سلام الكواكبي لـ“الشروق”: مقتل مواطن غربي أهم لدى وسائل الإعلام من موت مئات السوريين بالقنابل أو الحصار / بوعلام رمضاني

اتخذت دراسة المأساة السورية بعدا فكريا وأكاديميا جديدا وطازجا ببروز المفكر السوري سلام الكواكبي في المشهد الإعلامي العربي والفرنسي،“المقْتلة السورية” على حد تعبيره، تناولها المفكر سلام بتعابير دقيقة ومحسوبة أكاديمياً بعيدا عن لغة التخوين والشطط والاتهام لهذا الطرف أو ذاك، كما يفعل السياسيون أو بعض المثقفين الانتهازيين أو الخائفين أو المتسرّعين.

الحوار الذي ننشره يكتسي أهمية معرفية وعلمية بالغة واكتشافا فكريا حقيقيا وإضافة توثيقية لمن لم يسمع من قبل بحفيد عبد الرحمان الكواكبي.

من هو سلام الكواكبي شخصيا ومهنيا وفكريا؟

باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، درستُ في سوريا بداية وفي فرنسا لاحقاً، عملت مسؤولاً عن فرع حلب للمعهد الفرنسي للشرق الأدنى، وهو مؤسسة بحثية مرموقة تتواجد في سوريا منذ عشرينات القرن المنصرم، وأنا باحث مشارك في عدد من المراكز البحثية الأوروبية والأمريكية، لي دراساتٌ منشورة في كتب ومجلات علمية باللغات العربية والفرنسية والانجليزية والألمانية والاسبانية.

تعاونت كباحث أساسي مع قسم العلوم السياسية في جامعة أمستردام، ودرّست في قسم الدراسات العليا في جامعة باريس الأولى، كما أني عضو مجلس أمناء عدد من المراكز العلمية والجمعيات المدنية، تنوّعت حقول نشاطاتي العلمية والمدنية بين مواضيع عدة أهمها الإصلاح السياسي والإعلام وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والهجرة والعلاقات بين أوروبا والمنطقة العربية.

هل من فكرة عن انحدارك من عائلة الجد الإصلاحي الكبير عبد الرحمان الكواكبي، وما هي الميزة التي طبعت شخصيتك نتيجة لذلك، ولم تتوفر ربما في الأحفاد الآخرين؟

جدي الأكبر ألهمني، ومنذ الطفولة، الرغبة في التخصص في هذا المجال، أنا أعتبر بأن التزامه بموضوع الحريات ومقارعة الاستبداد كانا بالنسبة لي محفزين أساسيين. إضافة إلى دوره، كرجل دين، في إصلاح الفكر الديني والدعوة إلى التجديد الديني والفصل بين الدين والدولة، كانت نقاط أساسية في تكويني السياسي والاجتماعي وحتى الديني.

في أي ظرف غادرت سوريا؟ وهل وجودك في الخارج يجعل منك أحد المعارضين الشرسين للنظام السوري ككثير من المثقفين؟

أنا أؤمن بدور المثقف العضوي وغير المحايد، غادرت سوريا بشكل عادي رغم أنني لم أستطع خلال وجودي هناك أن أنجز في ست سنوات رُبع ما أنجزته هنا في شهرين من كتابة مقالات وتقديم محاضرات ونشر أفكار.

في حالة عددٍ من الدول العربية، ليست فقط حرية التعبير مقيدة أو معدومة، بل أيضاً حرية البحث العلمي في العلوم الاجتماعية، وبالنتيجة، لا بحث علمي حقيقي في أي من المجالات، أما أن وجودي في الخارج يُضفي على موقفي المبدئي“الشراسة” التي تتحدث عنها، فلا أعتقد، ولكنه منحني حرية التعبير التي لم أكن أتمتع بها سابقاً. وأنا أحتفظ بدوري النقدي لكل ظواهر الخلل والتعسف من قبل النظام أو سواه.

تتحدث في كل المناسبات عن الحرب في سوريا بحكم تخصصك وهويتك الشخصية الأصلية وموقعك الفكري.. فهل من جديد في سياق آخر التطورات؟ وكيف كان موقفك منها منذ البداية وحتى هذه الساعة؟

أنت تتحدث عن حرب في سوريا من خلال ملاحظتك للأحداث القائمة حالياً، ولكنه من المجحف إغفال انطلاق مسار ثوري تمثّل أساساً في تحركات شعبية تمخّضت عنها مظاهراتٌ حاشدة سلمية جوبهت بالقمع والقتل والتعذيب، أنا اعتبرت، ومنذ البداية، بأنه لا مناص من البدء بعمل سياسي إصلاحي جذري وتجاوز عبادة الفرد والدولة الأمنية.

تطوّر الأحداث نحو الدموية الشاملة وتأجيج الشرخ الاجتماعي واستغلال التنوع المذهبي لتقسيم المجتمع بأساليب شيطانية، وتحققُ ما كان يرجى ويُعمل على تحققه من خلال بروز المجموعات المتطرفة، لم يغير من تفكيري، إلا أنه وضعني أمام محاولة فهم مآلات ما حصل ويحصل على مستقبل هذه البلاد، يجب أن لا ننسى، رغم محاولة البعض التشويش على هذه الحقيقة، بأن السوريين كانوا يصرخون بداية: “واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد”، القمع والقتل اللذان اصطبغا بمفاهيم مذهبية وطائفية، أدّيا إلى تغيير ليس في الشعار بل في الممارسة أيضا، وهذه مسؤولية سيُسأل عنها أصحابُها، ربما ليس أمام المحاكم، بل أمام التاريخ على الأقل.

كيف تفسر دعوة أوباما إلى عدم إعطاء “داعش” القوة التي يؤمن بها البعض بعد أن ملأت الدنيا ضجيجا إعلاميا في ظل توجه غربي غطى على السبب الفعلي للأزمة السورية الناتجة عن نظام مستبد؟ وهل هزائمها الأخيرة تفسر وحدها قوله؟

من موقعي المتواضع، أدعو أوباما إلى الاهتمام بما يمكن له أن يطوّر في إطاره فكرة أو حديثاً صحفياً أو رأياً، موقفه، أو بالأحرى لا موقفه من الحدث السوري، يجعله يتحمّل جزءاً كبيراً من مسؤولية تطور هذه المجموعة الإرهابية، وما الضربات الاستعراضية التي تقوم بها قوات التحالف الغربي على الطريقة الهوليودية في سوريا على الأقل، إلا دليل على فقدان الاستراتيجية والرؤية في هذا الملف، إضافة إلى أنها في الوقائع، عززت من تمدد التنظيم وأعطته بعض الشعبية لدى من وقع لهم ضحايا عن طريق أخطاء القصف الغربي، وأكبر دليل على عدم فعالية هذه الضربات، أنها أمضت أربعة أشهر لتحاول إخراج التنظيم من مدينة صغيرة (كوباني/عين العرب)، وفي المحصلة من قام بإخراجهم أساساً هم المقاتلون الأكراد بمؤازرة من الجيش السوري الحر، أما داعش، فهي هدية لا تقدر بثمن لكل من يريد أن يبتعد عن الاهتمام بمصير السوريين وبحياتهم وبمقْتلهم المستمر يومياً، قتل إنسان غربي أهم لدى وسائل الإعلام من موت مئات من السوريين بالبراميل أو بالحصار أو غرقاً في البحار سعياً للجوء.

الثورة السورية تعدّ الحلقة الأكثر درامية ودموية وخصوصية لعدة اعتبارات في مسار ما سمي بالربيع العربي، ما هو موقفكم منه بوجه عام؟

- لقد آمنتُ بداية بقدرة الشعوب على التعبير عن نفسها وبضرورة أن تؤطّر النخب هذا الحراك، ولكن غالبية النخب استقالت لأسباب تاريخية مرتبطة بطبيعة الأنظمة المستبدة، فبعضها هاجر أو تم تهجيره، وبعضها الآخر اعتقل أو فقد الحياة تعذيباً، ومنها من تمّ استقطابه حكومياً، ومنها من تم استغلال خوفه الإيديولوجي لدمجه في حراك أمني يستهدف كل محاولات التغيير، لقد عرفت الأنظمة المستبدة كيف تستفيد من تجارب عديدة لكي تستخدم أساليب شيطانية ناجحة في وأد التحركات الشعبية، فلجأت إلى التفرقة المذهبية وإلى تعزيز التطرّف ووأد محاولات التنوير طوال عقود. وهي أيضا لجأت إلى القوة الأكثر دموية لإيقاف التحركات التي بدأت سلمية وقبل أن تتحول إلى صراع مسلح، وهناك دولٌ عربية ادعت مؤازرتها لبعض المسارات الثورية ولكنها في الحقيقة ساعدت في تحولها إلى العنف لتعطي مثالاً مخيفاً لا يُحتذى به من قبل شعوبها.

 تحدثت في ندوة “التحالف ضد تنظيم داعش.. ضجيج من أجل لا شيء” التي نظمتها جمعية “حرية سورية” في باريس عن المثقفين الذين تقاطعت مصالحهم مع المستبدين. هل يعدّ أدونيس واحدا منهم؟ وأين تتموقع أنت شخصيا؟

أنا لا أسمح لنفسي بتقييم وطنية أي إنسان، هذا عملٌ كانت وما زالت تمارسه قوى السلطة، وبالتالي لن أخوض فيه، أما إن أردت رأيي بما يقول الأشخاص، فيمكن لي أن أعلق على موضوع الرأي وليس على الشخص، أما بخصوص المثقفين، فقد أوردت في جوابي السابق، ما أعتقد أنه ساهم في تحييد بعضهم أو رميه في حضن الفكر الخائف أو الفكر المتردّد، أضيف إلى هذا، بأن هناك فجوة معرفية كبيرة توضحت الآن بين المثقف ومجتمعه؛ فالكثير منهم، كان بعيداً جداً عن فهم طبيعة مجتمعه المحلي، ما أدى إلى أن يُفاجئ ببعض التعبيرات المجتمعية التي ظهرت أثناء الحراك، وهذا الانقطاع لا يتحمّلون مسؤوليته بمفردهم، بل المنظمة القائمة كانت تمنع هذا التواصل من خلال حصر النشاط الثقافي والفكري بمؤسسات ذات طابع أمني، ساهمت في إضعاف المعرفة وفي تعزيز النخبوية ببعدها السلبي.

تأسفت لعدم توفر استراتيجية معارضة سورية موحدة وقوية، لماذا، علما أن الأمر يبدو طبيعيا؟ وما هو السبيل لتحقيق ذلك في ظل عوامل ومصالح عالمية غربية وعربية إسلامية إقليمية تفرض ذلك حتمياً؟

من الطبيعي أن تكون المعارضات السورية ضحية لعقود من منع الحياة السياسية ومصادرة المجال العام، ولكنني، وكأستاذ في العلوم السياسية، أسمح لنفسي بالقول إن الطالب يحصل على دبلوم في الدراسات المتقدمة في هذا المجال خلال أربع سنوات من الدراسة، وأنا أعتقد بأن المشهد السوري هو أهمّ حقل دراسي يمكن الاستفادة منه لمن يريد أن يستفيد، وبالتالي الاستناد إلى التصحير السياسي والثقافي في الماضي لم يعد مجدياً، وفي الآن ذاته، برزت أمراض نفسية عديدة لدى بعض من النخب السياسية تتعلق بالذات وبتضخمها السرطاني، وهذا ينعكس في أدائهم على مصائر السوريين بمختلف تلاوينهم، وهم أيضا سيكونون يوما مسؤولين أمام التاريخ، ضف إلى ذلك، أن التأثيرات الخارجية لعبت دوراً سلبياً في الأداء وتحولاته وتراجعاته وخيباته وهنّاته.

هل انتصر الأسد في المحصلة في ظل الصراع الشيعي السني الذي يخدم مصالح غرب مكيافيلي كعادته؟ وهل مازالت الفرصة سانحة لمستقبل سوري أفضل أم أن أخطاء وتقديرات الماضي حسمت الأمر لصالح النظام، وخاصة بعد مراهنته على تجنيد العالم ضد داعش باسم محاربة الإرهاب؟

أعتقد بأن سوريا لم تقل كلمتها الأخيرة، ولا استطيع أن أجزم بانتصار طرف أو غيره، الانتصار في نهاية هذه المقْتلة سيكون للموت، ولن يستطيع أحدٌ من أن يتبناه. الخاسر الأكبر هو الشعب السوري، ومهما كانت النهاية، فقد دمرت سوريا في جزئها الأكبر، ووقعُ التدمير الأخلاقي سيكون له آثارٌ وخيمة على أجيال المستقبل، التغريبة السورية ستكون أشدّ إيلاماً من سواها، وسيُسأل الجميع عما قام به وعما لم يستطع القيام به، لا منتصرَ في هذه المقْتلة سوى الموت والدمار، وهنيئاً لمن أراد تبنيهما.

والضربات التي توجهها قوات التحالف الغربي إلى “داعش” استعراضية هوليوودية، في سوريا على الأقل، وأدت إلى تمدّد التنظيم، ما يدل على فقدان التحالف للاستراتيجية والرؤية في هذا الملف.

عن جريدة الشروق الجزائرية
 

=====

حساب «حزب الله»

 
نيويورك ـ ماجد كيالي
لا تكمن المشكلة مع حزب الله في كونه حزباً دينياً، أو شيعياً، في مرجعياته الفكرية، وتكوينه المجتمعي، وإنما هي تكمن في كونه حزباً طائفياَ، يلعب على العصبية الطائفية، في الممارسة السياسية، وفي كونه حزباً يستخدم القوة العسكرية لفرض هيمنته، وكونه مجرد ذراع إقليمية للسياسة الإيرانية في المنطقة.

منذ قيامه، مطلع الثمانينيات، بالقرار والرعاية والدعم الإيراني، بات هذه الحزب مجرد امتداد للسياسة الإيرانية في لبنان، وهو استطاع، بفضل الأموال المتدفقة عليه، انشاء شبكة من الخدمات الاجتماعية، تمكّن من خلالها استقطاب قطاعات واسعة من طائفة «المحرومين»، بحيث باتت، مع ميليشيا الحزب، بمثابة دولة داخل دولة، وبحيث بتنا إزاء «دولة حزب الله»، بتعبير المفكر اللبناني وضاح شرارة.

لم يتوقف هذا الحزب عند تحويل جمهور «الشيعة» لصالح التبعية السياسية لإيران، وإنما وصل الى حد تحويلهم للتبعية الفقهية لقم، بدلا من النجف، ولاسيما مع تبني عقيدة «الولي الفقيه» التي ابتدعتها الجمهورية الإسلامية في عهد الإمام الخميني، وقد ترتب على ذلك تهميش رجال الدين الشيعة اللبنانيين، من مثل الراحلين آية الله محمد حسين فضل الله والإمام محمد مهدي شمس الدين، الى السيد محمد حسن الأمين والسيد علي الأمين والسيد هاني فحص وغيرهم.

في بداية ظهوره اصطدم حزب الله مع ثلاث ظواهر في البيئة الشعبية والسياسية اللبنانية، كان ينبغي له تصفية الحساب معها، وإزاحتها، أولها، ظاهرة المقاومة الوطنية، وهو في هذا السياق اشتغل على إزاحة كل القوى التي تنشط في العمل العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي، في سعيه لاحتكار القرار، وهذا شمل إزاحة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول»، وضمنه إزاحة حتى الحزب السوري القومي الاجتماعي. وبديهي ان هذا شمل منع المقاومة الفلسطينية من التواجد، أو القيام بأي نشاط ينطلق من جنوب لبنان. وثانيتها، تهميش المثقفين اللبنانيين في بيئته «الشيعية»، كي يتسنى له التحكم بالرأي العام في الطائفة، الأمر الذي تم بجملة اغتيالات ذهب ضحيتها مفكرون من وزن حسين مروة ومهدي عامل وسهيل طويلة، وغيرهم، من المحسوبين على الحزب الشيوعي اللبناني. اغتيالات تم السكوت عليها، أو لم يكشف النقاب عنها، حتى الآن. وثالثتها، احتكار تمثيل الطائفة «الشيعية»، والهيمنة عليها. وفي هذا الإطار خاض الحزب معارك شرسة مع حركة «أمل»، التي كانت مسيطرة تقريبا في الفترة السابقة، وقد ذهب ضحية هذا الصراع المئات، إلى حين تم ترتيب تقاسم السيطرة بمداخلات سورية وإيرانية، وإن حسمت الامر بعدها لصالح حزب الله.

لا نجادل هنا بشأن دور حزب الله في مقاومة إسرائيل، فهي موضع تقدير، لاسيما للتضحيات التي بذلها لبنانيون، بيد ان الحديث هنا يدور بالضبط عن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوبي لبنان، إذ لم يعرف عن الحزب ابان فترة المقاومة، أي منذ تأسيسه في النصف الأول من الثمانينات إلى حين انسحاب إسرائيل الأحادي من الجنوب، أي عملية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أي ان مقاومته كانت محسوبة في هذا الإطار، او في هذه الحدود، فقط، وهذا هو معنى ان العملية الأخيرة استهدفت دورية في مزارع شبعا، رغم كل الادعاءات الأخرى.

هكذا، قبل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب (عام 2000) لم يسمح حزب الله لأي حزب لبناني او فلسطيني بأي نشاط يتعلق بمقاومة إسرائيل، وبالنسبة له فقد ادار معركته، او مقاومته، بطريقة محسوبة تماما، رغم الأثمان الباهظة التي تكبدها شعب لبنان، جراء الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية، لاسيما في حقبة التسعينيات. وللعلم فإن مجمل الخسائر البشرية الإسرائيلية نتيجة عمليات حزب الله بلغت حوالى 860 جنديا وضابطا، في 17 عاما، بمعدل قدره 50 إسرائيليا في السنة، او أقل من خمسة شهريا!

بعد العام 2000، أي منذ عقد ونصف، تخلى حزب الله من الناحية العملية عن المقاومة، مع انه ظل عليها من الناحية النظرية، ومن ناحية تركيبته، واعداده لذاته، وبدلا منها فقد اتجه لتصريف طاقته في الداخل اللبناني، لتعزيز مواقعه في تقرير أحوال لبنان، على أساس طائفي/مذهبي، وفي إطار تعزيز السياسة الإيرانية في المنطقة. فقط تخلل هذه الفترة، أي الـ 15 عاما، بضعة عمليات من ضمنها عملية 2006، التي نجم عنها مصرع عدة جنود إسرائيليين وخطف اثنين، والتي استجرت حربا إسرائيلية مدمرة على لبنان، والعملية التي تمت مؤخرا في مزارع شبعا، ردا على اغتيال إسرائيل لمجموعة من حزب الله، وقائد عسكري إيراني، في جبهة الجولان السورية.

العملية الأولى جاءت بعد ستة أعوام من وقف المقاومة، في حين ان العملية الأخيرة في الجولان جاءت بعد عقد ونصف، او بعد تسعة أعوام من العملية التي سبقتها، وبديهي فإن حركة مقاومة تقوم بعملية كل عدة أعوام لا يمكن اعتبارها كذلك، كما لا يمكن لها بداهة ان تدعي ذلك. طبعا يدعي نصر الله، الأمين العام للحزب، انه تم كسر قواعد الاشتباك في حين ان العملية في مزارع شبعا، وكل المراسلات والتطمينات التي اتبعتها، اكدت التزام الحزب بقواعد الاشتباك تلك مع إسرائيل. ولعله يجدر بنا التذكير هنا ان إسرائيل شنت ثلاث حروب وحشية على قطاع غزة (2008 و2012 و2014) إلا ان حزب الله لم يتحرك قط، كما انه لم يتحرك البتة ابان الانتفاضة الثانية التي كانت استمرت أربعة أعوام (2000ـ 2004) والتي كانت انتفاضة مسلحة، وشهدت اعنف مواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وسقط حينها حوالي 1040 إسرائيليا، بمعدل 260 إسرائيليا في السنة، او 22 شهريا، أي اكثر بكثير ممن سقطوا في عمليات حزب الله في 17 عاما.

المشكلة لا تتعلق فقط بوقف حزب الله مقاومته لإسرائيل، وهي مبرر وجوده، وتوجهه لفرض هيمنته على لبنان، وانما وصلت حد مشاركة هذا الحزب بالقتال دفاعا عن نظام الأسد في سوريا. وتبين في ذلك أنه حزب يشتغل كأداة إيرانية، وكحزب غاشم يستخدم «الشيعة» كوقود في هذه اللعبة، والأنكى ان ذلك يتم في سبيل الدفاع عن طاغية يقتل شعبه للحفاظ على سلطة عاشت خمسة عقود على الفساد والاستبداد. وفي الحقيقة، فقد تكشف ذلك عن ذروة الانحطاط السياسي والأخلاقي لهذا الحزب، الذي تجرأ على الله وانتحل اسمه. والمشكلة أن قيادة هذا الحزب، تفسر قرارها حينا بحماية المراقد الشيعية، وحينا آخر بمحاربة الإرهاب، وأحيانا بالدفاع عن المقاومة، في حين انها تشارك في مقتلة فظيعة للسوريين الذين طالما احتضنوا الحزب تقديرا لمقاومته إسرائيل، من دون أي حساب لتكوينه ولا لأيديولوجيته.

لم يكن هذا هو الانحطاط الأول لحزب الله، فهو ابان الغزو الأميركي للعراق لم يقل ولا كلمة عن الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران، والتي جاءت على دبابة أميركية لتتسيّد على العراق، وتبعاً لذلك لم يكن هذا الحزب مع المقاومة العراقية، بل انه كان مؤيدا لسياسات المالكي الطائفية، التي تكشفت عن سياسات خرقاء قائمة على الفساد، وتخريب الدولة والمجتمع العراقيين، وهي بالذات التي أدت الى وقوعه فريسة لـ»داعش».

بالمحصلة ينبغي ان نأخذ الأمور في عواقبها، ذلك ان مقاومة حزب الله لإسرائيل، قبل عقد ونصف لا تعطيه صكاً على بياض في السياسات التي ينتهجها في لبنان وسوريا، ولا تبيض صفحته في المشاركة في قتل السوريين، أو في التبعية للسياسات الإيرانية، التي اشتغلت تخريبا في المشرق العربي. ومعلوم أن إيران بالذات هي المسؤولة عن تصدع المجتمعات العربية، إذ انها نجحت في ما لم تنجح به إسرائيل منذ قيامها، أي في اثارة النعرات الطائفية /المذهبية في العالم العربي، وهذه أكبر خدمة يمكن أن تقدمها دولة لإسرائيل، بغض النظر عن ادعاءاتها.

نوافذ

====

السيسي يختار ديغول نموذجاً ومثالاً !
القاهرة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

 
القاهرة ـ حمدي رزق
(1)

وعن مثله الأعلى، قال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، رداً على سؤال ماكر من مذيع قناة «Europe1».

جان بيير الكباش: «لقد رأيت الرئيس الفرنسي السابق، شارل ديغول، الذي حكم فرنسا في مرحلة حرجة، وحقق نجاحاً كبيراً، بالطبع لا أستطيع مقارنة نفسي بهذا الزعيم العظيم، لكنني أتمنى أن أنجح في التحدي الذي تواجهه مصر الآن، مثلما نجح هو في التحدي الذي كانت بلاده تواجهه».

مباشرة راح بسطاء المصريين يبحثون على مواقع الإنترنت عن «ديغول» هذا الذي اختاره رئيسهم السيسي نموذجاً ومثالاً، إنه جنرال «فرنسا الحرة»، استبشروا خيراً، المثقفون عكسوا رضا، اختيار يعكس قراءة رئيسهم للتاريخ. مر زمن طويل على رحيل الرئيس النموذج جمال عبد الناصر، صاحب شعار «مصر حرة»، احتار العاديون قليلاً، لماذا اختار الجنرال ديغول، أما المؤرخون فعقدوا المقارنات، ديغول كان أسطورة فرنسية خالصة، والمقارنة هنا تحتمها حركة التاريخ.

ديغول العسكري جاء إلى الحكم وفرنسا محتلة، فنادى بفرنسا الحرة، وجاء السيسي العسكري ومصر محتلة إخوانياً، فنادى بمصر الحرة، ديغول خاض حرباً على كل الحدود، والسيسي يخوض حرباً على كل الحدود، ديغول من موقعه العسكري صار رئيساً، السيسي من موقعه العسكري صار رئيساً. ديغول خسر شعبيته بعد انتصار، قبل أن يستدعيه الشعب الفرنسي لإنقاذ الجمهورية، والسيسي لم يخسر شعبيته بعد، خفتت قليلاً. الشعب يستدعي السيسي ثانية من موقع الرئاسة إلى موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة ليخوض الحرب ويستعيد منعة الدولة المصرية التي تتكالب عليها الأكلة في الشرق والغرب تكالبها على قصعتها.

«ديغول المصري» على المحك التاريخي، إن كُتِبَ له النصر على عصابات «داعش» الموزعة بين سيناء المصرية إلى الشرق وسرت الليبية إلى الغرب، سيدخل التاريخ المصري الذي يفتح أبوابه فقط للقادة العسكريين، منذ أول «أحمس» في فجر التاريخ مروراً بأحمد عرابي وعبدالناصر انتهاءً بالسادات صاحب قرار العبور، حتى مبارك الذى ثار عليه المصريون ثورة عارمة في يناير/ كانون ثان 2011، لايزالون يذكرونه بالخير فقط لأنه كان قائد الضربة الجوية الأولى في حرب أكتوبر 1973. الانتصارات العسكرية تذهب بالسيئات الديمقراطية في الحساب الختامي لأبطال روايات المحروسة.

انتصارات ديغول العسكرية تجُب إخفاقاته الديمقراطية في صفحات التاريخ. الضربة الجوية التي وجهها سلاح الطيران المصري إلى مواقع تمركز» داعش «في سرت الليبية، تلجم المطالبات الديمقراطية. في مصر الآن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، شعار ناصري بامتياز، وشعب يعلو صوته بأغاني الحرب، «وأمك تقولك يا بطل هات لي نهار»، يستعذبون سماع الصوت الحليمي الهادر (صوت عبدالحليم حافظ) يتغنى بكلمات خال المقاتلين الشاعر «عبدالرحمن الأبنودي» (عدى النهار).

أجواء حرب بامتياز، ومكانة « ديغولية « ينتزعها السيسي بجدارة وهو يخاطب شعبه بتحدٍ وتصميم على الثأر بكلمات قائد يذهب الى المعركة: «إن مصر تحتفظ لنفسها بحق الرد، وبالأسلوب والتوقيت المناسب، للقصاص من هؤلاء القتلة والمجرمين المتجردين من أبسط قيم الإنسانية». لم ينم المصريون ليلة الأحد، على بسطهم يتقلبون على جمر الثأر، يرومون ثأرا، وقد أتاهم النبأ اليقين بطلعة جوية تدك حصون داعش، ضربة جوية أشاعت سرور وغبطة أجواء الضربة الجوية في حرب العبور 1973.

على بركة الله، ودعوات وتكبيرات في المساجد، ودقت أجراس الكنائس، افتتاحية معركة في الغرب، والمصريون هم من يمموا وجوههم حذر الحرب من الشرق، يحاربون دوماً في الشرق، ويتحسبون دوماً للغرب، ويتمتمون في خبايا نفوسهم بالمثل المصري «اللي يجي من الغرب لا يسر القلب»، جبهة الغرب انفتحت، ولم تلتئم بعد جبهة الشرق.

(2)

كان شريط ذبح 21 مصرياً مسيحياً، ذبحاً لقلوب كل المصريين، نحروا جميعاً، من الوريد الى الوريد، أحسوا بالضياع بين الضباع المسعورة شرقاً وغرباً، هنيهة حتى أطل عليهم وجه الرئيس المفوض شعبياً بدحر الإرهاب. كان الحزن يغالب التصميم في عينيه، صدقه قليل، وتشكك كثير، ودارت ماكينة الإخوان الإعلامية تعجّز المصريين، وتعيّرهم بالذبح، كانت المرارة كالصبار في الحلوق.

ليلة بالف شهر، دهر كامل عاشه المصريون ينتظرون الثأر. تباشير الفجر حملت بصيصاً من الأمل، شعاع من قلب العتمة التي ظللت البيوت الواجفة، حتى كان بيان القيادة العامة للقوات المسلحة تحمل خبر طلعة جوية مظفرة، ثأراً ممن ذبح أكبادكم.. والله زمان يا سلاحي، سخنت الدماء في العروق، نفر العرق الصعيدي في يافوخ المصريين، كل اطمأن على سلاحه الشخصى، ربما احتاجه الجيش في المعركة. يتساءلون عن موعد التعبئة، وحشتهم (من الوحشة) الجبهة وأيام، خلي السلاح صاحي.. صاحي.

وقبل أن يطلع النهار كان الرئيس في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية (شرقي القاهرة) يعزي قداسة تواضروس الثالث، بابا الأقباط. ثأر ليلا ثم عزاء صباحا، ثم انتشار لآليات عسكرية في المدن الرئيسية، حذر الغدر. الله اكبر، انها الحرب، يقينا لاتفهم لماذا كل هذا الترحيب بالحرب، حبا في الشهادة، النصر او الشهادة، ام خلاصا من الحياة العادية بمشاكلها ومتاعبها وأخوانها واحزابها وانتخاباتها وثوارها وأحرارها، الناس ملت، زهقت، وكأنها تنتظر الحرب، ودارت عجلة الحرب، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

يقينا الحرب لم يطلبها السيسي، فرض عليكم القتال وهو كره لكم، هكذا خرج شيخ معمم يدشن الحرب في الغرب بآيات قرآنية، لم يفت المحلل السياسي القابع في الكهف الستيني، وأمجاد يا عرب أمجاد، ان يؤشر إلى انها التزام شعبي وانضباط. التاريخ يعيد نفسه، هاهو ناصر يعود من جديد، يخاطب الأمة المصرية من قلب المعركة، « مصر تحتفظ لنفسها بحق الرد..».

خفتت الأصوات الزاعقة تطالب بالديمقراطية وحقوق الانسان، وتعالت صيحات، بلادي.. بلادي لك حبي وفؤادي، وتحولت صفحات الفيس بوك بين اقلاع وهبوط طائرات «الميراج« إلى منشورات حربية، وارتدت المواقع الالكترونية الخوذة والبيادة، ونشط المحررون العسكريون، وتبارى المحللون العسكريون، يعدون (من العدو) يسابقون «الميراج« في الجو من فضائهم الاعلامي التعبوي.

جبهة حربية تختلف تماماً، انفتحت على صفحات التواصل الاجتماعى، ساحات حرب، بين المصريين والإخوان والتابعين. الاخوان أخذتهم الصاعقة، إصابتهم هستيرياً جماعية وهم يشاهدون عودة الطائرات المصرية الى قواعدها سالمة. انتصار السيسي في حرب الإرهاب هزيمة للإخوان والتابعين، رهانات الإخوان على فشل السيسي ديمقراطياً راحت أدراج الرياح التي حملت طائرات «الميراج» لتقذف «داعش« في عقر دارها. ديغول المصري يتشكل على وقع المعركة التي باتت حديث المساء والسهرة التي احتل شاشاتها بيان القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية: «قامت قواتكم المسلحة فجر اليوم الإثنين الموافق 16/2 بتوجيه ضربة جوية مركزة ضد معسكرات ومناطق تمركز وتدريب ومخازن أسلحة وذخائر تنظيم داعش الإرهابى بالأراضى الليبية».

(3)

ثمة فارق شاسع بين أن يعلو صوت كوكب الشرق أم كلثوم بالغناء الأسطوري، وبين أن يعلو صوت الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بشعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». كان صوت أم كلثوم هو الصوت الوحيد المسموح له بالعلو قبل خمسين عاماً في القاهرة، لم يكن ذاك بتوجيه رئاسي كما يتصور البعض، لاسيما البعض الكاره لناصر وعصر ناصر،أو كما يحلو لبعض الساسة والمؤرخين الادعاء ضد العصر الناصري، جاء تلقائياً، وجدانياً إن جاز التعبير.

انشغل الجميع بالمعركة وتفاصيلها، ببطولات الضباط والجنود، كان هذا في جميع معارك مصر الكبيرة آنذاك وعلى رأسها معركة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، قالها ناصر في أكثر من مناسبة، أهمها بعد 1967، حين بدأ ناصر والدولة المصرية بناء الجيش مجدداً بعد الهزيمة، ذاك الجيش الذي تمكن ناصر من بنائه وفق الخبراء في عامين تقريباً، واستكمل أهبته للقتال وتحرير الأرض المحتلة، سيناء، قبل أن يرحل (سبتمبر/ أيلول 1970).

لم يأمر ناصر رسمياً على الأقل بأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ولم يكلف أحداً من رجال أجهزة دولته بإسكات الأصوات، وإلا لما ظهرت موجة «حرية الرأي» التي اجتاحت الصحافة في أواخر 1969 وهو على قيد الحياة وفي سدة السلطة، وقبلها تظاهرات الطلبة المنددة بـ»أحكام الطيران» الهزيلة الأحكام التي صدرت بحق قادة الطيران الحربي في هزيمة حزيران / يونيو 1967، تظاهر الآلاف من الطلبة فلم يمسسهم أحد بسوء وتدخل «ناصر» بنفسه وحل الأزمة.

لم يأمر ناصر إذاً بتكميم الأفواه وفق شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، كان يقصد أن للمعركة مع العدو الإسرائيلي، الأولوية على غيرها من الإشكاليات، التي تصغر إلى جوار الحرب، تلك الحرب التي كرست لها الدولة المصرية بين 1967 و1973- جميع إمكاناتها المادية والمعنوية والأدبية وبالطبع الأمنية. لكن المصريين تلقاء أنفسهم كفوا عن رفع الصوت. لم يعل إلا في تظاهرات 1968، التي كانت استثناءً من القاعدة، وكانت متصلة كل الاتصال بموضوع الدولة الأول وقتئذ: المعركة مع العدو وتحرير الأرض.

لكن المصريين بصورة «مؤتمتة» تقريباً كفوا عن رفع أصواتهم، اللهم إلا من الدعاء ملء القلوب لجيشهم بالنصر على العدو. كانت الأغنية الأولى في مصر وقتئذ «أحلف بسماها وبترابها»، التي كان عبدالحليم حافظ الصوت الأول للعصر الناصري يصدح بها في مستهل جميع حفلاته بعد 1967.

اتفق المصريون، في ما يبدو، اتفاقاً غير مكتوب على إفساح الطريق على اتساعه للمعركة، يقال إن معدلات العمل في جميع المواقع ارتفعت في الفترة بين 1967 و1973، ولم يسقط تنظيم سياسي واحد ضد الدولة في تلك الفترة، حتى إن البسطاء من أهل مصر وهم أغلبيتها الساحقة كفوا عن الحديث السياسي أصلاً في تلك المرحلة. شهد بهذا من عايشوا تلك الفترة بوعي، الدولة أجهزة وشعباً توجهت بكامل عدتها وعتادها بشراً وآلة، إلى ساحات المعركة، تلك التي مثلت قضية حياة أو موت.

تلك أمور يعرفها من عايشوا هذه الفترة ومن قرأوا عنها بدقة، ويمكن أن يتصورها من يعيش في مصر هذه الأيام. ففي مصر اليوم ثمة من يرفعون الشعار ذاته: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. معركة من طراز جديد تماماً، ورئيس دولة من طراز مختلف، وجيش من نوعية لا علاقة لها بنوعية الجيش المصري القديم، وعدو مغاير تماماً للعدو القديم من ناحية الصورة.

معركة ضد الإرهاب المسلح في أبشع صوره، ضد «داعش» في ليبيا على الحدود الغربية لمصر، يخرج فيها الطيران المقاتل المصري لأول مرة خارج حدود مصر، لم يفعلها منذ أواسط السبعينيات، وجيش متطور مصنف عالميا، قال الخبراء عنه إنه أهم الجيوش الأفريقية قاطبة، وهو أقوي جيش عربي الوجه واليد واللسان أيضاً، ان لم يكن الجيش الوحيد، مسلح بأحدث سلاح، واخيرا امتلك المقاتلة الفرنسية « رافال « الاغلى عالميا والتى تمد يد سلاح الطيران المصرى طويلة من حدود باب المندب جنوب شرق الى سواحل الاناضول شمال غرب، وهو مزود أيضاً بعقيدة قتالية خارقة تتبلور في «الموت أو الشهادة»، والعدو في هذه الحرب ليس إسرائيل كما هو معتاد في اربع حروب مضت، العدو هو الميليشيات التتارية الجديدة «داعش» وأخواتها، ولعلها أخطر.

(4)

«لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» تعاود الظهور مجدداً، ثمة انتخابات عامة لمجلس النواب المصري خلال أسابيع، وثمة مؤتمر دولي اقتصادي لدعم مصر خلال ثلاثة أسابيع ينعقد في منتجع شرم الشيخ بجنوب سيناء، وثمة استحقاقات اجتماعية/ اقتصادية، لكنها هذه المرة لن تتأجل، يصر السيسي ومعه الدولة المصرية كلها، على خوض جميع هذه الاستحقاقات تباعاً من دون تأجيل أو مماطلة، ليس لديهم رفاهية التأجيل.

وفي الوقت ذاته تخوض الدولة جيشاً وشعباً معركة غير مسبوقة ضد الإرهاب، سواء ذلك الذي يعمل من دون توقف في ليبيا أو الذي لايزال يقاوم من أجل البقاء في شمال سيناء «جماعة بيت المقدس»، أو الإرهاب المحتمل في مضيق باب المندب، جراء استيلاء الحوثيين الموالين لطهران، على اليمن ومقاليد السلطة فيه قبل أسابيع، ناهيك بمعركة ضد الإرهاب في الداخل، من جماعة «الإخوان» المحظورة وأتباعهم.

لعل هذا الوضع بالغ التعقيد لم يتشكل بهذه التفاصيل من قبل، أعداء في الشرق وأعداء في الغرب وأعداء في أقصى الجنوب، فضلاً عن أعداء في الداخل ذاته. وبعد هذا كله يتساءل حائر عن سر عودة شعار: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة؟

ليس الرئيس ولا الحكومة ولا أجهزة الدولة ولا حتى المثقفين أو النخبة أو الساسة وراء عودة هذا الشعار إلى الحياة. يبعث من جديد، إنها الحياة ذاتها، وحركة التاريخ عينها، هما ما تفرضان عودة هذا الشعار إلى الوجود. ذلك الشعار الذي يحول الداخل المصري برمته إلى جبهة قتالية واحدة متماسكة، تخفت فيها أصوات الاختلاف وتتحول إلى أصوات وطنية تقف في «الصف» وتهتم اهتمام «المجموع» بالجيش المصري ومعاركه التي اتسعت لها الخارطة المصرية كلها.

لكن إيقاع «الحياة الجديدة» في مصر، تلك الحياة التي تروم حراكا ديمقراطيا بعد ثورة من فصلين 25/30 كدولة تولد من رحم التاريخ مجدداً، تواصل حراكها. من هنا يبدأ الطريق الجديد، ذلك الذي يختبرنا التاريخ فيه وبه وعليه، اختباراً لم تشهده مصر إلا قبل ثمانية قرون، حين توجب عليها في القرن الثالث عشر الميلادي دحر قوتين عظميين على أرض الشرق: الصليبيين والتتار، الذين قضى المصريون عليهما في عشر سنوات متعاقبات.

الصليبيون قضى عليهم المماليك في المنصورة حاضرة محافظة الدقهلية شمال شرق الدلتا المصرية- قضاءً مبرماً وأسقطوا ملك فرنسا الذي كان على رأسها لويس التاسع، أسيراً. ثم معركة «عين جالوت»، التي دحر فيها المماليك وعلى رأسهم السلطان قطز التتار، وقضوا عليهم لسنوات طويلة. هكذا كان القدر يقدم مصر في صدارة المعارك التاريخية الكبرى للشرق الأوسط. وهكذا يعاود القدر لعبته مع مصر في القرن الواحد والعشرين، فيكلفها تكليفاً بالقضاء على «الدواعش» في الغرب، وعلى «بيت المقدس» التي سبق أن بايعت خليفة داعش الإرهابي «أبا بكر البغدادي» قبل شهور والقضاء على الحوثيين في اليمن في أقصي الجنوب. كل هذه المعارك في وقت واحد، عدا الجبهة الداخلية وترتيبها من جديد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً والتخلص أيضاً من الإرهاب الذي لايزال له ذيول بها. هذه مفارقة تاريخية مهمة ينبغي النظر إليها والإمعان فيها، فكأن الطريق القديم الذي سارت عليه الدولة المصرية في أوج مجدها يتجدد، وكأن القدر يفرض على مصر المعادلة عينها بعد 8 قرون، فيبدو أن مصر لا تشهد نهوضاً حقيقياً إلا بعد أن تمحو الدنس عن المنطقة كلها، وهكذا شأن الدول الكبيرة في التاريخ، لعل التاريخ يكمل النهاية كالمرة السابقة قبل ثمانية قرون فتغدو نهاية سعيدة هذه المرة أيضاً.

(5)

هذا «المكر التاريخي»- والأخذ عن «هيغل» الفيلسوف الألماني، ليس معيباً بالطبع، إذ إن هذا الاصطلاح كان الاصطلاح الأول لفهم التاريخ علمياً يبدو واضحاً لمن يرى ويسمع في مصر اليوم، فصوت المعركة يعود إلى الصدارة مجدداً، فالمجالس المصرية على اختلافها لا حديث لها إلا المعركة الضروس الدائرة خلال كتابة هذه السطور على الجبهة الغربية لمصر، تلك الجبهة التي لم تشتعل إلا قبل 3200 سنة، تحديداً في عصر الفرعون رمسيس الثالث، الذي يعرف بأنه آخر الفراعنة العظام على الإطلاق، الذين استقروا في الحكم مدة طويلة وحفظوا للإمبراطورية المصرية مجدها وسيادتها على الأرض، والذي قاتل في ليبيا «شعوب البحر« وهو الاسم التاريخي لشعوب كانت تسكن ليبيا شرقاً وشمالاً في ذلك الزمان البعيد. وانتصر الفرعون مصر على هذا العدو الجديد الذي أدهشهم ظهوره. فالمصريون اعتادوا منذ أقدم العصور الفرعونية على أن يأتي العدو من الشرق، قاوموه وانتصروا عليه واتسعت إمبراطوريتهم في أرضه حتى بلغت في عصري رمسيس الثاني والثالث حدود تركيا وشمال العراق وكل أرض الشام وفلسطين، فضلاً عن شمال السودان جنوباً وشرق ليبيا غرباً.

كان هذا في زمن رمسيس الثالث ثم كان في زمن المماليك، لكنه يتكرر في هذا الزمن بصورة مغايرة ولكن بالمضمون عينه، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة قديماً ولا حديثاً في ما يبدو. ربما ينظر المثقفون هذه النظرة التاريخية الشاملة التي لا تنفصل عن الوضع الجغرافي الثمين والمعقد أيضاً لمصر وهم يقولون إنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وأن ثمة مطالبات أهم وأخطر من المطالبة بالحرية أو بالتطور الاجتماعي، لكن الحرية والتطور الاجتماعي هذه المرة هذه الدورة التاريخية صارا من ضرورات الانتصار، حتى الانتصار العسكري ذاته.

أما البسطاء من أهل مصر فهم غارقون في متابعة البرامج التي تبثها فضائيات مصرية وعربية وعالمية عن سير المعركة، تتناثر أرقام هنا وهناك، وتختلف على ألسنة المصريين أرقام قتلى داعش، ويهلل المصريون ويكبرون كلما عرفوا معلومة جديدة في هذا الشأن، ومن السهل أن تسمع «الزغاريد» تنطلق من هذه الشرفة أو تلك فرحاً بانتصار جديد للجيش المصري يحققه على الدواعش. فالمصريون باتوا ليلة الأحد الماضي على «جمر النار» بعد أن علموا أنباء مؤكدة عن ذبح 21 مصرياً مسيحياً على يد الدواعش في ليبيا، وتبدل حزنهم فرحاً شديداً في الصباح حين استيقظوا على أنباء مصورة موثقة عن هجوم جوي كاسح للقوات المصرية على داعش وشرق ليبيا، عن الثأر الذي باتوا طوال ليلتهم يحلمون به.

صوت المعركة تسمعه بوضوح، إذاً، في تلك الزغاريد، وتسمعه همساً في نقاشات المثقفين على المجالس، وتسمعه هادئاً حوارياً في آراء «الخبراء الاستراتيجيين» الذين تستضيفهم شاشات التلفزة المصرية والعربية. لم يعد أي من هذه الأطراف البسطاء، والنخبة السياسية، والخبراء- يتكلم مجرد كلام عن استحقاق البرلمان المقبل ولا عن القمة الاقتصادية في شرم الشيخ، حتى قرار الدولة بنزول الجيش إلى جانب الشرطة لتأمين البلاد، وانتشار الجيش في جميع الأقاليم المصرية، لم ينل نصيباً من النقاش أو التفكير إلا فيما ندر، ولا درس أحد أبعاده وأفهمها للجمهور. فهذا الجمهور بالأساس لم يكن مهتماً أصلاً بفهمها.

فصوت المعركة يغطي ما عداه من الأصوات، ومن السهل جداً أن يخبرك سائق التاكسي كمن ينبئك سراً بأن «البلد في حالة حرب يا أستاذ..»، فهي الحرب حقاً، بلونيها المعتادين: الأصفر لون الرمال، والأحمر لون الدم. والألسنة تلهج بالدعاء لمصر وجيشها. حتى الأغاني التي تبثها الفضائيات اتجهت جميعا إلى اللون الوطني، وثمة أغنيات وطنية لم يستمع إليها المصريون منذ سنوات بعيدة صارت «معتادة» هذه الأيام، تبثها الفضائيات والإذاعات على السواء.

وعلى الجانب الآخر الإعلام المطبوع بات عسيراً جداً إن لم يكن مستحيلاً أن تصدر مطبوعة في مصر من دون أن تكون «مانشيتاتها» الرئيسية على أقل تقدير- تتعلق بالمعارك الدائرة غرب مصر اليوم. فماكينات المطابع الصحافية هذه الأيام لا تدور إلا في «اتجاه الغرب» حيث المعارك الضروس التي يخوضها الطيران المقاتل المصري وتشتد يوماً وراء يوم.

(6)

تتعلق القلوب بالمعركة، فتسكت الألسنة وتخفت الأصوات ولا تعلو على صوت المعركة، هكذا شاءت الأقدار، لم يسع إلى ذلك الرئيس ولا سعت إليه الدولة. تبدو الدولة قبل المعارك الأخيرة في ليبيا منشغلة بالجانب الاقتصادي أكبر انشغالها، فضلاً عن الجانب العسكري في سيناء بالطبع، لكن الأجواء في الساعات الماضية تحولت إلى المعركة. القلوب معلقة بالنصر، والعقول لا يمكن أن تبتعد عن الميدان الذي انفتح في غربي البلاد على الحدود، تلهج الألسنة بالدعاء، ولا تتكلم إلا عن المعركة، ولا تعلو الأصوات إلا بالكلام عن هذه المعارك، ومن يخرج عن هذا السياق هم قطاع محدود من المصريين. فهم الخارجون عن السياق إما من «المحظورة» أو من الجماعة السياسية التي ينصرف الشعب عادة عن الأخذ برأيها.

هؤلاء المسيسون من «ذوي الياقات البيضاء» إن جاز التعبير، مثل البرادعي وآخرين، الذين تأتي «تغريداتهم» على تويتروفيس بوك خارج السرب الوطني بصفة عامة، هذه القطاعات خرجت عن عموم الأداء الشعبي هذه الأيام، ينظر إليهم المصريون نظرة تخوين مستحق لـ»الإخوان» ونظرة استرابة غير مردود عليها «البرادعي والأغيار»، النظر كله يتعلق بالجيش المصري الآن ومعاركه في الغرب والشرق.

يتساءل البسطاء في قلق: هل تستطيع مصر إنجاز كل تلك المعارك في توقيت واحد تقريباً؟ ويرد عليهم الخبراء الاستراتيجيون في البرامج الفضائية بـ»نعم» كبيرة، لكن الأهم هو رد التاريخ ذاته، الذي يقول به العارفون بهذا العلم الماكر. فمصر تلعب هذا الدور منذ القديم، وهي لاتزال مؤهلة له. وبهذا الدور وحده تنهض مصر، تصرخ في الآخرين لكي يستقيم الصف، ثم تنظمه، ثم تهاجم، فتنتصر وينتصر معها الصف العربي كله. لا يفكر المصريون في أعداد «الدواعش» على الحدود الغربية ولا جنسياتهم ولا إمكانياتهم التسليحية، هم يفكرون فقط في قوة جيشهم وقدراته، وديغولهم الجديد، تلك التي يعولون عليها تعويلاً يصعب أن يتأتى لجيش آخر في العالم.

نوافذ
 مقالات للكاتب 
Almusqtabal/ 22-02-2015 : القاهرة: لا صو

=====

========

ذكرى الثورة الإيرانية وصعوبة تعقّلها / حسن شامي
ليس أمراً سهلاً أن نقوم بجردة حساب للثورة الإيرانية وجمهوريتها الإسلامية في ذكراها السادسة والثلاثين. لا تعود صعوبة التقويم، أو التقييم، إلى رتابة الطقس الاستذكاري حيال حدث التأسيس وتحوله إلى مسار حافل بالأحداث المتناسلة من بعضها بعضاً، وصولاً إلى الموقع الإقليمي البارز الذي تحتله إيران اليوم. فمثل هذا التقويم بات طقساً دعوياً متصلاً لدى مؤيدي الجمهورية وثورتها من دون تحفظ، ولدى خصوم الثورة وجمهوريتها من دون تحفظ أيضاً. فهؤلاء وأولئك يزعمون القبض، بمناسبة أو من دون مناسبة، على جردة الحساب الجاهزة في عرفهم أياً كان رقم الذكرى.

في قراءات جاهزة من هذا النوع، سواء كانت سلبية أم إيجابية بالمطلق، يفقد الحدث سماكته التاريخية. فلا يبقى منه سوى ما يصلح للوعظ أو الاتعاظ. تجري الأمور، خصوصاً في الخطابات الشائعة في العالم العربي، كما لو أن الحدث الكبير، كما هي حال الثورة المؤسسة للجمهورية أو حرب الثماني سنوات المدمّرة بين العراق وإيران، لا يتشكل كموضوع مستقل في ذاته ولا يدور في مدار منفصل عن سياسات الهوية الكلية والأحكام المطلقة.

هكذا لا يعود للحدث أي قوام حقيقي، إذ هو بفصوله ووقائعه الكثيرة ساحة عرض تربوي يعثر فيه الجميع على ما يعرفونه ويحتكمون إليه من قبل. الحدث ليس سوى مناسبة لاستنطاق المقرّر سلفاً. إنه مجرد استعراض لإمارات الحكمة الراشدة، في رواية المؤيدين المتحمسين، ولأمارات الغي والضلالة، في رواية الخصوم والأعداء.

في هذا المعنى، يمكن القول إن أحداثاً كبرى عصفت بهذه المنطقة لا تجد ما يعادلها في ترسيمات الوعي السائد عربياً، وربما إسلامياً. هناك حروب شكّلت منعطفات تاريخية ومحطّات لرسم المصائر الوطنية تبدو كما لو أنها لم تقع. العبارة الشعبية، أو الشعبوية إذا شئتم، والقائلة إن الأمور كلها عند العرب «صابون»، أي رغوة وفقاعات سريعة التبخر والزوال، لا تبعد عن هذا التوصيف وشحنه بجرعات من التأسي والتأسّف والشعور بعبثية الأقدار. لا نعلم ما إذا كان جائزاً في أحوال كهذه أن نطلق على ضروب من التمرينات البلاغية والخطابية صفة المقاربة العقلانية للحدث. فالكلام عن تعقّل للحدث يفترض مقداراً من الاستقلالية النقدية والإحاطة بمختلف الدلالات التي لا يبخل الحدث بإبرازها. هنا بالضبط تكمن الصعوبة التي أشرنا إليها في البداية.

جرت ولا تزال تجري مياه كثيرة تحت جسور الجمهورية الإسلامية منذ لحظة تأسيسها الثوري قبل ستة وثلاثين عاماً. ومع أن المشهد الإيراني اليوم يشي بحصول تبدلات، خصوصاً في قطاع الشباب الذين ينتمون إلى مجتمع ما بعد الجمهورية الثورية الإسلامية، فإن وجه الاستمرارية والاتصال لا يعدم الحضور على مستوى معين في الأقل. وتعيين مقادير الصفتين والوجهين، أي التبدل والاستمرارية، يتطلب مقاربة التحولات في الواقع الإيراني باعتبارها مؤشرات إلى دينامية اجتماعية وسياسية أطلقتها الثورة نفسها. فنحن نجد اليوم، في الخطوط الكبرى للاصطفافات وتوزع القوى السياسية وفي معالم الحراك الاجتماعي والإيديولوجي، قسماً لا يستهان به من وجوه التباين والانقسام على المحاور الأساسية للثورة وللجمهورية الناشئة عنها وفي كنفها.

يمكننا أن نضع هذه المحاور تحت ثلاثة عناوين كبيرة. الأول هو التأكيد على الهوية الإسلامية العريضة مع تخصيصها بالمذهب الشيعي الإمامي الإثني عشري. العنوان الثاني هو التأكيد على الوطنية الإيرانية واستقلاليتها وانتهاجها نهجاً خاصاً يبقيها خارج اصطفافات الحرب الباردة والثنائيات القطبية الدولية. العنوان الثالث هو الانضواء السياسي، والإيديولوجي، في ثقافة ونهج حركات التحرر الوطني ومناهضة الإمبريالية والنظم الاستعمارية وفي مقدمها إسرائيل.

سعت الثورة إلى التوليف بين هذه العناوين التي يمكن لكل منها أن يكون مدار نشاط ونهج قوة سياسية وفكرية معينة. بل يمكن القول إن خريطة القوى والاتجاهات والتيارات الناشطة تتوزع، بهذا المقدار أو ذاك، على هذه العناوين في معنى أن هذا التوزع يقوم لدى هذا الطرف أو ذاك على تغليب أو ترجيح كفة عنوان معين على العنوانين الآخرين. غير أن الحدود بينها تبقى بطبيعة الحال متحركة وغير ثابتة. وكل من هذه العناوين يحتمل قراءات وتأويلات مختلفة لا يخلو بعضها من التزمت والتشدد العقائدي. وليس مستبعداً أن يكون قسم بارز من دينامية الحراك الإيراني اليوم عبارة عن محاولات لإعطاء الأرجحية القيمية لعنوان عريض ومعين على العناوين الأخرى.

في هذا السياق تندرج المناظرة، الخافتة حيناً والعالية النبرة حيناً آخر، حول صلاحية السلطة والمؤسسات المنبثقة من الثورة وآلية اشتغالها. فمن المعلوم ربما أن هذه السلطة استندت إلى نمط معين من السيطرة يمكن أن نصفه بالسيطرة الكاريزمائية بالتمايز عن النمطين الآخرين وهما السيطرة التقليدية والسيطرة العقلانية البيروقراطية، بحسب تصنيف جذاب لأشكال السيطرة وضعه قبل قرن تقريباً ماكس فيبر. وكان الأخير لاحظ أن الزعامة الكاريزمائية لعبت دوراً ثورياً على مدار التاريخ وأنها لا تعيش طويلاً وتحتمل أن تنتقل إلى صيغة اكثر عقلانية كما تحتمل التحول إلى نظام شمولي.

والحق أن مراقب المسار الإيراني يقع، في حقل الاختبار والتجريب الدائر هناك، على وجوه لهذه الاحتمالات من دون أن تكون الأمور محسومة على نحو قاطع ونهائي. وضعية التفاوض على الملف النووي الإيراني بين طهران والغرب تكاد تلخص كل التعقيدات والتشابكات القائمة في الجمهورية الإسلامية. فهناك إجماع وطني على الحق في انتاج الطاقة النووية وإن كان كل طرف ينسب هذا الحق إلى العنوان الذي يريد، وربما إلى أكثر من عنوان. وهو يكشف درجة التقدم العلمي الذي بلغته إيران ويختلف بالطبع عن استعراضيات التفنن في استخدام تكنولوجيا الاتصال لدى نظم ومنظمات جهادية وغير جهادية. فالتحكم بالطاقة النووية يكشف عن تصور لشبكة العلاقات بين الإقتصاد والمجتمع والسيادة الوطنية والاستقلال السياسي. وهذا ما يصعب قبوله في دوائر السلطة الدولية. ينبغي القول إن إيران كانت أصلاً ومنذ الثورة في وضع تفاوضي. والتفاوض، حين يكون بين أنداد، لا يخلو من مناورات مشتقة من علم الحرب والمجابهة. فالإيرانيون لا يفكرون بتدمير أميركا بل بحماية ثورتهم وجمهوريتهم من انقلاب يذكر بما حصل مع مصدق.

عن جريدة الحياة – ملحق تيارات

======

عن ركاكة قصيدة «داعش» وضرورة الشعر الرديء!
بإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة أعاد «داعش» طرح السؤال الذي يتكرر في كل مناسبة من هذا النوع: هل هذا السلوك من الإسلام حقاً؟ المفاجأة- الصدمة التي يتلقاها المتسائل أن ما يفعله «داعش» مسبوق في التاريخ الإسلامي، وبذلك تنتقل الحيرة إلى المتسائل، إذ يكتشف عدم دقة متخيِّله عن هذا التاريخ، ثم يكتشف قلة حيلته حيث لا يستطيع صون متخيّله من الإثباتات الداعشية.

خط الدفاع النفسي الأسهل هو تجاهل السردية الداعشية برمتها والقول إنه لا ينتمي إلى الإسلام، من دون تعريف دقيق للأخير، وأيضاً من دون التوقف عند ما يعنيه تكفير «داعش» من انزلاق إلى فخه نفسه. خط الهجوم الأسهل هو تبني السردية الداعشية من قبل أعدائه، والقول إن هذا هو الإسلام وقد أتى «داعش» ليكثّفه في لحظة تاريخية مفارقة لزمنه الأصلي. أما متخيّل المسلمين عن دينهم فخاطئ، وفيه ما فيه من تهرب من مواجهة الوقائع.

وكما يحدث دائماً، من المنطقي الحصول على إجابة تتسق مع السؤال، الإشكال ليس هنا، الإشكال هو في طرح سؤال مانع بصفته السؤال الوحيد الممكن، وتالياً الحصول على إجابة وحيدة أو عدد محدود جداً من الإجابات.

في حالة السؤال السابق، تنحصر الخيارات بين تكفير «داعش»، أو تبني رؤيته ورؤية خصومه معاً في أن العنف الذي يرتكبه مقدس. خيار التكفير، كما أسلفنا، هو الأسهل لأنه ينجي من خيارين آخرَيْن غير متاحين حالياً بفعل كلفتهما الباهظة جداً. لكننا إذا أعدنا تدوير السؤال، بجعله «هل داعش هو الإسلام؟»، سنحصل على إجابات مختلفة، وحيث لا تُنفى عنه وعن غيره صفة الإسلام ستكون الكلفة في تقبل التعدد وعدم تكفير الآخر، وصولاً إلى نزع القداسة عن العنف واعتباره شأناً زمنياً، وهذه كلفة باهظة أيضاً لكنها قد تكون متاحة أكثر من سابقتها.

إذا استعرنا التعبير الأدبي، نستطيع القول إن «داعش» ارتكب أكبر عدد ممكن من الجوازات في قصيدة واحدة محوّلاً الجواز العروضي من حالة اضطرارية، أو من حالة يعتبرها بعض النقاد ركاكةً، إلى قاعدة. هل الجواز العروضي من الشعر؟ سيجيب النقاد: بالتأكيد نعم. هل هو الشعر؟ سيجيب النقاد: بالتأكيد لا. وعلى رغم إجماع النقاد الكلاسيكيين على ضرورة الوزن فإن أحداً منهم لا يعتبر الوزن وحده معياراً للشعر الجيد، لكنهم يرون في فرط استخدام جوازاته ضعفاً أكيداً.

بالقياس، يبدو إرهاب «داعش» كأنه نص مبني فقط على الجوازات، لأنه يتحرى كل ما هو استثنائي في التاريخ الإسلامي ليجعل منه قاعدة، ولئن كان العنف أداة سياسية في مجمل التاريخ البشري، ومنه التاريخ الإسلامي، فإن رهان «داعش» يكاد يتوقف على إخراج العنف من «ضروراته» السياسية وتثبيته كمقدّس أزلي.

تركيز «داعش» على نبش أصول فقهية للعنف يصل إلى تنزيه الأخير عن الغايات الدنيوية، وأولاها السياسة. الفارق بين الحالتين ليس كمّيّاً فحسب، لذا ستكون مغالطة المقارنة بين عنف «داعش» وعنف السلطات الأخرى التي لا تدّعي الاستناد إلى الدين في سلوكها. إرهاب الأخيرة، وإن فاق وحشية «داعش» أو استطالت مدته، قد يجد سنداً في التحالفات السياسية القذرة وفي عجز مستضعفيها، لكنه لا يؤسس لنفسه كمقدس في الوجدان العام، ولا يدخل في باب الشكلانية المحضة أن تنكر تلك السلطات ممارستها الإرهاب، أو أن تتذرع بضرورات الأمن القصوى عندما تضطر إلى الاعتراف به، بينما يبادر «داعش» إلى إشهار إرهابه والتباهي به على رغم ثمنه الباهظ سياسياً وعسكرياً منذ ذبحه الرهينة الأميركي جيمس فولي.

بالعودة إلى التعبير الأدبي، فالركيك والرديء كانا دائماً جزءاً من المشهد العام مع نسبوية الوصفين زمنياً ومكانياً، أي ثمة وظيفة تؤديها الرداءة كقيمة معيارية، غير أن هذه الوظيفة «التعليمية بطبيعتها» تقتضي ألا تحتل الرداءة الفضاء العام. من جهة أخرى، تفترق الوظيفة «التعليمية» تماماً عن الاستثمار في الرداءة والسعي إلى تعميمها، وما نشهده اليوم على الصعيد السياسي يكاد أن يكون سباقاً على الاستثمار في الرداءة، وتكاد تكون شيطنة «داعش» المستحقة منجاة وترويجاً لمختلف أنواع الرديء والبذيء إنسانياً. أي أن «داعش» لا يؤدي وظيفة لأولئك المهمشين الذين ينبغي أن يتعلموا الدرس، بل هو يؤدي وظيفة تبريرية للقوى المهيمنة التي تستخدم أيضاً كل أنواع العنف.

الواقعية تقتضي ألا نتطلب ممن يتعرضون لكل أنواع العنف، تحت زعم المقدس ومن دونه، التمييز بين تلك الأنواع، لأن المقارنة الملحة في أذهانهم هي بين قهرهم الراهن وتطلعهم إلى العيش من دون إكراهات، لذا لن يتقبلوا مطلقاً انتقاء «داعش» كشيطان وحيد، ولا يندر أن يتخذ بعضهم موقع الدفاع عن «داعش» ما دام العنف يبرر لنظيره. إن مماحكة فكرية من قبيل أيهما يبرر الآخر أولاً، العنف المقدس أم الدنيوي، ستبدو ترفاً فكرياً بلا طائل بالنسبة إلى المعنَّفين مرتين.

الآن، قد نكون على مشارف الحملة البرية على «داعش»، على الأقل في العراق حيث كان لتمدد التنظيم الأثر الأكبر في إنشاء التحالف الدولي الحالي. بذلك سنكون أمام النهاية الدرامية المتوقعة لتنظيم بذل كل إمكاناته، باستثناء بذل القليل في ميدان السياسة، وهو أمر لا يمكن ردّه إلى ضعف في الفهم أو الخبرة قياساً إلى ما أظهره من براعة عسكرية وبراعة إعلامية تقنية، وحتى براعة في فنون الإرهاب وتسويقه، بمقدار ما يمكن رده إلى إخلاص التنظيم لرؤيته العقائدية.

قد تكون للقضاء على «داعش» ميزة إبقاء عنف السلطات وحده، عارياً من الذرائع التي يوفرها له الأول، لو انعقدت النية حقاً لاجتثاث كل جذور الإرهاب. أما الإبقاء على «داعش» كشبح ثقافي فيؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً، إذ سيبقى في الأذهان بمثابة القيمة المعيارية التي تبرر شتى أصناف الإرهاب الدنيوي. طوال نصف قرن كان شبح أمثال «داعش» يحوم فوق المنطقة، والمتضررون من نزوله إلى الأرض غير قادرين اليوم على دفنه، والمستفيدون منه جلّ ما يسعون إليه هو إعادته إلى موقعه السابق.

عن جريدة الحياة – ملحق تيارات

=====

=====

=====

آخر ظهور للدولة / عباس بيضون
كان الطائف آخر تمظهر للدولة اللبنانية، لكنها كانت الدولة الجريحة المنازعة التي لم تنس اسمها. كان الأفق غائباً أمامها لكنها مع ذلك سمّتها. لكن كل شيء بدا وكأنه عملية تذكر وكأنه مجرد انتساب. الدولة الخارجة من حرب الطائفية هي ما استقرت عليه في نهاية تحولاتها. كانت الدولة لا تزال تذكر الغاية منها، الغاية من وجودها التي بدونها لا تملك سبب وجود واستمرار. لهذا كانت المساواة بين المسيحيين والمسلمين حداً لكي لا تنتقل الحرب إلى الدولة بيد أن الأهم والذي تجوهل من حينها إلى الآن ولا يبدو ان له عودة، كان اللجنة المنوط بها الإلغاء التدريجي لطائفية الدولة. هنا كانت الدولة تتذكر، فقط تتذكر، أفق وجودها ومعناه، أن تتخطى الطوائف وأن ترسم وجهة تتخطاها. لكن الطائف، كما يقول الجميع، ولد ميتاً. كان فقط تمظهراً أخيراً للدولة، أداء رمزيا فحسب. لم تضع المساواة حداً لنزاع الطوائف بل كانت الفاتحة لنزاع مستمر على المساواة. انسيت بالطبع لجنة الغاء الطائفية، ما حذره الطائف حصل فوراً، انتقلت الحرب إلى الدولة التي تمزقت إرباً وتقوضت وصارت ركاماً. بانتقال الحرب إلى الدولة تأمن استمرارها حتى حين لا تحصل. كأن البلد العاجز عن التقسيم لأسباب جغرافية ومناطقية وإقليمية، او الذي لم يعد التقسيم في أولويات جماعاتها، إن لم نقل لم يعد بعد في خططها. كأن البلد بهذا يفقد أي استراتيجية لحرب لم تعد تحتاج إلى استراتيجية، انها تتحول إلى نمط حياة وإلى نمط علاقات وإلى نظام بحد ذاتها. يمكن ان نتكلم الآن عن نظام الحرب أو عن حرب دائمة.

حين قررت سلوفاكيا أن تنشق عن تشيكيا سلم الرئيس التشيكي هافل بذلك وأعطى سلوفاكيا حريتها. في بلجيكا يتصارع الفرنكفونيون والفلمنكيون لكن لا يصلون إلى الحرب. ثمة هكذا دول تبقى دولاً حتى في حال الانقسام، دول تنقسم كدول ويتصارعون داخلها وعليها لكنها تبقى دولاً، أي انها تبقى قادرة على إدارة الصراع من داخل الدولة، حتى لو أدى الأمر إلى الانقسام. في سوريا والعراق واليمن وليبيا انهارت الدولة عند أول صدام وكذلك الأمر في لبنان، نستطيع القول أن هذه لم تكن دولاً. كانت سلطات محكومة باتفاق طوعي وغالباً اجباري، ما أن يسقط الاتفاق حتى تسقط معه السلطة وتتفلت الجماعات المحكومة لتباشر حروباً على السيطرة. حروباً تكرّس سلطات شوارع واحياء تنتشر على كل مساحة البلد وبالطبع لا تحمل هذه أي مشروع ولا تملك أي وجهة او أفقا استراتيجيا. الحرب على السيطرة وسلطات الشوارع والاحياء تكاد تكون دائمة ولا تملك غايات سوى ما يشبه الغزو القبلي، كر وفر إلى ما شاء الله، تقدم وتراجع، والجهات تتكاثر والتفتت يتزايد والانقسامات تتعدد والمجتمع لا يني يتحول إلى عصب وقودها ومدارها الحرب التي تعني، في جملة ما تعني، مزيداً من الاستقواء والسيطرة والنهب التي سرعان ما تغدو شرعة المجتمع.

لعل لبنان امتلك في يوم، ما يشبه أن يكون مشروع دولة. لقد حدث ذلك في ظروف كانت فيها النهضة الاقتصادية والعلمية تؤسس لقوى تملك ان تفرز نفسها من الطوائف والجماعات وسلطة تستطيع ان تفرز نفسها نسبياً من العلاقات المجتمعية الطوائفية والمناطقية والأتنية. وُجد عهد كميل شمعون مشروع اولي راهن كثيراً على الخارج وانتهى بحرب أهلية. أما المشروع الأكثر أهلية فهو مشروع فؤاد شهاب الذي قام على احتواء الدولة للجزء الأدنى من الزعامات المحلية ووضع الجيش في وجه القوى الطوائفية والتحالف مع الطرف الأطوع منها، هل نستطيع ان نرد جذور الحرب الاهلية البعيدة الى المشروع الشهابي، استفز المشروع الشهابي بدون شك جانبا من المجتمع الطوائفي وكان بذلك، عن غير قصد، يؤرث الصراع الطوائفي، لكن المشروع الشهابي كان في اصله مشروع دولة استقوت بالجيش على الطوائف التي سرعان ما استعادت قوتها. لم يكن الجيش بطبيعة الحال هو الطريق الأمثل لبناء الدولة، فسلطة الجيش كما تدل التجارب القريبة تنخر الدولة وتجوفها بقدر ما تقويها.

لا يمكننا بسهولة ان نرد الحرب الاهلية القريبة العهد والراهنة غالباً الى المشروع الشهابي الا في قراءة تحليلية للتاريخ اللبناني. ما زالت الأسباب المباشرة لهذه الحرب هي الأقرب متناولاً. يمكن ان نفكر بأن بذرة هذه الحرب موجودة في النظام اللبناني، لكننا بالقدر نفسه نجد بذرة الدولة أيضاً. هذه البذرة التي كانت تتحرك كلما سمح الظرف هي التي جعلت السلطة اللبنانية مدار مجتمع حديث عابر للطوائف حاولت السلطة ان تخلقه أو تفسح له أو تعترف به. السلطة هي التي لم تشجع فحسب على تكوين النقابات بل هي التي في علاقاتها مع النقابات أعطت لها حجماً ونفوذاً لم يكونا لها. كذلك، ورغم كل شيء، يمكننا ان نرد إلى السلطة انها أتاحت الفرصة النسبية للأحزاب وتعاملت معها بقدر متفاوت من الاعتراف بها. يمكننا أيضاً ان نرد الى السلطة التعليم المكثف الذي شارك في تكوين طبقة وسطى، جزء منها امتلك استقلالاً نسبياً عن المراكز الطائفية. كانت هذه هي بذرة الدولة التي برزت في تمظهر أخير في الطائف. الآن انفرطت الدولة فانفرط معها «المجتمع الحديث» الذي عاد وانضوى نقابات وأحزاباً ومدارس وجامعات ومحطات تلفزيون وإذاعة وصحفاً في المجتمع الطوائفي، بينما بقيت الحرب على الشاشات وفي قلب الحكومات والطبقة السياسية، فيما صارت السياسة نفسها مفقودة.

السلطة تقوم بالوكالة عن 18 طائفة. هي تنفذ وتحمي 18 خطة و18 عقيدة و18 قانوناً جميعها متضارب مختلف متفاوت، انها ترغم الفرد على أن ينتسب لطائفته وعلى أن يحيا على طريقتها. قوتها في خدمة عصب متنازعة فكيف يمكن أن تستقل عنها وأن توجد لنفسها. الزواج المدني يرفع عن كاهلها عبئاً كبيراً ويعطيها إذا تحقق وتحقق منطقه ومساره سبب وجود. معركة الزواج المدني يمكن أن تفهم على هذا النحو. انها تذكر الدولة بنفسها بعد أن نسيتها وعملت كأجيرة عند الطوائف وتولت عنها ديمومة واستمرار الحرب الأهلية.

عن ملحق السفير الثقافي

======

=====

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق