيّة)،

3 ـــ قضائيّة (القضاء المختصّ)،

4 ـــ إداريّة (تولّي المناصب العُليا في جهاز الإدارة)،

5 ـــ سياسيّة (تولّي المناصب في جهاز الحكم تِبعاً للقانون أو التقليد)،

وبما هي، بذلك، حجر الأساس في النظام الاجتماعيّ السياسيّ، المعروف باسم النظام الطائفيّ. لكنّنا لن نتطرّق إلى هذين الموضوعين، أي الهويّة والنظام، إذْ نقتصر على ما يساعد في تحديد قانونيّة الإشارة إلى المذهب، في وثيقة الولادة، ومن بعدها في سجلاّت النفوس.

إنّ وثيقة الولادة كغيرها من وثائق الأحوال الشخصيّة وثيقة تصريح يكون تنظيمها وقيدها وفقاً للقوانين المرعيّة الإجراء. والقانون المعمول به في تنظيم وثائق الأحوال الشخصيّة وقيدها، هو القانون الصادر بتاريخ 7 كانون الأوّل سنة 1951 الذي تنصّ المادّة 11 منه على ما يأتي:

«إنّ التصريح بحدوث ولادة يجب أنْ يكون لدى موظّف الأحوال الشخصيّة في خلال ثلاثين يوماً تلي الولادة. أمّا وثيقة الولادة فيجب أنْ يضعها ويوقّعها الأب أو الأم أو الولي أو الطبيب أو القابلة ثمّ يصدّق المختار على صحّة التوقيع».

ما الذي يجب أنْ يُذكر في هذه الوثيقة؟

تنصّ المادّة 3 على ما يأتي:

«يجب أنْ يُذكر في وثائق الأحوال الشخصيّة السَّنَة والشهر واليوم والساعة التي جرت فيها الوقائع الموضوعة لها تلك الوثائق. كما يجب أنْ تُدرج أسماء جميع الأشخاص المذكورين فيها وكنيتهم وعمرهم وصناعتهم ومكان إقامتهم. ولا يجوز على الإطلاق إحداث محو فيها ولا كتابة استدراك ما على الهامش ولا عبارات مقتضبة أو مختصرة ولا أرقام هنديّة ويجب أنْ يوقّع منظّمو الوثائق عليها بحضور شاهدَين وأنْ يصدّقها المختارون».

وبالنسبة إلى وثيقة الولادة تحديداً تنصّ المادّة 13 على ما يأتي:

«يجب أنْ يذكر في وثيقة الولادة السنة والشهر واليوم والساعة التي تمّت الولادة فيها وجنس المولود واسم العلم الذي يسمّى به مع اسم الأب والأم والشاهدين وكنيتهم وعمرهم ومكان إقامتهم».

يتبيّن من هذه النصوص أنّ أحكامها لا تنصّ على وجوب ذكر المذهب عند الولادة بل تمنعه إذْ تمنع أي زيادة على ما أوجبت ذكره من قيود سواء أكانت ثابتة الوقوع كولادته بوزن من الأوزان أو مستحيلة الوقوع كانتمائه إلى مذهب من المذاهب.

وهذا ما كان التقيّد به متوجّبا على اللبنانيّين وعلى دوائر سجلّ النفوس ابتداءً من أوّل كانون الثاني سنة 1925، عملاً بالقرار رقم 2851 «في نظام سجلّ النفوس وتنظيم دوائره» الصادر عن حاكم لبنان الكبير في الأوّل من كانون الأوّل سنة 1924 (المواد 2 و3 و4 و14 و16) والذي نظر فيه وصدّقه المفوّض السامي، بعد يوم واحد من صدوره. وهو القرار الذي نصّ على قيد وثائق الأحوال الشخصيّة «إجباريّاً» في جميع أراضي لبنان الكبير.

أمّا بالنسبة إلى المرسوم رقم 8837 تاريخ 15 كانون الثاني سنة 1932 الذي نصّ على «تأليف لجان إحصاء سكّان الجمهوريّة اللبنانيّة ومهاجريها وتعيين وظائف الكتبة واللجان وما يتفرّع من ذلك»، فقد حدّد هذا المرسوم في المادّة 14 منه نقل المعلومات إلى سجلاّت النفوس على أساس العائلة:

«عندما تصل جميع الجداول والبيانات إلى مصلحة النفوس تشرع بنقل المعلومات المشتملة عليها في السجلاّت الموضوعة على أساس العائلة ويقوم بالنقل كتّاب تعيّنهم وزارة الداخليّة خصّيصاً لهذه الغاية ويجب أنْ يُترك محلّ كاف في كلّ صحيفة من السجلّ ليتسنّى قيد وقائع الأحوال الشخصيّة المختصّة بكلّ عيّنة مثل الولادة والزواج والطلاق والوفاة وتغيير محلّ الإقامة وخلافها وأمّا المهاجرون فيقيّدون بسجلّ خاصّ بهم».

أمّا المعلومات نفسها فقد نصّت المادّة 2 على أنْ يكون جمعها على أساس الأمكنة:

«تُعتبر القصبة أو القرية أو المحلّة منطقة للإحصاء وتتألّف المنطقة من أقسام فرعيّة على أنْ يكون كلّ قسم مؤلّف من خمسة وعشرين منزلاً..»

أمّا بالنسبة إلى السجلاّت الرئيسة، أي سجلاّت المقيمين، وكونها قد أُفرد الواحد منها لطائفة بعينها في كلّ قرية أو محلّة، فإنّ هذا الإفراد لا يتخطّى التدبير العمليّ الحسن أو السيّئ المعنى، وهو إلى السوء أقرب. وهذا ما هو واضح في وجود قيود في ذلك السجلّ تعود إلى لبنانيّين لا ينتمون إلى أيّ طائفة أو ينتمون إلى طائفة أخرى بل في وجود سجل واحد لطوائف عديدة باعتبار أنّ عدد الأفراد الذين ينتمون إلى واحدة منها في المحلّة أو القرية الواحدة لا يبرّر إفراد سجلّ لكلّ منها. فلا أثر قانونياً لهذا التدوين على حقيقة انتماء أصحاب القيود. والأثر السيئ إنّما هو في إيهام الشخص أنّ اعتقاده أو عدم اعتقاده، انتسابه أو عدم انتسابه، تصريحه أو عدم تصريحه عن ذلك الاعتقاد أو الانتساب، أمور لا علاقة لها بحريّة الشخص وإرادته ويقرّرها ذلك التدبير الإداريّ السحريّ، السيّئ النيّة والنتيجة. كأنّ سجلاّت النفوس أملاك للطوائف لا للدولة الواحدة التي هي لكلّ اللبنانيّين.

هل من أساس قانوني

إذاً، هل من أساس قانونيّ لذكر المذهب في وثيقة الولادة كما نراه في الوثيقة المعمول بها في دوائر النفوس، والتي يُنقل عنها المذهب المذكور فيدوّن في سجلاّت النفوس، مع ما فيه من تحديدات اجتماعيّة وماليّة وقضائيّة وإداريّة وسياسيّة، من دون العودة إلى صاحب العلاقة بعد بلوغه سنّ الرشد، ودون طلبه تدوين ذلك الانتساب؟

ما نجده، إجابةً عن هذا السؤال، هو أنّ الأحكام التي لا تُجيز إلزام المولود بمذهب من المذاهب إنّما تستند إلى كون هذا المولود يتمتّع بالشخصيّة القانونيّة منذ ولادته، إنْ لم يكنْ من قبلها، أي بأهليّة الوجوب capacité de jouissance وبالتالي بصلاحيّة اكتساب الحقوق وتحمّل الالتزامات، فلا يكون كشيء من الأشياء أو كرقيق من الأرقّاء محلاًّ للحقوق وحسب،كما أنّه قبل البلوغ والرشد، لا يتمتّع بما يكفي من القدرة العقليّة والجسديّة لتكون له أهليّة الأداء capacité d’exercice، فيكون في هذا المجال قائماً من نفسه بالتزام من الالتزامات منتسباً إلى دين ومذهب، كما أنّه ليس لوليّ أو وصيّ أنْ ينوب عنه في حقّ شخصيّ خالص لا وكالة فيه droit strictement personnel non sujet à représentation:

1 ـــ ينصّ الدستور اللبناني في مقدّمته على الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعلى تجسيد الدولة هذا الالتزام في جميع الحقول دون استثناء (الفقرة ب). ومن هذه الحقول حريّة الاعتقاد أو عدم الاعتقاد وحريّة الانتساب أو عدم الانتساب إلى دين أو مذهب.

2 ـــ وقبل هذا الالتزام الحاصل بالقانون الدستوري سنة 1990، ينصّ هذا الدستور عند وضعه سنة 1926 وإلى الآن على أنّ حريّة الاعتقاد مطلقة (المادّة 9).

3 ـــ والنصّ الذي يمسّ بالخصوص ما نحن إليه، أي نسبة الطفل إلى مذهب من المذاهب الدينيّة، هو اتّفاقيّة حقوق الطفل التي التزمت بأحكامها الدولة اللبنانيّة، والتي هي في الواقع ليست، في أساسها، سوى تأكيد أو تبيان لما ينصّ عليه الدستور اللبنانيّ والقوانين اللبنانيّة لهذه الجهة. ففي المادّة 14 من هذه الاتّفاقيّة التي كان تصديقها في 14 أيّار سنة 1991 نجد ما يأتي:

«1. تحترم الدول الأطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين.

« 2. تحترم الدول الأطراف حقوق وواجبات الوالدين وكذلك، تبعا للحالة، الأوصياء القانونيين عليه، في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورة.

3». لا يجوز أن يخضع الإجهار بالدين أو المعتقدات إلا للقيود التي ينص عليها القانون واللازمة لحماية السلامة العامة أو النظام أو الصحة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين».

أمّا تعريف الطفل المقصود بهذه الأحكام فقد ورد في المادّة 1 منها كما يأتي:

«لأغراض هذه الاتفاقية، يعني الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه».

4 ـــ ولا يكون اعتناق الشخص ديناً أو مذهباً إلاّ بعد بلوغه سنّ الرشد القانوني. ولا يصبح هذا الاعتناق ساري المفعول إلاّ بعد تدوينه في سجلّ النفوس. وهذا ما يبيّنه بوضوح القرار 60 ل.ر (المادّة 11)، الصادر في 13 آذار سنة 1936، الذي ينظّم وجود الجماعات الدينيّة وعلاقتها بالفرد والدولة في ما يتعلّق بتكوين الأسرة وحمايتها، تِبعاً للمعادلة الآتية: الاعتراف بوجود الدولة وبسيادة قانونها المدنيّ، في حدود الاعتراف بوجود الطوائف وبأنظمتها الشخصيّة، وهذا وذاك في حدود الاعتراف بوجود الأفراد وبحقوقهم الإنسانيّة.

أمّا بالنسبة إلى الشرائع الدينيّة في المسيحيّة والإسلام فلا صحّة لدين بالوراثة فكيف يكون ذلك لمذهب. وبغضّ النظر عن أيّ تأويل دينيّ في المسيحيّة أو في الإسلام أو في غيرهما، قريب أو بعيد، فالمسألة هنا هي مسألة التصريح عن الاعتقاد وعن الانتساب المرهون بإرادة الشخص الحرّة دون غيره من الأشخاص الطبيعيّين أو الاعتباريّين، وذلك في حدود النظام المدنيّ للدولة.

وبما أنّه لا جدال بأنّ الانسان يولد بريئاً من التصوّر والاعتقاد في هذا المجال،

وبما أنّ شخصيّته ذات الحقوق إنّما تبدأ بولادته حيّاً بل من قبل ولادته وهو جنين في بعض المذاهب،

وبما أنّ القانون المطبّق على القاصر لا يتعلّق بالمذهب الفعليّ أو الصوريّ بل بنَسَبه المدوّن في وثيقة الولادة وبالتالي بقيد والده في سجلّ النفوس، سواء أكان خاضعاً لشريعة دينيّة أم لشريعة مدنيّة في أحواله الشخصيّة، فلا حاجة لإشارة خاصّة لهذا الغرض، تتعدّى في واقع الممارسة غاية الدلالة على القانون الواجب التطبيق لتكون قيداً غير مشروع على حريّة الشخص ومصادرةً لحقّ الاختيار، وفيها الانتهاك الصريح والمتمادي لحقوق الإنسان، هذه الحقوق التي صارت حقوقاً أساسيّة في النظام القانونيّ اللبنانيّ،

لذلك،
تكون الإشارة إلى المذهب في وثيقة الولادة ومن بعدها في سجلاّت النفوس اعتداءً سافراً متمادياً على قاصر يعرّض مرتكبه للمحاسبة القانونيّة،

ويكون على الموظف العامّ الذي يقتصر واجبه على التحقّق من الشروط الشكليّة للوثائق التي نصّ عليها القانون الخاصّ بقيد وثائق الأحوال الشخصيّة أنْ يتلقّى وثيقة الولادة خاليةً من ذكر المذهب وأنْ يمتنع عن تنفيذ الوثائق المخالفة قبل تصحيحها من قبل أصحابها،

كما يكون على من وضع هذه الإشارة في وثيقة الولادة، عن وهم أو عن إيهام، أنْ يُبادر إلى الطعن بها وتصحيحها، كما يكون للولد نفسه هذا الحقّ،

وفي أيّ حال، يكون على السلطة المعنيّة إزالة كلّ إشارة إلى المذهب في سجلاّت النفوس ليس في أساسها إرادةُ صاحب العلاقة أو موجبٌ بحكم القانون، وذلك باعتبارها إشارة لاغية.

] أنظر «الزواج المدني الحقّ والعقد على الأراضي اللبنانيّة»، طلال الحسيني، دار الساقي، بيروت، 2013، الانتماء وعدم الانتماء إلى طائفة، ص 114.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق