يمنى العيد.. الكتابة هي الحياة / لينا هَوْيَان الحسن

مثل لوحة الفسيفساء، شكّلت يمنى العيد، تضاريس حياتها، بهدوء وأناة، مع كثير من العناد الصامت، تمرد كبير يعتمل في داخلها، لتكون امرأة مجبولة على طرح التساؤلات الخطرة. ليس جديدا القول أن د. يمنى العيد من أهم نقاد الرواية العربية. شكلت تجربتها النقدية ملمحا أصيلا في الخطاب النقدي العربي الحديث وحققت تراكما كميا ومعرفيا على امتداد سنوات طويلة من العمل البحثي المخلص. د. يمنى اشتغلت على المفاهيم النقدية الأدبية، التي تسمح باستقراء «العميق» في النص، مع تساؤل أساسي، ماذا يقول النص؟

نبرة صوتها الواضحة والقوية التي سمعتُها عبر الهاتف، وأنا أهاتفها لتحديد موعد مسائي، قادتني إلى كتاباتها الجريئة والواضحة، تحديدا سردها المباشر في سيرتها الذاتية الروائية بجزءيها: «أرق الروح» و «زمن المتاهة» حيث تروي لنا يمنى العيد أكثر من حكاية.

تستقبلني على باب منزلها مع ابتسامتها الذكية، لا أدري لماذا خطرت في بالي عبارتها التي استهلت فيها سيرتها «أرق الروح» وهي تكتب ما يشبه توطئة: (سوف أخون زمني الماضي، أقول، كلما فكرت بالكتابة عنه. فالزمن مفارقة مستمرة لذاته. إنه حركة لايمكننا أن نستعيد إيقاعها أو لغتها). يبدو أن الزمن يقتات على مدى قدرة الأديب على خيانة الزمن واختلاسه، ليدونه نهائيا ضمن النص. عن الخيانة تقول (ثمة خيانة نقع فيها حين نتذكر. فالتذكر لا يخلو من تخييل والتعبير لا يخلو من ابتداع. هي خيانة ولكنها جميلة).

يتشعب الحديث، وتأخذك يمنى العيد إلى ذاكرتها الثرية، ومع الشاي الساخن أقلّب صفحات الزمن عبر ألبوماتها، حيث ستُلمح معظم الشخصيات الأدبية المرموقة، أتوقف عند صورة لها مع الشيخ إمام، تشرح لي أنها في منزلها، الصورة تشي بازدحام صالونها بمثقفي مرحلة الثمانينيات، صورتها وفي فمها سيجارة، تضحك، وتتكلم ويأخذنا الحديث عن الأدب النسوي تقول لي يمنى: (سعيدة بظاهرة المرأة الروائية ليس من باب التحمس التقليدي للنساء، إنما بسبب تاريخ من الصمت عاشته المرأة بظل الرجل – جاء الوقت لنسمع وجهة نظرها، ولنسمع صوتها، وهنالك روايات تكتبها النساء على مستوى رفيع من فنية الكتابة والبناء والتخييل، بل عندها تميز من خلال اضافاتها الخاصة التي يصعب على الرجل التقاطها).

بعد صمت قليل، تقول وكأنها تؤكد شيئا أساسيا في حياتها: (اللغة هي أوثق وسائل تعاملنا مع العصيّ والملغز في هذا العالم الصامت، سواء كنّا رجالا أم نساء).

نصبّ المزيد من الشاي، نتحدث عن اللوحات التي تزين جدران صالونها: لوحة لفاطمة الحاج، ولمصطفى حيدر، ولمحمود زيباري، ولسيتا مانوكيان، ولمنى السعودي، ووسط تلك اللوحات نرى نسخة من الغرنيكا الحزينة.. لبيكاسو.

الأبيض

يمنى العيد تحب اللون الابيض، بهذا تبرر لي اختيارها لأصيص ورد ابيض يتوسط الصالة الشرقية الطابع، والمزدانة بعدد هائل من الرفوف حيث الكتب التي طالما ملأت عالم يمنى وصنعته.

سجادات كثيرة في الصالون: سجادة من فاس بالمغرب، وأخرى من الجزائر، وسجادة معلقة تحكي لي حكايتها. إنها من تونس، من جرجيس، في الجنوب التونسي. الحديث عن السجادة يقودنا للحديث عن تلك الزيارة وأسبابها. كان برفقتها عبد الرحمن منيف وامين العالم، وهناك في احد المقاهي أجرت حوارا طويلا مع عبد الرحمن منيف. اعجابها كبير بهذا الروائي، حول ذلك تقول د.يمنى عن عبد الرحمن منيف: (الروائي الذي بحث في تشكّل فني، يقول هذا الواقع، هذا التاريخ).

سألتها عن شعورها عندما تنتهي من كتابة نصها؟ فتقول لي كمن يعترف بشيء سري: (عندما أنتهي من كتابة كتاب أشعر كمن سقط من أعلى هوّة ساحقة، لأن النهاية تشبه الموت).

ببساطة تشرح لي وتختزل كل تجربتها النقدية: (اشتغلت على أن يكون كل قارئ ناقدا بشكل ما مع امتلاك للأدوات المعرفية اللازمة).

كان لا بد لحديثنا أن يقودنا إلى الروايات، تقول يمنى: «الروايات تبنى بمعطيات زمنها). ولأن «التراث» في معجم د.يمنى العيد النقدي له قيمته، بعد أن (اكتشفنا أهمية تراثنا من خلال الآخر)، تؤكد بحسم العارف، أن الرواية فن حديث، وأن تكون فنّا حديثا لا يعني أنها لا يمكن أن تستفيد من التراث. ولأن الحديث يدور عن التراث، سألتها عن الكتاب الشعبي المغرمة به: «ألف ليلة وليلة»، فروت لي كيف رفض استاذها الجامعي أن تكون اطروحتها عن هذا الكتاب، بذريعة أنه أدب عامّي. فنحن كمثقفين عرب، اكتشفناه بعد أن اعلن اهم ادباء العالم تأثرهم به.

د. يمنى العيد، مولعة بالأسئلة، لابد من الأسئلة، اتذكر سؤالها في «أرق الروح»، لنفسها، وهي تقرر مغادرة صيدا إلى بيروت (أين أنا، وماذا تريد مني هذه الأنا؟ ومن هي هذه الـ أنا؟ هل أنا هي؟

كان لابد لمؤلفيها: «أرق الروح، زمن المتاهة» أن يأخذا حيزا واسعا من الحديث عندما فجأة استيقظت فيها صيدا، لتدعوها لزيارتها لكتابتها من جديد، ولتسمع صوت النسوة وهن يتصايحن، يتسابقن إلى أجران الماء الساخن فيما البخار والصابون يحرق عينيها والماء الساخن يقطع نَفَسها، وأجساد العجائز العارية توقظ طعم الموت في فمها. فيما يمنى الطفلة تقول لأمها «لا احب حمّام السوق يا أمّي».

تروي لنا حكايتها مع اسمها «يمنى» التي حملت اسم «حكمت» لأن أمها كانت قد فقدت صبيا جميلا اسمه عبد الحليم، فكان أن حمّلها أبوها اسما ملتبسا، يحمل وهماً بالذكورة.

وعن الجزء الثاني من سيرتها «زمن المتاهة»، حيث كتبت سيرتها مستعينة بالمتخيل السردي، كنتُ قد أنهيتُ قراءتها للتو، تحدثنا عن جدوى التذكر، وهي التي تستعين بمفكرتها على مدار السيرة، تكتب عن وقائع بيروت الموجعة، عن أمواتها وخساراتها، تقول د. يمتى: (الذاكرة حياة. أقول: نتذكر، نتخيل، نحكي، نكتب. . فتعود الحياة إلى حياة مضت، إلى ما كان حياة ولم يعد).

بشكل حاسم تؤكد د. يمنى أن (لا حاضر إلا على ركام الماضي) لهذا، بعد علاقة معقدة متشابكة مع ماضيها، وطفولتها الصامتة، كتبت سيرتها.

ثمة بريق خاص في عيني يمنى العيد، وهي تعتبر أن رسالتها ككاتبة وأديبة وناقدة: (تحرير الإنسان من أية سلطة، سلطة الاب، سلطة المعلم، سلطة الجهل، سلطة العوز، فالفقر سلطة لا ترحم).

تكره كل السلطات التي تجعل الإنسان يشعر كأنه يستجدي حياة من حقه أن ينعم بها من دون هذا الشعور.

خرجتُ من عند يمنى العيد، وفي أذني ترنّ واحدة من عبارات تستخدمها يمنى العيد وتكررها: (الحياة وهم، والكتابة هي الحياة، عندما لا أكتب لا أحيا).

 

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق