من الرباط إلى الزاوية

 يقال: “إذا كانت بلاد المشرق هي بلاد الرسل والأنبياء، فإن بلاد المغرب هي أرض الصالحين والأولياء”، ويذهب بول باسكون بالقول: “يعتبر المغرب من بين البلدان الإسلامية، البلد الذي يبجل أكبر عدد من الأولياء، فلا وجود فيه مطلقا لهضاب لا يتوجها مزار، وقليلة هي القرى أو المقابر التي لا يوجد بها ضريح يمجد وليا أو أكثر من ولي، وقد لا يكون الشعار القائل بأن المغرب بلد المئة ألف ولي شعارا مغاليا”.
 لقد أثارت مسألة تواجد الزوايا بالمغرب منذ أزيد من ستة قرون مضت، العديد من الأسئلة والقضايا الأساسية التي طرحت وما زالت تطرح على مستوى إشكالية السلطة، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، في بلد نشأت فيه الزاوية بسيطة في مكان منعزل، تمارس نوعا من الزهد الدنيوي والتصوف الديني، ثم تحولت إلى مكون أساسي في التركيبة الاجتماعية، تساهم بقسط وافر في الجانب الديني والتعليمي والاجتماعي، وتذب للدفاع عن حوزة الدين والبلاد، ثم ما فتئت تضايق السلطة المركزية في حدودها الجغرافية والسياسية.
1- الرباط :


 لغة من ربط الشيء يربطه ويربُطه ربطا، فهو مربوط وربيط: بمعنى شده. والرباط ما ربط به والجمع رُبط… والرباط والمرابطة ملازمة ثغر العدو… والرباط في اصطلاح الفقهاء والصوفية على شيئين :
 – البقعة التي يجتمع فيها المجاهدون لحراسة البلاد ورد هجوم العدو عليها.
 – المكان الذي يلتقي فيه صالحو المؤمنين لعبادة الله وذكره، والتفقه في أمور الدين.
وهو يعني أيضا منشأة دينية وحربية يتصل نظامها “بالجهاد أي الذب عن بلاد الإسلام والعمل على توسيع رقعتها بحد السيف”.
 وقد عرف المغرب مجموعة من الرباطات منذ عهوده الأولى كرباط “تيطْ نْ فِطر” من بلاد أزمور، وهو من أقدم الرباطات التي عرفها المغرب قبل المرابطين، من أهله أبو عبد الله الصنهاجي المعروف بان أمغار. كما اشتهر الموحدون أيضا بإقامتهم لرباطات مختلفة كانوا يتخذونها معقلا لجيوشهم، ومنطلقا لهم في القيام بمهمة الجهاد كرباط تازا الذي حصنه عبد المومن الموحدي عام 584هـ، والذي خرج منه لقتال المرابطين، ورباط الفتح الذي كانت تتجمع فيه الجيوش الموحدية لعبور البحر المتوسط نحو الأندلس، ورباط سلا…
2- الزاوية :


 الزاوية في اللغة هي الركن من المكان، ومنه زوى الشئ يزويه، جمعه أو احتازه، وزوى الكلام هيأه في نفسه، وانزوى القوم إلى بعضهم تضامنوا، وانزوى؛ اعتزل الناس وانفرد أو صار في الزاوية. والزاوية، المسجد غير الجامع، ليس فيه منبر، وهو مأوى للمتصوفين والفقراء.
 والزاوية كلمة “كانت تطلق بادئ الأمر على صومعة الراهب المسيحي… ثم أطلقت على المسجد الصغير أو على المصلى، ولايزال للكلمة هذا المعنى عند المسلمين بالشرق، ذلك أنهم يفرقون بينها وبين المسجد الذي يفوتها شأنا”. ويصف ابن مرزوق الزاوية في المغرب بقوله: “والظاهر أن الزوايا عندنا بالمغرب هي المواضع المعدة لإرفاق الواردين وإطعام المحتاجين من القاصدين”.
 وزاد في توضيحها الأستاذ محمد المنوني عندما حاول تعريفها في العصر المريني بقوله: “كان المغرب المريني يستعمل كلمة الزاوية للدلالة على مؤسسات إحسانية تشيد بأرباض المدن أو الفلوات برسم استقبال الواردين عليها لإيوائهم والقيام بضيافتهم…”.
 إجمالا، فالزاوية مكان منعزل كان يستخدم، أولا مقرا لسكنى الشيخ الذي يلقن لأتباعه، بعيدا عن الضوضاء مبادئ طريقته، ولما كان هؤلاء الأتباع يأتون من بعيد، ويصعب عليهم الرجوع يوميا إلى أماكن استقرارهم، فإنهم يستقرون في الزاوية أو في الأماكن التي يبنونها حول الزاوية، ولا يقتصر الأمر على هؤلاء الأتباع، وإنما كذلك الأفراد أو الجماعات التي تتعهد بها الزاوية..
 يبدو من خلال هذه التعاريف أن الزاوية ارتبطت بمجموعة من الأدوار الاجتماعية المحددة (التعبدي، الإيوائي، الإطعامي)، وهو ما يثير العديد من الأسئلة حول طبيعة الأدوار- الجديدة – التي أصبحت تمارسها، والتي جعلت منها عنصرا فاعلا في التشكيلة الاجتماعية والسياسية وعلاقتها بالمجتمع والسلطة.
3-
من الرباط إلى الزاوية


 كل المعطيات التاريخية تؤكد أن الرباط أسبق للوجود من الزاوية، وقد انتشرت الربط أو الرباطات في البلاد الإسلامية مع انطلاق عمليات الفتح، وكان المجاهدون يرابطون في هذه المراكز لمحاربة تحركات العدو، وتجنب هجوماته المباغتة، وتدريب المقاتلين واستقبال الجدد.
 في المغرب، كانت الربط القديمة تنتشر بشكل خاص على طول السواحل البحرية لحراسة البلاد من الهجومات المباغتة للعدو من البحر، ولما دخل المذهب المالكي المغرب، امتدت الربط إلى المناطق الداخلية وتطورت وظائفها إلى نشر العلم، وبث أسس المذهب ومحاربة البدع، ومع مرور الوقت تحولت هذه الربط إلى مراكز لإيواء المريدين وتوفير لوازم الحياة للفئات الفقيرة. وأصبح المرابط يحصر نفسه في الرباط لخدمة العلم والتصوف وخدمة المعوزين والفقراء وأبناء السبيل، وتقديم الوجبات الغذائية لهم دون مقابل خصوصا خلال فترات الأزمات الاقتصادية، واشتداد وطأة الجفاف. وبهذا العمل التطوعي صار المرابط يشكل النموذج البشري الذي يسمو بأفعاله وأعماله التكافلية على الإنسان العادي، وأصبح هذا العمل عامل استقطاب لمن يريد الدخول في زمرة المريدين.
 ويرى بعض الباحثين أنه ابتداء من القرن 9هـ/15م، استطاعت الزوايا بفضل تنظيماتها وتوجهاتها الصوفية أن تزاحم الرباط في بعض وظائفه الاجتماعية، ثم ما لبثت أن سلبته كل وظائفه لتحل محله. في حين ترجع بعض المصادر التاريخية ظهور الزوايا بمفهومها الإحساني إلى عهد السلطان أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي 595هـ/580هـ الذي “أسس زاوية بمراكش أطلق عليها اسم دار الكرامة” لإطعام المحتاجين والفقراء والمعوزين. وفي نفس الفترة، أسس الشيخ أبو صالح محمد الماجري عددا من الزوايا على طول طريق الحج من المغرب إلى الحجاز، وكان هدفها تيسير وصول الحجاج المغاربة إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، في المقابل كان هؤلاء الحجاج يستغلونها لنشر مبادئ التصوف.
 ما يمكن استنتاجه أن الرباطات والزوايا كانت تشترك في العديد من الأدوار الاجتماعية، وأن انتقال الاسم من الرباط إلى الزاوية أو احتواء هذه الأخيرة له، إنما جاء نتيجة التغير والتجديد في الأدوار والمهام التي كانت تتكلف بها الزاوية. ما يهمنا أن الزاوية استطاعت أن تطور وتجدد من أدوارها ووظائفها مستغلة الظرفية التاريخية التي مر منها المغرب؛ ففي عهد أبي الحسن المريني (731/752هـ) عرفت الزوايا تحولا نوعيا، انتقلت من استقبال الضيوف إلى استقبال أتباع بعض الطوائف الصوفية والراغبين في طلب العلم، ولا شك أن رعاية الدولة المرينية مكنها من القيام بوظائفها الإحسانية والصوفية والعلمية بشكل متوازن. وعقب أواخر الدولة المرينية (النصف الثاني من القرن9هـ)، والتي صادفت انطلاق عمليات الاحتلال الإيبيري للسواحل المغربية، كانت الزاويتين القادرية والجزولية قد سيطرتا على جل الزوايا المنتشرة بالبوادي والمناطق الجبلية، وعملتا على إيقاظ روح المواطنة والجهاد في نفوس المغاربة مؤسسة بذلك شبكة من الزوايا في سلا وفاس وزرهون ومكناس…
 وهكذا عرفت الزوايا عبر تاريخ المغرب تطورا في الوظيفة والدور، فمن الدور التعبدي التفقهي، والدور الاجتماعي الإيوائي الإطعامي، أضافت إلى نفسها أدوارا في سياق تحولات تاريخية مهمة عرفها المغرب، فتقلدت مهمة الجهاد والدفاع عن التراب المغربي ضد المسيحيين بشكل قوى نفوذها، وجعلها تدخل غمار السياسة، وكما مارست الزوايا أدوارا إيجابية وطلائعية، كذلك كانت لها في فترات أخرى أدوارا سلبية تحكمت فيها مصالح شخصية وآنية .
4- مبررات ظهور الزوايا


 ارتبط ظهور الزوايا بالمغرب – بغض النظر عن الزوايا الأولى ذات الطابع التعبدي- أساسا بظروف سياسية وتاريخية واجتماعية خاصة، كالفراغات السياسية التي كانت تنتج عن غياب السلطة المخزنية المركزية، أو تعرض البلاد إلى كوارث طبيعية مزلزلة، كموجات القحط والجراد والفيضانات، أو تعرض المجتمع لتهديدات خارجية حقيقية مشرقية وأوربية، غير أنه من بين الأسباب المهمة في نظرنا لقيام الزوايا في المغرب وانتشإرها :
4-1- النسب الشريف
 شكلت مسألة الشرف (الانتماء للنسب الشريف) عنصرا أساسيا وضروريا لقيام الزوايا وتطورها وانتشار فروعها داخل بقاع المغرب، بحيث لا نكاد نجد صالحا أو شيخ زاوية لا ترتد شجرة نسبه إلى أصل شريف تكون غالبا النسبة فيه (لأهل البيت النبوي)، وبفضل ذلك تبوأت الأسر الشريفة مكانة رفيعة بين فئات عريضة من شرائح المجتمع المغربي، ويمكن التمييز هنا حسب الباحث نور الدين زاهي بين نمطين من الشرف: “شرف نخبوي حضري مؤسساتي، أرساه الشرفاء، وشرف فردي شعبوي قروي مرتبط بالصلحاء”، وهذا يعني أن الشرف في المغرب مثلته فئتان؛ الأسر الشريفة التي استقرت بالمغرب منذ الفتح الإسلامي وبعده، وأخرى تبنت الاتجاه الصوفي وأنشأت الزوايا. وقد ذكر الباحث الفرنسي ميشو بلير قول الجزولي عن نفسه “ليس العزيز من تعزز بالقبيلة وحب الجاه، إنما العزيز من تعزز بالشرف والنسب، وأنا شريف في النسب، جدي رسول الله وأنا أقرب إليه من كل ما خلق”.
 ولا يعدو الشرف كاملا وتاما في غياب عنصر البركة؛ المظهر المادي والملموس الذي يجعل المؤمنين بالصلاح يعتقدون في الشريف، الشافي، المعافي، المستسقى به، مذهب القحوط، وجالب الخيرات..، وهو ما أضفى على شيوخ الزوايا هالة عظيمة من القدسية في الأوساط الشعبية وحتى بين رجال السلطة، فأصبحت العديد من الأسر الصوفية تبحث لها عن الشهرة بادعائها الشرف، وكان المخزن في كثير من الأحيان يزكي هذا الإدعاء بمنحهم ظهائر التوقير والاحترام، بل حتى كتب المناقب أصبحت تمنح هذه الخاصية (الشرف) مع شجرة أنساب تامة إلى أسر لم تكن محسوبة على الشرفاء.
4-2- الجهاد
 شكلت الظرفية التاريخية التي تلت انهيار الدولة المرينية وضعف السلطة الوطاسية، وما نتج عنها من فوضى سياسية واجتماعية، إضافة إلى الهجمة البرتغالية والإسبانية لاحتلال السواحل المغربية، أرضية خصبة لبروز قوة جديدة راهنت على مفهوم الجهاد، والاعتزاز بالإسلام والموت من أجل حماية حدود البلاد في الداخل والخارج، مستغلة هوان السلطة المركزية وانشغالها بالنزاعات السياسية الداخلية، وتعكس مرحلة الغزو البرتغالي للسواحل المغربية، اندفاع الزوايا والصلحاء لتعبئة المجاهدين من مختلف القبائل واسترجاع ثقة الأهالي، ومناهضة الفوضى السياسية الناتجة عن التمزق والتشتت القبلي، إلى جانب تأجيج الحماس لمواجهة الخطر البرتغالي المحدق بالبلاد، وذلك برفع شعار الجهاد لتعويض تراجع السلطة المركزية.
 واستطاعت بعض الزوايا إثبات وجودها ونشر فروعها في مختلف جهات المغرب، وأصبحت ممثلا للسلطة المركزية في المناطق التي لم تستطع الوصول إليها. وهكذا أضحت الطريقة الجزولية أهم طريقة (في نهاية القرن 9هـ) وتمكنت من الانتشار في كافة مناطق المغرب وعلى الخصوص بالجنوب المغربي (سوس ودرعة)، مستغلين تذمر قبائل هذه المنطقة من الانهيار الاقتصادي نتيجة تراجع الطرق التجارية الصحراوية، بتحول نشاط الحركة التجارية إلى السواحل (بعد ظهور البرتغاليين والإسبان بالسواحل)، ودعوتهم للمشاركة بالأموال والأنفس في العمل الجهادي، الأمر الذي استدعى إنشاء شبكة واسعة من الزوايا بجبال جزولة (الأطلس المتوسط) ووادي درعة.. وتحولت هذه الزوايا إلى مراكز حقيقية لتدريب المقاتلين على الرماية وفنون الحرب. كذلك الحال بالنسبة للزاوية الدرقاوية التي انتقل ثقلها من المناطق الداخلية إلى المجالات الحدودية خاصة في جنوب شرق المغرب، وصارت مؤهلة للعب أدوار حاسمة في الدعوة إلى الجهاد إلى حد أن إشعاعها الروحي، ونفوذها السياسي ألقيا بظلالهما على الأدوار المخزنية في مناطق الجنوب الشرقي.
4-3- ارتباط الزوايا بالفكر الصوفي
 ظهر المذهب الصوفي بداية القرن 3هـ، القرن الذي دخل فيه الإسلام بلاد فارس. وقد اختلف المفسرون في تحديد أصل هذه الكلمة، فيرى البعض أنها من صوف لارتداء أهل التصوف أردية من الصوف، ويرى آخرون أنها اشتقت من الصفاء، ويرجعها بعض المستشرقين إلى الكلمة اليونانية (صوفيا) بمعنى الحكمة والعلم.
ويرى بعض الباحثين في التاريخ المغربي أن التصوف بالمغرب قد مر بمراحل ثلاث :
1- مرحلة المخاض: انطلقت من أواخر الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا، ثم بدأت مع تأسيس دولة المرابطين، وتميزت هذه الفترة بغلبة الجانب الجهادي الزهدي عبر انتشار الرباطات الجهادية.
2- مرحلة الانطلاق: بدأت مع الموحدين، وشكلت بداية الإرهاصات المتعلقة بتأسيس مرتكزاته في المغرب، حيث أصبح قوة جذب اجتماعية مؤثرة، وحصل أقطابه وشيوخه على مصداقية روحية وأخلاقية.
3- مرحلة التنظيم والهيكلة: بدأت بتحالف القوى الصوفية مع القوة الشرفاوية، مما أعطى للزاوية بمفهومها الخاص فرصة التنظيم ودورها المحدد في الحقبتين السعدية والعلوية، وتميز متصوفة المغرب بالتربية والسلوك بشكل خاص كالزهد والمجاهدة النفسية في العبادات.
 وابتداء من القرن 3هـ، انقسم تلقين روحانية التصوف في الشرق إلى مدرستين؛ إحداهما لأبي يزيد طيفور البسطامي، وثانيهما لأبي القاسم الجنيد (وهما من أصل فارسي)، سقطت مدرسة البسطامي بينما كيفت مدرسة الجنيد فلسفتها مع مذهب التوحيد الإسلامي (مسألة الحلول).
نشأت كل الطرقية بالمغرب حسب تعبير ميشو بلير انطلاقا من مذهب الجنيد، وانقسم تلقين التصوف إلى عدة فترات قسمها الباحث إلى ثلاث :
1- من الجنيد إلى الشاذلي (من القرن 3هـ إلى القرن 7هـ).
2- من الشاذلي إلى الجزولي (من القرن 7هـ إلى القرن 10هـ).
3- استمرت مع الجزولي إلى القرن 14هـ (من القرن 10هـ إلى القرن 14هـ .
– الفترة الاولى : يصعب معرفة بدقة من كان وراء جلب المذاهب الصوفية لأول مرة من الشرق إلى الغرب، غير أنه ابتداء من القرن4هـ كانت المذاهب الصوفية قد دخلت المغرب. ويرى ميشو بلير أن أقدم طريقة هي طريقة الشعيبيين (أسست في القرن 6هـ من طرف أبي شعيب بن سعيد الصنهاجي، مولاي بوشعيب). كما وجدت طريقة أخرى هي طريقة الصنهاجيين أو الأمغاريين (من بني أمغار في تيط جنوب آزمور) كان رئيسها أبو عبد الله أمغار الصنهاجي الملقب بالكبير.
– الفترة الثانية : في هذه الفترة (ق7هـ/13م) كان تلقين المذاهب الصوفية في المغرب ممثلا في ثلاث مدارس :
– تعاليم الجنيد: مثلته طريقة الشعيبيين والأمغاريين.
– تعاليم الجنيد ومعتقدات الغزالي: تمثله طريقة الماجريين والحاحيين والهزميريين والحنصاليين.
– تعاليم الشاذلي: اندثرت الطرقية السابقة أو تحولت على الأقل إلى معتقدات الشاذلي، فالشاذلي وهو تلميذ عبد السلام بن مشيش، لم يستقر كثيرا في المغرب، فقد توفي في طريقه إلى الحج (656هـ/1258م) لكن معتقداته عادت إلى المغرب على يد أبي زيد (إلياس) الركراكي بواد شيشاوة، الذي قضى 20 عاما بالحرمين وتلقى الشاذلية بواسطة سلسلة نقل تبتدئ بأبي الفضل الهندي وتنتهي بمحمد بن سليمان الجزولي.
– الفترة الثالثة : تعتبر الشاذلية من المذاهب الكثيرة الانتشار إلى جانب الطريقة القادرية (عبد القادر الجيلاني)، وكان يلقنها الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، لكن شهرة الجزوليين الكبيرة بسبب مساهمتهم في الجهاد ضد البرتغاليين، ووقوفهم إلى جانب السعديين، واهتمام هؤلاء بهم (نقل رفاة الجزولي إلى مراكش) جعل اسم الطريقة الشاذلية يتحول إلى الجزولية، ولقيت إقبالا كبيرا، وانتشرت بشكل مكثف في مختلف بلاد المغرب.
 إن ظهور الزوايا وانتشإرها بالمغرب جاء نتيجة مسألتين أساسيتين : الأولى، ظرفية تاريخية تمثلت في ظهور الفكر والمذهب الصوفي في الشرق الإسلامي وانتقاله إلى البلاد المغاربية والمغرب على الخصوص، ساهمت في انتشاره الرحلات الحجازية- العلمية، ثم الغزو الإيبيري للسواحل المغربية وما واكب ذلك من حركية اجتماعية مناهضة لهذا الغزو مقابل ضعف السلطة المركزية في الدفاع عن مجالاتها الجغرافية. والثانية، حاجة اجتماعية أفرزها الواقع الاجتماعي الذي تحكمت فيه الصراعات والتناحرات القبلية في غياب سلطة مركزية قادرة على احتواء مجالها الجغرافي من جهة، ومكانة الأسر الشريفة داخل المجتمع المغربي وما واكب ذلك من التفاف القبائل حولها كلما أصابتها جائحة من الجوائح من جهة ثانية
.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق