السيسي يختار ديغول نموذجاً ومثالاً ! / حمدي رزق (1)…

السيسي يختار ديغول نموذجاً ومثالاً ! / حمدي رزق
(1)

وعن مثله الأعلى، قال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، رداً على سؤال ماكر من مذيع قناة «Europe1» جان بيير الكباش: «لقد رأيت الرئيس الفرنسي السابق، شارل ديغول، الذي حكم فرنسا في مرحلة حرجة، وحقق نجاحاً كبيراً، بالطبع لا أستطيع مقارنة نفسي بهذا الزعيم العظيم، لكنني أتمنى أن أنجح في التحدي الذي تواجهه مصر الآن، مثلما نجح هو في التحدي الذي كانت بلاده تواجهه».

مباشرة راح بسطاء المصريين يبحثون على مواقع الإنترنت عن «ديغول» هذا الذي اختاره رئيسهم السيسي نموذجاً ومثالاً، إنه جنرال «فرنسا الحرة»، استبشروا خيراً، المثقفون عكسوا رضا، اختيار يعكس قراءة رئيسهم للتاريخ. مر زمن طويل على رحيل الرئيس النموذج جمال عبد الناصر، صاحب شعار «مصر حرة»، احتار العاديون قليلاً، لماذا اختار الجنرال ديغول، أما المؤرخون فعقدوا المقارنات، ديغول كان أسطورة فرنسية خالصة، والمقارنة هنا تحتمها حركة التاريخ.

ديغول العسكري جاء إلى الحكم وفرنسا محتلة، فنادى بفرنسا الحرة، وجاء السيسي العسكري ومصر محتلة إخوانياً، فنادى بمصر الحرة، ديغول خاض حرباً على كل الحدود، والسيسي يخوض حرباً على كل الحدود، ديغول من موقعه العسكري صار رئيساً، السيسي من موقعه العسكري صار رئيساً. ديغول خسر شعبيته بعد انتصار، قبل أن يستدعيه الشعب الفرنسي لإنقاذ الجمهورية، والسيسي لم يخسر شعبيته بعد، خفتت قليلاً. الشعب يستدعي السيسي ثانية من موقع الرئاسة إلى موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة ليخوض الحرب ويستعيد منعة الدولة المصرية التي تتكالب عليها الأكلة في الشرق والغرب تكالبها على قصعتها.

«ديغول المصري» على المحك التاريخي، إن كُتِبَ له النصر على عصابات «داعش» الموزعة بين سيناء المصرية إلى الشرق وسرت الليبية إلى الغرب، سيدخل التاريخ المصري الذي يفتح أبوابه فقط للقادة العسكريين، منذ أول «أحمس» في فجر التاريخ مروراً بأحمد عرابي وعبدالناصر انتهاءً بالسادات صاحب قرار العبور، حتى مبارك الذى ثار عليه المصريون ثورة عارمة في يناير/ كانون ثان 2011، لايزالون يذكرونه بالخير فقط لأنه كان قائد الضربة الجوية الأولى في حرب أكتوبر 1973. الانتصارات العسكرية تذهب بالسيئات الديمقراطية في الحساب الختامي لأبطال روايات المحروسة.

انتصارات ديغول العسكرية تجُب إخفاقاته الديمقراطية في صفحات التاريخ. الضربة الجوية التي وجهها سلاح الطيران المصري إلى مواقع تمركز» داعش «في سرت الليبية، تلجم المطالبات الديمقراطية. في مصر الآن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، شعار ناصري بامتياز، وشعب يعلو صوته بأغاني الحرب، «وأمك تقولك يا بطل هات لي نهار»، يستعذبون سماع الصوت الحليمي الهادر (صوت عبدالحليم حافظ) يتغنى بكلمات خال المقاتلين الشاعر «عبدالرحمن الأبنودي» (عدى النهار).

أجواء حرب بامتياز، ومكانة « ديغولية « ينتزعها السيسي بجدارة وهو يخاطب شعبه بتحدٍ وتصميم على الثأر بكلمات قائد يذهب الى المعركة: «إن مصر تحتفظ لنفسها بحق الرد، وبالأسلوب والتوقيت المناسب، للقصاص من هؤلاء القتلة والمجرمين المتجردين من أبسط قيم الإنسانية». لم ينم المصريون ليلة الأحد، على بسطهم يتقلبون على جمر الثأر، يرومون ثأرا، وقد أتاهم النبأ اليقين بطلعة جوية تدك حصون داعش، ضربة جوية أشاعت سرور وغبطة أجواء الضربة الجوية في حرب العبور 1973.

على بركة الله، ودعوات وتكبيرات في المساجد، ودقت أجراس الكنائس، افتتاحية معركة في الغرب، والمصريون هم من يمموا وجوههم حذر الحرب من الشرق، يحاربون دوماً في الشرق، ويتحسبون دوماً للغرب، ويتمتمون في خبايا نفوسهم بالمثل المصري «اللي يجي من الغرب لا يسر القلب»، جبهة الغرب انفتحت، ولم تلتئم بعد جبهة الشرق.

(2)

كان شريط ذبح 21 مصرياً مسيحياً، ذبحاً لقلوب كل المصريين، نحروا جميعاً، من الوريد الى الوريد، أحسوا بالضياع بين الضباع المسعورة شرقاً وغرباً، هنيهة حتى أطل عليهم وجه الرئيس المفوض شعبياً بدحر الإرهاب. كان الحزن يغالب التصميم في عينيه، صدقه قليل، وتشكك كثير، ودارت ماكينة الإخوان الإعلامية تعجّز المصريين، وتعيّرهم بالذبح، كانت المرارة كالصبار في الحلوق.

ليلة بالف شهر، دهر كامل عاشه المصريون ينتظرون الثأر. تباشير الفجر حملت بصيصاً من الأمل، شعاع من قلب العتمة التي ظللت البيوت الواجفة، حتى كان بيان القيادة العامة للقوات المسلحة تحمل خبر طلعة جوية مظفرة، ثأراً ممن ذبح أكبادكم.. والله زمان يا سلاحي، سخنت الدماء في العروق، نفر العرق الصعيدي في يافوخ المصريين، كل اطمأن على سلاحه الشخصى، ربما احتاجه الجيش في المعركة. يتساءلون عن موعد التعبئة، وحشتهم (من الوحشة) الجبهة وأيام، خلي السلاح صاحي.. صاحي.

وقبل أن يطلع النهار كان الرئيس في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية (شرقي القاهرة) يعزي قداسة تواضروس الثالث، بابا الأقباط. ثأر ليلا ثم عزاء صباحا، ثم انتشار لآليات عسكرية في المدن الرئيسية، حذر الغدر. الله اكبر، انها الحرب، يقينا لاتفهم لماذا كل هذا الترحيب بالحرب، حبا في الشهادة، النصر او الشهادة، ام خلاصا من الحياة العادية بمشاكلها ومتاعبها وأخوانها واحزابها وانتخاباتها وثوارها وأحرارها، الناس ملت، زهقت، وكأنها تنتظر الحرب، ودارت عجلة الحرب، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

يقينا الحرب لم يطلبها السيسي، فرض عليكم القتال وهو كره لكم، هكذا خرج شيخ معمم يدشن الحرب في الغرب بآيات قرآنية، لم يفت المحلل السياسي القابع في الكهف الستيني، وأمجاد يا عرب أمجاد، ان يؤشر إلى انها التزام شعبي وانضباط. التاريخ يعيد نفسه، هاهو ناصر يعود من جديد، يخاطب الأمة المصرية من قلب المعركة، « مصر تحتفظ لنفسها بحق الرد..».

خفتت الأصوات الزاعقة تطالب بالديمقراطية وحقوق الانسان، وتعالت صيحات، بلادي.. بلادي لك حبي وفؤادي، وتحولت صفحات الفيس بوك بين اقلاع وهبوط طائرات «الميراج« إلى منشورات حربية، وارتدت المواقع الالكترونية الخوذة والبيادة، ونشط المحررون العسكريون، وتبارى المحللون العسكريون، يعدون (من العدو) يسابقون «الميراج« في الجو من فضائهم الاعلامي التعبوي.

جبهة حربية تختلف تماماً، انفتحت على صفحات التواصل الاجتماعى، ساحات حرب، بين المصريين والإخوان والتابعين. الاخوان أخذتهم الصاعقة، إصابتهم هستيرياً جماعية وهم يشاهدون عودة الطائرات المصرية الى قواعدها سالمة. انتصار السيسي في حرب الإرهاب هزيمة للإخوان والتابعين، رهانات الإخوان على فشل السيسي ديمقراطياً راحت أدراج الرياح التي حملت طائرات «الميراج» لتقذف «داعش« في عقر دارها. ديغول المصري يتشكل على وقع المعركة التي باتت حديث المساء والسهرة التي احتل شاشاتها بيان القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية: «قامت قواتكم المسلحة فجر اليوم الإثنين الموافق 16/2 بتوجيه ضربة جوية مركزة ضد معسكرات ومناطق تمركز وتدريب ومخازن أسلحة وذخائر تنظيم داعش الإرهابى بالأراضى الليبية».

(3)

ثمة فارق شاسع بين أن يعلو صوت كوكب الشرق أم كلثوم بالغناء الأسطوري، وبين أن يعلو صوت الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بشعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». كان صوت أم كلثوم هو الصوت الوحيد المسموح له بالعلو قبل خمسين عاماً في القاهرة، لم يكن ذاك بتوجيه رئاسي كما يتصور البعض، لاسيما البعض الكاره لناصر وعصر ناصر،أو كما يحلو لبعض الساسة والمؤرخين الادعاء ضد العصر الناصري، جاء تلقائياً، وجدانياً إن جاز التعبير.

انشغل الجميع بالمعركة وتفاصيلها، ببطولات الضباط والجنود، كان هذا في جميع معارك مصر الكبيرة آنذاك وعلى رأسها معركة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، قالها ناصر في أكثر من مناسبة، أهمها بعد 1967، حين بدأ ناصر والدولة المصرية بناء الجيش مجدداً بعد الهزيمة، ذاك الجيش الذي تمكن ناصر من بنائه وفق الخبراء في عامين تقريباً، واستكمل أهبته للقتال وتحرير الأرض المحتلة، سيناء، قبل أن يرحل (سبتمبر/ أيلول 1970).

لم يأمر ناصر رسمياً على الأقل بأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ولم يكلف أحداً من رجال أجهزة دولته بإسكات الأصوات، وإلا لما ظهرت موجة «حرية الرأي» التي اجتاحت الصحافة في أواخر 1969 وهو على قيد الحياة وفي سدة السلطة، وقبلها تظاهرات الطلبة المنددة بـ»أحكام الطيران» الهزيلة الأحكام التي صدرت بحق قادة الطيران الحربي في هزيمة حزيران / يونيو 1967، تظاهر الآلاف من الطلبة فلم يمسسهم أحد بسوء وتدخل «ناصر» بنفسه وحل الأزمة.

لم يأمر ناصر إذاً بتكميم الأفواه وفق شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، كان يقصد أن للمعركة مع العدو الإسرائيلي، الأولوية على غيرها من الإشكاليات، التي تصغر إلى جوار الحرب، تلك الحرب التي كرست لها الدولة المصرية بين 1967 و1973- جميع إمكاناتها المادية والمعنوية والأدبية وبالطبع الأمنية. لكن المصريين تلقاء أنفسهم كفوا عن رفع الصوت. لم يعل إلا في تظاهرات 1968، التي كانت استثناءً من القاعدة، وكانت متصلة كل الاتصال بموضوع الدولة الأول وقتئذ: المعركة مع العدو وتحرير الأرض.

لكن المصريين بصورة «مؤتمتة» تقريباً كفوا عن رفع أصواتهم، اللهم إلا من الدعاء ملء القلوب لجيشهم بالنصر على العدو. كانت الأغنية الأولى في مصر وقتئذ «أحلف بسماها وبترابها»، التي كان عبدالحليم حافظ الصوت الأول للعصر الناصري يصدح بها في مستهل جميع حفلاته بعد 1967.

اتفق المصريون، في ما يبدو، اتفاقاً غير مكتوب على إفساح الطريق على اتساعه للمعركة، يقال إن معدلات العمل في جميع المواقع ارتفعت في الفترة بين 1967 و1973، ولم يسقط تنظيم سياسي واحد ضد الدولة في تلك الفترة، حتى إن البسطاء من أهل مصر وهم أغلبيتها الساحقة كفوا عن الحديث السياسي أصلاً في تلك المرحلة. شهد بهذا من عايشوا تلك الفترة بوعي، الدولة أجهزة وشعباً توجهت بكامل عدتها وعتادها بشراً وآلة، إلى ساحات المعركة، تلك التي مثلت قضية حياة أو موت.

تلك أمور يعرفها من عايشوا هذه الفترة ومن قرأوا عنها بدقة، ويمكن أن يتصورها من يعيش في مصر هذه الأيام. ففي مصر اليوم ثمة من يرفعون الشعار ذاته: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. معركة من طراز جديد تماماً، ورئيس دولة من طراز مختلف، وجيش من نوعية لا علاقة لها بنوعية الجيش المصري القديم، وعدو مغاير تماماً للعدو القديم من ناحية الصورة.

معركة ضد الإرهاب المسلح في أبشع صوره، ضد «داعش» في ليبيا على الحدود الغربية لمصر، يخرج فيها الطيران المقاتل المصري لأول مرة خارج حدود مصر، لم يفعلها منذ أواسط السبعينيات، وجيش متطور مصنف عالميا، قال الخبراء عنه إنه أهم الجيوش الأفريقية قاطبة، وهو أقوي جيش عربي الوجه واليد واللسان أيضاً، ان لم يكن الجيش الوحيد، مسلح بأحدث سلاح، واخيرا امتلك المقاتلة الفرنسية « رافال « الاغلى عالميا والتى تمد يد سلاح الطيران المصرى طويلة من حدود باب المندب جنوب شرق الى سواحل الاناضول شمال غرب، وهو مزود أيضاً بعقيدة قتالية خارقة تتبلور في «الموت أو الشهادة»، والعدو في هذه الحرب ليس إسرائيل كما هو معتاد في اربع حروب مضت، العدو هو الميليشيات التتارية الجديدة «داعش» وأخواتها، ولعلها أخطر.

(4)

«لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» تعاود الظهور مجدداً، ثمة انتخابات عامة لمجلس النواب المصري خلال أسابيع، وثمة مؤتمر دولي اقتصادي لدعم مصر خلال ثلاثة أسابيع ينعقد في منتجع شرم الشيخ بجنوب سيناء، وثمة استحقاقات اجتماعية/ اقتصادية، لكنها هذه المرة لن تتأجل، يصر السيسي ومعه الدولة المصرية كلها، على خوض جميع هذه الاستحقاقات تباعاً من دون تأجيل أو مماطلة، ليس لديهم رفاهية التأجيل.

وفي الوقت ذاته تخوض الدولة جيشاً وشعباً معركة غير مسبوقة ضد الإرهاب، سواء ذلك الذي يعمل من دون توقف في ليبيا أو الذي لايزال يقاوم من أجل البقاء في شمال سيناء «جماعة بيت المقدس»، أو الإرهاب المحتمل في مضيق باب المندب، جراء استيلاء الحوثيين الموالين لطهران، على اليمن ومقاليد السلطة فيه قبل أسابيع، ناهيك بمعركة ضد الإرهاب في الداخل، من جماعة «الإخوان» المحظورة وأتباعهم.

لعل هذا الوضع بالغ التعقيد لم يتشكل بهذه التفاصيل من قبل، أعداء في الشرق وأعداء في الغرب وأعداء في أقصى الجنوب، فضلاً عن أعداء في الداخل ذاته. وبعد هذا كله يتساءل حائر عن سر عودة شعار: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة؟

ليس الرئيس ولا الحكومة ولا أجهزة الدولة ولا حتى المثقفين أو النخبة أو الساسة وراء عودة هذا الشعار إلى الحياة. يبعث من جديد، إنها الحياة ذاتها، وحركة التاريخ عينها، هما ما تفرضان عودة هذا الشعار إلى الوجود. ذلك الشعار الذي يحول الداخل المصري برمته إلى جبهة قتالية واحدة متماسكة، تخفت فيها أصوات الاختلاف وتتحول إلى أصوات وطنية تقف في «الصف» وتهتم اهتمام «المجموع» بالجيش المصري ومعاركه التي اتسعت لها الخارطة المصرية كلها.

لكن إيقاع «الحياة الجديدة» في مصر، تلك الحياة التي تروم حراكا ديمقراطيا بعد ثورة من فصلين 25/30 كدولة تولد من رحم التاريخ مجدداً، تواصل حراكها. من هنا يبدأ الطريق الجديد، ذلك الذي يختبرنا التاريخ فيه وبه وعليه، اختباراً لم تشهده مصر إلا قبل ثمانية قرون، حين توجب عليها في القرن الثالث عشر الميلادي دحر قوتين عظميين على أرض الشرق: الصليبيين والتتار، الذين قضى المصريون عليهما في عشر سنوات متعاقبات.

الصليبيون قضى عليهم المماليك في المنصورة حاضرة محافظة الدقهلية شمال شرق الدلتا المصرية- قضاءً مبرماً وأسقطوا ملك فرنسا الذي كان على رأسها لويس التاسع، أسيراً. ثم معركة «عين جالوت»، التي دحر فيها المماليك وعلى رأسهم السلطان قطز التتار، وقضوا عليهم لسنوات طويلة. هكذا كان القدر يقدم مصر في صدارة المعارك التاريخية الكبرى للشرق الأوسط. وهكذا يعاود القدر لعبته مع مصر في القرن الواحد والعشرين، فيكلفها تكليفاً بالقضاء على «الدواعش» في الغرب، وعلى «بيت المقدس» التي سبق أن بايعت خليفة داعش الإرهابي «أبا بكر البغدادي» قبل شهور والقضاء على الحوثيين في اليمن في أقصي الجنوب. كل هذه المعارك في وقت واحد، عدا الجبهة الداخلية وترتيبها من جديد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً والتخلص أيضاً من الإرهاب الذي لايزال له ذيول بها. هذه مفارقة تاريخية مهمة ينبغي النظر إليها والإمعان فيها، فكأن الطريق القديم الذي سارت عليه الدولة المصرية في أوج مجدها يتجدد، وكأن القدر يفرض على مصر المعادلة عينها بعد 8 قرون، فيبدو أن مصر لا تشهد نهوضاً حقيقياً إلا بعد أن تمحو الدنس عن المنطقة كلها، وهكذا شأن الدول الكبيرة في التاريخ، لعل التاريخ يكمل النهاية كالمرة السابقة قبل ثمانية قرون فتغدو نهاية سعيدة هذه المرة أيضاً.

(5)

هذا «المكر التاريخي»- والأخذ عن «هيغل» الفيلسوف الألماني، ليس معيباً بالطبع، إذ إن هذا الاصطلاح كان الاصطلاح الأول لفهم التاريخ علمياً يبدو واضحاً لمن يرى ويسمع في مصر اليوم، فصوت المعركة يعود إلى الصدارة مجدداً، فالمجالس المصرية على اختلافها لا حديث لها إلا المعركة الضروس الدائرة خلال كتابة هذه السطور على الجبهة الغربية لمصر، تلك الجبهة التي لم تشتعل إلا قبل 3200 سنة، تحديداً في عصر الفرعون رمسيس الثالث، الذي يعرف بأنه آخر الفراعنة العظام على الإطلاق، الذين استقروا في الحكم مدة طويلة وحفظوا للإمبراطورية المصرية مجدها وسيادتها على الأرض، والذي قاتل في ليبيا «شعوب البحر« وهو الاسم التاريخي لشعوب كانت تسكن ليبيا شرقاً وشمالاً في ذلك الزمان البعيد. وانتصر الفرعون مصر على هذا العدو الجديد الذي أدهشهم ظهوره. فالمصريون اعتادوا منذ أقدم العصور الفرعونية على أن يأتي العدو من الشرق، قاوموه وانتصروا عليه واتسعت إمبراطوريتهم في أرضه حتى بلغت في عصري رمسيس الثاني والثالث حدود تركيا وشمال العراق وكل أرض الشام وفلسطين، فضلاً عن شمال السودان جنوباً وشرق ليبيا غرباً.

كان هذا في زمن رمسيس الثالث ثم كان في زمن المماليك، لكنه يتكرر في هذا الزمن بصورة مغايرة ولكن بالمضمون عينه، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة قديماً ولا حديثاً في ما يبدو. ربما ينظر المثقفون هذه النظرة التاريخية الشاملة التي لا تنفصل عن الوضع الجغرافي الثمين والمعقد أيضاً لمصر وهم يقولون إنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وأن ثمة مطالبات أهم وأخطر من المطالبة بالحرية أو بالتطور الاجتماعي، لكن الحرية والتطور الاجتماعي هذه المرة هذه الدورة التاريخية صارا من ضرورات الانتصار، حتى الانتصار العسكري ذاته.

أما البسطاء من أهل مصر فهم غارقون في متابعة البرامج التي تبثها فضائيات مصرية وعربية وعالمية عن سير المعركة، تتناثر أرقام هنا وهناك، وتختلف على ألسنة المصريين أرقام قتلى داعش، ويهلل المصريون ويكبرون كلما عرفوا معلومة جديدة في هذا الشأن، ومن السهل أن تسمع «الزغاريد» تنطلق من هذه الشرفة أو تلك فرحاً بانتصار جديد للجيش المصري يحققه على الدواعش. فالمصريون باتوا ليلة الأحد الماضي على «جمر النار» بعد أن علموا أنباء مؤكدة عن ذبح 21 مصرياً مسيحياً على يد الدواعش في ليبيا، وتبدل حزنهم فرحاً شديداً في الصباح حين استيقظوا على أنباء مصورة موثقة عن هجوم جوي كاسح للقوات المصرية على داعش وشرق ليبيا، عن الثأر الذي باتوا طوال ليلتهم يحلمون به.

صوت المعركة تسمعه بوضوح، إذاً، في تلك الزغاريد، وتسمعه همساً في نقاشات المثقفين على المجالس، وتسمعه هادئاً حوارياً في آراء «الخبراء الاستراتيجيين» الذين تستضيفهم شاشات التلفزة المصرية والعربية. لم يعد أي من هذه الأطراف البسطاء، والنخبة السياسية، والخبراء- يتكلم مجرد كلام عن استحقاق البرلمان المقبل ولا عن القمة الاقتصادية في شرم الشيخ، حتى قرار الدولة بنزول الجيش إلى جانب الشرطة لتأمين البلاد، وانتشار الجيش في جميع الأقاليم المصرية، لم ينل نصيباً من النقاش أو التفكير إلا فيما ندر، ولا درس أحد أبعاده وأفهمها للجمهور. فهذا الجمهور بالأساس لم يكن مهتماً أصلاً بفهمها.

فصوت المعركة يغطي ما عداه من الأصوات، ومن السهل جداً أن يخبرك سائق التاكسي كمن ينبئك سراً بأن «البلد في حالة حرب يا أستاذ..»، فهي الحرب حقاً، بلونيها المعتادين: الأصفر لون الرمال، والأحمر لون الدم. والألسنة تلهج بالدعاء لمصر وجيشها. حتى الأغاني التي تبثها الفضائيات اتجهت جميعا إلى اللون الوطني، وثمة أغنيات وطنية لم يستمع إليها المصريون منذ سنوات بعيدة صارت «معتادة» هذه الأيام، تبثها الفضائيات والإذاعات على السواء.

وعلى الجانب الآخر الإعلام المطبوع بات عسيراً جداً إن لم يكن مستحيلاً أن تصدر مطبوعة في مصر من دون أن تكون «مانشيتاتها» الرئيسية على أقل تقدير- تتعلق بالمعارك الدائرة غرب مصر اليوم. فماكينات المطابع الصحافية هذه الأيام لا تدور إلا في «اتجاه الغرب» حيث المعارك الضروس التي يخوضها الطيران المقاتل المصري وتشتد يوماً وراء يوم.

(6)

تتعلق القلوب بالمعركة، فتسكت الألسنة وتخفت الأصوات ولا تعلو على صوت المعركة، هكذا شاءت الأقدار، لم يسع إلى ذلك الرئيس ولا سعت إليه الدولة. تبدو الدولة قبل المعارك الأخيرة في ليبيا منشغلة بالجانب الاقتصادي أكبر انشغالها، فضلاً عن الجانب العسكري في سيناء بالطبع، لكن الأجواء في الساعات الماضية تحولت إلى المعركة. القلوب معلقة بالنصر، والعقول لا يمكن أن تبتعد عن الميدان الذي انفتح في غربي البلاد على الحدود، تلهج الألسنة بالدعاء، ولا تتكلم إلا عن المعركة، ولا تعلو الأصوات إلا بالكلام عن هذه المعارك، ومن يخرج عن هذا السياق هم قطاع محدود من المصريين. فهم الخارجون عن السياق إما من «المحظورة» أو من الجماعة السياسية التي ينصرف الشعب عادة عن الأخذ برأيها.

هؤلاء المسيسون من «ذوي الياقات البيضاء» إن جاز التعبير، مثل البرادعي وآخرين، الذين تأتي «تغريداتهم» على تويتروفيس بوك خارج السرب الوطني بصفة عامة، هذه القطاعات خرجت عن عموم الأداء الشعبي هذه الأيام، ينظر إليهم المصريون نظرة تخوين مستحق لـ»الإخوان» ونظرة استرابة غير مردود عليها «البرادعي والأغيار»، النظر كله يتعلق بالجيش المصري الآن ومعاركه في الغرب والشرق.

يتساءل البسطاء في قلق: هل تستطيع مصر إنجاز كل تلك المعارك في توقيت واحد تقريباً؟ ويرد عليهم الخبراء الاستراتيجيون في البرامج الفضائية بـ»نعم» كبيرة، لكن الأهم هو رد التاريخ ذاته، الذي يقول به العارفون بهذا العلم الماكر. فمصر تلعب هذا الدور منذ القديم، وهي لاتزال مؤهلة له. وبهذا الدور وحده تنهض مصر، تصرخ في الآخرين لكي يستقيم الصف، ثم تنظمه، ثم تهاجم، فتنتصر وينتصر معها الصف العربي كله. لا يفكر المصريون في أعداد «الدواعش» على الحدود الغربية ولا جنسياتهم ولا إمكانياتهم التسليحية، هم يفكرون فقط في قوة جيشهم وقدراته، وديغولهم الجديد، تلك التي يعولون عليها تعويلاً يصعب أن يتأتى لجيش آخر في العالم.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق