قراءة ما يجري في (جرحى السماء) لأم الزين المسكيني

تبدو رواية الدكتورة أم الزين بنشيخة المسكيني (جرحى السماء)، الصادرة عن دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع في بيروت، ذات بناء سردي متغاير الأداء كونها تأخذنا إلى عوالم متخيلة تتأرجح بين الأسطورة والواقع يتكثف فيها الحاضر مع الماضي، والواقعي مع المتخيل، والأسطوري مع الخرافي، في نسج سردي غرائبي مطرد الحضور وهي تنطلق من إشكالية فداحة ما يجري على نحو صارخ في راهنة البشر بحيث لا تسعه رواية ما: “أي رواية بوسعها أن تتحمل عنّا كل أوجاعنا؟”، بحسب تساؤل البطلة (أقحوان)، فالواقع المر يحاصر “جزيرة الرواية، مُحصِناً أسوارها من الأبطال الزائفين، والشخوص المتملقة، والأحداث الباردة الميتة” ، وهو إشكال وجودي يتعلق بمدى فاعلية الكتابة الروائية في رسم معالم ما يجري أو التأثير في الوجود هنا أو هناك.
لهذا، يلجأ السرد، وبحسب تجربة (جرحى السماء)، إلى تمثيل موجودية أبطال غير زائفين، وشخوص غير متملقين، وأحداث ساخنة حية يتقاطع فيها الواقعي مع الغرائبي الذي يستحوذ على كل مسارات سرد المتن الحكائي في محاولة من الناصَّة المركزية (narrateur centrale) أو أم الزين المسكيني لإزاحة السرد التقليدي في كل أشكاله جانباً، وتجريب فداحة التصدُّع الذي تُمنى بها الذات الأنثوية المعاصرة وهي تعيش حالة المأساة الكونية فائقة الوجع.
يتملك التعبير عن الذات الأنثوية كرسي الشعر كخيار لدى بطلة الرواية (أقحوان)، التي رضيت لنفسها أن تكون ابنةً للشمس، ولذلك تبدأ الناصَّة متنها الحكائي بقصيدة تحمل عنوان “أنشودة الشمس”، وفيها تأشير للخلاص من هم الموت الحال، ففي وطن الشاعرة/ البطلة “يموت الموت من فرط الضحك”. ولذلك، ليس لها أمام هذه الذات سوى الهروب إلى الصحراء من غلواء المدينة، وفي الصحراء ليس لها سوى الشمس والسماء والبحر بعيداً عن هموم المدينة الصاخبة بالجلادين والطغاة والمنافقين والجائعين والمخادعين والخونة، وهناك، في جزيرة الفرار من جحيم كل ذلك، تبدأ الحكاية بتسريد منْ “سرق الحب والخبز والشمس؟”.
ريثما تبدأ الحكاية، تستحضر الناصَّة، وعبر بطلتها (أقحوانة)، مرجعيات تاريخية دالة على كل الخراب الذي حلَّ في ظل وجود أطفالها (زعفران) + (ياسمين)، ومنهم الحلاج، وشهرزاد، وشهريار، والخنساء، وصخر، وعائشة، والمعري، وغيرهم الكثير ممن يستحضرهم مخيال (أقحوانة) في اليقظة والنوم على حدٍّ سواء، محطمةً بذلك أسطورة التتالي الزمني فأبعاد المأساة تبدو واحدة عبر التاريخ، إذ “لا يهم..، همست سطور الرواية؛ فلا زمن للحكايات” ما يعني أن نار المأساة في دوام مستمر.
في (جرحى السماء)، تمنح الناصَّة المركزية للحدث (لسانه)؛ فهو كفيل بعملية الروي من غير قصدية أن يُروى عبر لسان راو ما، ذلك أن أقحوانة: “تعرف كل الحكاية، ولا تدري بعدُ من أين تبدأ، وهل هناك ضرورة لأن تقصّ علينا أي شيء، وكانت تعرف أيضاً أن في الأمر أكثر من حكاية، وأن ما تكتبه ليس رواية، وأن هناك كارثة تهدِّد الجميع”.
ما يعني أن الحدث المسرود يمتلك ناصية فعل الروي من دون كتابة ملموسة من داخل الحكي، فعندما “غاصت أقحوانة في سبات عميق لم تنم الرواية”، إنما ظلَّت الأحداث تتوهج في أحلامها وهي نائمة ما دل على فداحة الأثر الذي يمارسه الواقع في ذوات الإنسان الهارب من جحيم إلى غيره من دون خلاص يُذكر.
ترتجع كتابة الحدث الجاري في المتن الحكائي كرواية إلى (أقحوان) كروائية، فهي سبق لها وكتبت رواية “ضجيج”، لكنّها تعرّضت إلى الحرق باحتراق (المكتبة الوطنية) في المدينة حتى تسنّى لابنتها (ياسمين) إنقاذ أوراقها المتناثرة من الحرائق؛ إذ كانت “تلاحقها، وتحدِّق في كل منها باحثة عن وجه أمها، وكانت تتخلى عن كل صفحة لا تنتمي إلى ضجيج”.
يظل السرد هاجساً لدى الشخوص المشاركة في المتن الحكائي؛ فإما أن يحكي الواقع هزائمه ودماؤه أو تحكي (أقحوان) مرارتها معه أو تطلب من الآخرين قص حكايتهم، والآخرون هنا هم ضحايا الواقع مطرد المأساة، بل تذهب الناصَّة إلى أبعد من ذلك عندما تدخل إلى أتون السرد المفتون بذاته (Métafiction) عندما تجعل (ياسمين) – ابنة (أقحوان) – تقرأ رواية والدتها من داخل الحكي، بحيث تجعل من عالم الحكي مفتوحاً على ذاته.
يظل الحكي الداخلي أو المسرود هاجس المتن الحكائي بلا ملل، ففي الفصل التاسع “ثورة شهرزاد”، والذي يعد من أطول فصول الرواية، تستعيد الناصَّة “شهرزاد” المرأة التي تحكي لشهريار، حتى تُستعاد شهرزاد إلى حاضرة الألم الراهن لتحكي جبروت كل ما يجري من انحلال شامل، وعبرَ وتيرة التعرية الحادّة، لكنّه الحكي، هذه المرة، وليست الكتابة: “قالت في نفسها: إلى أين يدفعون بهذا الشعب؛ إلى الحمق، إلى الجنون، إلى ذاكرة الطغيان والظلم؟؟؟ سامح الله الحكاية.. تنظر بعيداً فيما وراء الرواية.. وتدفع إلى الاستباق على النهاية؛ نهاية التاريخ والجغرافيا والهندسة والفنون، نهاية عهد الرقص”.
لا رواية تنشر؛ فرواية الواقع المتخيل تحبو صوب الانفتاح على الألم السارية أشكاله يومياً، الألم هو الكل الساري بين حياة وموت؛ يقول مارتن هيدغر: “وحده الكائن بين الولادة والموت من شأنه أن يمثل الكل المبحوث عنه”، ورواية (جرحى السماء) تمضي ومن دون ملل في تسريد هذا (البين) السافر في حضوره اليومي، الذي لا يطاق لشدة مرارته، ما يؤدِّي بالمرأة/ البطلة إلى الضياع في أتون الهروب إلى متخيل واقعي بحثاً عن منطق ما بعد انفلات بوصلة المنطق المعتاد للحظة الحياة، لكنه المنطق البديل لا عقل له، لا ثوابت زمكانية، ولا مقولات تحتكم إليها الذات الأنثوية في ظل تفسخ الذوات الذكورية بين خراب المكان والأثر والمعنى.
إن اللجوء إلى كتابة (الحكاية) لا يعدو أن يكون تجريباً غير مجد؛ فلا ضابط لإيقاع الحياة، ولا ضابط لوتيرة ما يجري، ولا استقرار للذات اللاهثة وراء المعنى المنفلت، ولذلك ينزاح السرد نحو متخيل مركَّب الكينونة كبديل عن تشظي الواقع المتخيل بتشظي الواقع الواقعي.
تبدو لي (جرحى السماء) لأم الزين بنشيخة المسكيني أسطورة المتخيل السردي العربي ما بعد الخراب الشامل الذي غالباً ما يُحتفى به تحت عنوان (الربيع العربي)، فهذه الرواية تسعى إلى الانفلات من السرد المعتاد الذي لا يلامس ما يجري حقاً، إنها تذهب إلى عمق اللحظة الراهنة حيث لا معنى يمكن القبض عليه وهو يتشظى إلى ما لا نهاية له، ولا يوقفه إلا الموت، إنه جحيم الـ (ما بين)؛ بين الولادة والموت.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This