الزواج المدني: قضية الحرية / زهيدة درويش جبور

عادت مسألة الزواج المدني لتطرح نفسها على الساحة اللبنانية ليحتدم النقاش حولها في الأوساط السياسية والدينية والمدنية بين مؤيد ومعارض. وفي رأيي أن النقاش فيها أمر في غير محله، فقد أصبح الزواج المدني المعقود على الأراضي اللبنانية أمراً واقعاً بعد أن تم تسجيل أول عقد من هذا النوع في العام المنصرم لتكرّ السبحة بعد ذلك.

ليست المسألة، إذن، أن تكون مع أو ضد الزواج المدني بل هي قضية الحرية الشخصية، وحرية الاختيار التي ضمنها الدستور اللبناني من حيث المبدأ لتتم مصادرتها فيما بعد على يد القيمين على هذا النظام الطائفي، المذهبي، العشائري، المتحكمين بأمر العباد. أولئك الممنوعون أصلاً من أن يكونوا مواطنين في بلدٍ يحكمه قانون واحد يقوم على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات. فإذا بالعائلات الروحية التي يتشكل منها النسيج الاجتماعي اللبناني تتحول إلى جماعات طوائفية متنافسة تسعى كل منها إلى الاستقواء على الأخرى وفرض هيمنتها. هكذا تطغى مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، بل تصادر حقوق الفرد باسم حقوق الجماعة، وتنتفي بالتالي عن اللبنانيين صفة المواطنين ليكونوا مجرد رعايا. هناك قلة تجرؤ على الخروج من القطيع، وعلى ترجمة قناعاتها ممارسة عملية، فتلصق بها كل التهم وأخطرها في حالة الذين أقدموا على الزواج المدني على الأراضي اللبنانية الخروج عن الدين!!! لكن ومن دون أن نخوض في مسألة الإيمان وعلاقته بالالتزام الديني، يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي: لما كل هذا الضجيج وهذه الجلبة بينما تم تسجيل مئات عقود الزواج المدني التي أجريت خارج لبنان في الدوائر الحكومية المختصة وكان الأمر يجري بشكل طبيعي؟ هل المقصود من الأزمة المفتعلة مقاصصة الذين تجرأوا على ممارسة حق من حقوقهم الشخصية؟ لقد جاء رأي الهيئة الاستشارية العليا في وزارة العدل واضحاً بما يكفي لقانونية عقد الزواج المدني على الأراضي اللبنانية للأشخاص الذين لا ينتمون لأي طائفة. وأزعم أن هؤلاء الأشخاص الذين قاموا بشطب قيدهم الطائفي عن الهوية إنما أرادوا في خطوتهم «الجريئة» هذه التعبير عن رفضهم لفرز اللبنانيين إلى طوائف ومذاهب ولتوقهم إلى أن يكونوا مواطنين في دولة يحكمها القانون.

المسألة في الواقع، لا تتعلق بالزواج المدني وبقانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، بل برؤيا لوطن نطمح أن يولد يوماً. لأن لبنان منذ قيامه سنة 1943 إلى اليوم لم يتحقق كوطن ولا كدولة، بل كاد أن يكون في مرحلة الستينيات التي ما لبثت أن أجهضت للأسف، فبقي سلامه هشاً وتوازناته معرضة دائماً للاختلال مولدةً الأزمات والصراعات والحروب. أصل العلة واحد إنها الطائفية التي تفاقم شرها هذه الأيام فلم تنج منه جامعتنا الوطنية التي استباحها السياسيون ليتقاسموا فيها الحصص، والأخطر من ذلك أنه يجري برضى ومباركة بل «وحماسة» بعض أهلها من طلابٍ وأساتذة ومسؤولين ممن يدّعون الدفاع عن حقوق طوائفهم ومذاهبهم ومرجعياتهم السياسية.

مع ذلك لن أختم إلا بكلمة أمل وتهنئة لدلال بمرور عام على زواجها ولوالدي ناتاشا بولادة طفلتهما التي تؤشر لولادة جيل جديد إنتماؤه للإنسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله.

عن ملحق السفير الثقافي
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق