الإقامة العابرة.. أنت حيث يجب أن تكون / إيمان حميدان

لم يكن قد مضى على وصولي إلى بروكسيل للإقامة ككاتبة زائرة سوى 24 ساعة حين وقعت جريمة شارلي ايبدو. أول ما قمت به كردّة فعل هو الاتصال بابنتي للتأكد من أنّها في المنزل. لكن ابنتي لم ترد عليّ بالسرعة التي توقعتُ مما زاد من افكاري المشوشة التي كانت في غاية اللاواقعية وغاية اللامنطق.

شو في يا ماما… شو في؟ بادرتني ابنتي بعد وقت على الهاتف من باريس. وحين فوجئَتْ هي بما حصل انتقلت إليها عدوى اللاواقعية واللامنطق. هي أيضاً فكرت أن تتصل بأصدقاء لها. فقط الآن نستطيع التفاهم، قلت لها لأكسر توتّراً عابراً بيننا!

تذكّرت إقامتي في لاهاي بدءاً من كانون الاول من العام 2010، بعد اسبوع قام بوعزيزي في تونس بحرق نفسه وهبّت رياح «الثورات» في العالم العربي. كنتُ ألبي دعوة للإقامة لمدة 3 أشهر سافرت خلالها الى القاهرة وبيروت اكثر من 3 مرات لأكون عن قرب مما يحصل. خمس سنوات مرّت تغير خلالها وجه العالم العربي بشكل دراماتيكي لم يتوقعه أحد. تغيرات مذهلة لواقع ما عادت ذاكرته تحمل سوى تواريخ إقامة وترحال وتهجير ولجوء وموت. تواريخ مرتبطة بحوادث وحروب تتكرر وتتجدد وتنتقل من مكان إلى آخر متخذة صوراً وأشكالاً مختلفة.

المكان قد يتحوّل إلى أمكنة، وفي لحظة واحدة يحدث أن نتوزّع فيها ونتشتّت من دون انتقال. في اليوم التالي من وصولي الى بروكسيل أرسلت إلى أحد أصدقائي الفرنسيين رسالة الكترونية أتمنى فيها «أن يكون العام 2015 أقل عنفاً من السنة التي سبقت والتي سبقت، أرضى بعالم أقل عنفاً بعد هروب أحلام السلام، واستحالة تمنيات السعادة التي غدت كلمات بلا مضمون». كتبت له.

قبيل ظهيرة ذلك اليوم يُقتل عدد كبير من محرّري ورسامي جريدة شارلي ايبدو في جريمة وحشية. كان عليّ ذلك الصباح الانتهاء من تحضير دروس الكتابة الإبداعية لصفوف الماجستير في الدراسات السمعية البصرية في جامعة ريتز ببروكسيل. بات عليّ حينها تغيير مضمون المادة، ذلك أن الواقع استدعى مقاربة مختلفة ونقاشاً آخر.

إنها حرب عالمية ثالثة بمقاييس مختلفة وجديدة. فكرت وأنا أكتب المواضيع التي قررت طرحها في الصف لمناقشتها والكتابة عنها. كيف يستقبل طالب أوروبي في العشرين من عمره مسألة العنف، وكيف نستطيع مساءلة سلوك وفكر عنصريين يضع جماعات تشكّل جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي الأوروبي في قفص الاتهام، بمجرد انتمائها إلى دين معيّن هو الدين الإسلامي. كان لا بد من طرح الموضوع ومواجهة الإسلاموفوبيا في الصف عبر الكتابة الإبداعية.

ما حدث في باريس خلق لديّ رغبة لمعرفة موقف الناس وخاصة المهاجرين المسلمين مما جرى، في الشارع والمقهى ومكان العمل. وجود جرائد بلغات مختلفة في بلجيكا جعل مسألة الرغبة تواجه مشاكل أقلّ. لعلّ هذا الأمر أهم ما يميّز بلجيكا عن هولندا التي لا يصدر فيها أي جريدة بلغة أخرى غير الهولندية. واقعٌ يضع بيروت وبروكسيل في مكان مشابه، من حيث تعدّد اللغات الصحافية. تعدد اللغات هو إمكانية اختيار بالنسبة للمهاجر إلى بلجيكا كذلك للمواطن من أصول بلجيكية.

«كلما ارتكب مسلم جريمة يشعروننا أنه علينا الاعتذار»، قالت عاملة المقهى البلجيكية الآتية من السنغال ردَاً على سؤالي حول ما حصل في باريس. القتلة يقتلون ونحن يُشار إلينا بأصابع الاتهام. أجابتني ياسمينا المغربية الأصل والموظفة في صالون التجميل القريب من المنزل حيث أقيم. في لحظات كهذه يُدفع المرء الى التفكير في كل القيم التي اتفق عليها الغرب لمواجهة تبعات الحرب العالمية الثانية ولإيجاد حل نهائي للصراعات الأوروبية. تلك القيم انتشرت وكأنها للعالم أجمع، لكنها بالحقيقة تركت شعوباً بأكملها خارج دائرتها، هكذا حُصر تعبير «ضد السامية» بمن يُعادي اليهود ولا يعترف بالمحارق التي تعرّضوا لها على يد النازية. كثير من المجازر في العالم والتي ارتكبت خارج اوروبا المركزية او على أطرافها لم تلحظها تلك القيم حتى الساعة. المجازر الأرمنية تاريخ ليس ببعيد. الإسلاموفوبيا في قلب أوروبا وفي العالم الغربي مثال حاضر لمستقبل قد يكون مأساوياً أيضاً.

في برامج «الكاتب المقيم» التي تنظمها الجمعيات الثقافية في اوروبا، درجت العادة أن يقيم الأدباء الزائرون في بيوت أدباء راحلين أو تلك التي تملكها البلدية أو جمعيات ثقافية تحمل اسم فنان او أديب راحل. هذه المرة الأولى التي تتخذ جمعية باسابورتا البلجيكية من منزل كاتب حي مكاناً لإقامة الأدباء الزائرين. الشقة التي أقمت فيها في حيّ سان جيل تعود لدايفيد فان ريبروك الكاتب البلجيكي الذي أصدر كتباً عدّة أهمها كتاب ملحمي عن تاريخ الكونغو رصد فيه التغيرات التاريخية لبلد عانى من الاستعمار البلجيكي وما زال يعاني من تبعاته. كتاب آخر لدايفيد الذي يكتب بالهولندية وترجم الى لغات عدة، حمل عنواناً لافتاً: «ضد الانتخابات»، حاول أن يُظهر فيه شلل الديمقراطية كوسيلة تمثيل حقيقية وشفافة. دعا الى التفتيش عن وسائل أخرى أكثر محاكاة للواقع السياسي الراكد، والذي بحسب اعتقاده، فشلت الديموقراطية الأوروبية في إنقاذه. تُرك للمقيمين من الأدباء في شقته القليل من قطع الأثاث، ومكتبة عملاقة تحوي مئات الكتب الأدبية والفكرية والسياسية والفلسفية. فسيفساء مكتبية غنية تجمع ثلاث لغات على الاقل. الإقامة في بيت شبه فارغ يلعب فيه النور والهواء ويقدّم هذا الكم النوعي من الكتب بلغات مختلفة يخلق رغبة قوية بالبقاء في ذلك المكان لأطول وقت ممكن.

حي سان جيل الذي يقع في الوسط الجنوبي من المدينة، لا يختلف عن مكتبة دايفيد في تعدده الثقافي واللغوي. يقطنه مزيج من العرب والأفارقة والبرتغاليين والاسبان والروس. مسؤول السوبرماركت ومزيّن الشعر وصاحب المكتبة ومصلح الدراجات الهوائية وبائع الحلوى وصاحب المخبز أتوا من أصول برتغالية أو اسبانية او عربية شمال افريقية واستقروا في هذا الحي وهو من أقدم أحياء المدينة. من السهل وأنت تسير في ذلك الحي أن ترن في أذنك أكثر من خمس لغات تتماوج وتلعب في الهواء وتُشعرك في إقامتك العابرة أنك حيث يجب أن تكون. شعور مماثل اثناء استماعي في امسية شعرية لقصائد نيرودا باللغة الهولندية، تمتعت رغم جهلي التام للغة.

الكنيسة التي أعطت اسمها للحيّ يأتيها قس لبناني صباحاً لإقامة القداس. يقام في النهار الواحد أكثر من 4 قداديس يتغير فيها رجال الدين والمصلون. إقامة قداديس متعددة في اليوم نفسه في مدينة تحوي هذا الغنى الهائل من الجنسيات واللغات والطوائف يحول هذا النشاط الديني الى حركة شبه سياحية مسرحها الساحة الواسعة امام الكنيسة والتي تلعب أدواراً مختلفة وفق الوقت وتغيّراته.

الساحة قد تكون أي شيء خلال ايام الاسبوع: ساحة للرقص، او للعراك الكلامي بين اولئك الذين يعودون متأخرين من الحانات الموزعة في الشوارع المحيطة، او سوقاً للخضار والمأكولات والثياب الرخيصة في نهايات الأسبوع، او زوايا للتدخين يملؤها الخارجون من المقاهي الى العراء البارد لدقائق ينفثون أثناءها سجائرهم المطعّمة أحياناً بحشيشة الكيف ومن دون مشكلة.

ملهى «الأرشيدوق» الذي صارت موسيقاه تلعب في رأسي على طريق العودة ليلاً الى الشقة الفسيحة بات بيتاً ثانياً لي. على بابه الأزرق يقرأ متذوّقو الجاز دعوة الى سهرات مبكرة بين الرابعة بعد الظهر والسابعة مساء. سهرات جاز قصيرة قبل مواقيت العشاء هي الفترة الممتدة بين انتهاء العمل والعودة إلى المنزل. أعود الى الشقة في الطابق الرابع وأفتح الباب المؤدي الى الشرفة فيلفحني هواء لطيف مشبع بالبرودة وبروائح الحشيشة المنبعثة من سجائر مشتعلة على شرفات المبنى. لا بأس، أقول في نفسي، التدخين عن بُعد يقلّل من مشاعر الذنب. في المصعد التقي صباحاً بأحد السكان يحمل طفلاً رضيعاً يبتسم لي. سألني الرجل الحديث الابوّة إن كنت مرتاحة في إقامتي. تلقيت السؤال نفسه من أشخاص آخرين في المبنى. أحد أفراد العائلة التي تقيم في الطابق الخامس قرع جرس الباب ذات مساء ليسألني إن كان أطفاله يُحدثون جلبةً في البيت فوق رأسي ويقطعون عليّ تركيزي. ضحكت وفكرت ببيروت وبالضجيج الذي اعتدنا عليه كجزء من حياتنا، مع ضجيجنا البيروتي كتَبْنا وأنتجنا وعشقنا وأنجبنا وشهدنا حروباً وسلاماً ثم حروباً أخرى، وتابعنا أيامنا.

لا بد أن فان بروك أخبر السكّان أن كاتبة لبنانية ستقيم في شقته وأوصاهم بالاهتمام بها!

السير في الشوارع يصبح أكثر إثارة برفقة شاعر بلجيكي مثل فرانك دو كريتس الذي عاش منذ مراهقته في بروكسيل وكثير من قصائده التي كتبها باللغة الهولندية عنها. أماكن ما زالت تحمل إشارات لإقامة أدباء وفنانين أوروبيين عديدين في المدينة في فترات مختلفة من التاريخ، أكثرهم من الفرنسيين الذين لجأوا الى بروكسيل التي كانت وما تزال مدينة لجوء. رافقني فرانك في شوارع بروكسيل التي يعشق وراح يخبرني عن الإرث المعماري للأحياء. وقف أمام المكان الذي أقام فيه فيرلان مع رامبو ثم أصرّ أن يحكي حكايتهما وقصة إطلاق فيرلان النار على رامبو. الوقوف هناك أمام ذلك المبنى الذي كان فندقاً والاستماع الى قصة مضى عليها أكثر من 130 سنة وتناقلها الكثير، لهما مذاق مختلف. وصلنا الى الساحة الكبيرة وأشار الى المكان الذي أقام فيه فيكتور هوغو مع عشيقته الكاتبة جولييت درويه، تلك الساحة التي تأثر بمعمارها بودلير، لكنه رغم ذلك لم يتوان عن وصف كل ما يكرهه بـ «البلجيكي»!

في بروكسيل التي تعدّ من ضمن مجموعة مدن اللجوء في العالم لا بدّ أن تشعر بلامركزية ما في العيش والسلوك وطريقة التفكير. من اللغات المختلفة التي جعلت المدينة ما هي عليه، الى غياب سياسة واحدة، الى اماكن جغرافية تشير الى توجهات مختلفة في اللغة والسياسة، تقابلها تلك المساحة اللامرئية لمبادرات فردية في الفن والثقافة الى امكانية العيش كمهاجر من دون الوقوع تماماً في ماكينة الانصهار إذ يكفي إتقان لغة من اللغتين الرسميتين ليجد المرء مكاناً له. بلجيكا المشغولة بمشاكلها السياسية والاجتماعية والتي تتميز بـ «عدم تنظيم»، لكنه فعال ومنتج، تقدم للمهاجرين الأوروبيين مكاناً اقل كلفة في المعيشة والإيجار، بعيداً عن مركزية وخطط مدينية يواجهها الفرد في المدن الكوزموبوليتية الكبيرة.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق