جهاد النساء: تجربة ما بعد نسويّة

بعد أن كنّ مجرّد حفنة قبل عام 2013، نجد اليوم حوالي 300 امرأة أوروبيّة في صفوف الدولة الإسلاميّة في العراق والشام (داعش). وبالطبع، فإنّ هذه الظاهرة الجديدة تثير مسألة تطلّعات هؤلاء النسوة حديثات السنّ في الغالب، كما مسألة الدور المناط بعهدتهنّ من قبل داعش. هذا هو مناط حوارنا مع عالم الاجتماع الإيراني فرهاد خسرو خاور (Farhad Khosrokhavar) الباحث في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعيّة (EHESS) بباريس.


• كيف يمكن تفسير تزايد عدد المرشحّات للجهاد؟
يجب علينا وضع الظاهرة في منظور تاريخي. فقد كانت نسبة النساء الجهاديّات قبل عام 2013 في الواقع ضعيفة جدّاً، في حين نجدها تمثّل اليوم حوالي 20٪ من المغادرين نحو سوريا، وهذا مهول. بالتأكيد، لا بدّ من تناول هذه الأرقام بحذر، ولكن ليس هناك أدنى شكّ في أنّ حضور النساء طاغٍ مقارنة مع الماضي، مع واقع جديد يتمثّل في أنّ أغلبهنّ اليوم قادمات بأعداد كبيرة من الدول الغربيّة.


• هذا التدفّق هو جديد تماماً إذن؟
نعم. قبل عام 2013، تمّ إحصاء بعض الحالات من النساء الغربيّات اللاتي أسلمن، على غرار الأمريكيّة كولين لاروز (Coleen Larose) المعروفة أيضاً باسم “جهاد جين” (Jihad Jane)، ولكن هذه الظاهرة ظلّت إلى ذلك الحين محدودة للغاية.
في السابق، كانت النساء اللاتي تجنّدن في معظمهنّ مرتبطات مباشرة بمناطق عمل الجماعات الجهاديّة. فمن أطلق عليهنّ اسم “الأرامل السود” على سبيل المثال، كنّ نساء شيشانيّات التحقن بالكفاح المسلّح بعد فقدانهنّ جميع الأقارب من الذكور، بما في ذلك أزواجهنّ الذين قُتلوا في كثير من الأحيان بسبب أنشطتهم الإرهابيّة. هذه هي الصورة التي نجدها في أكتوبر 2002 مثلاً خلال عمليّة خطف الرهائن داخل أحد مسارح موسكو. فمن بين خمسين إرهابيّاً قتلوا خلال هجوم القوّات الروسيّة، نجد 19 امرأة. وبالمثل، توجد عدّة أمثلة لنساء انتحاريّات من أصل لبناني وفلسطيني، فجّرن أنفسهنّ باسم الكفاح الوطني ضدّ الاحتلال الإسرائيلي.


• ما الذي يميّز هذا الجيل الجديد من المجنّدات الغربيّات؟
اللافت للنظر اليوم هو أنّنا إزاء فتيات صغيرات أكثر من كونهنّ نساء. فقبل الحرب الأهليّة السوريّة، كانت أعمار المرشحّات الغربيّات للجهاد تتراوح بين عشرين وثلاثين عاماً. وكان ارتباطهنّ بالجهاديّة في كثير من الأحيان نتيجة زواج أو علاقة قرابة دمويّة مع رجل متطرّف بالفعل، يرتبطن به عاطفيّاً أو يخضعن له.
أمّا اليوم، فنحن إزاء فتيات في مرحلة ما بعد المراهقة تترواح أعمارهنّ بين 15 و17 عاماً، منحدرات غالباً من الطبقة الوسطى ولا علاقة سابقة لهنّ بالإسلام، يحاولن الالتحاق بسوريا. فالطموحات لم تعد بالضرورة نتيجة الخضوع لإرادة أبويّة محضة، ولكن أكثر فأكثر لمسار إرادة مستقلّة، حتى وإن كان يشوب هذا الموقف كثير من الأسطرة.
ونحن نجد هذه الاستقلاليّة الجديدة مثلاً عند حياة بومدين، زوجة أحمدي كوليبالي، التي قرّرت قبل أيّام قليلة من احتجاز الرهائن في محلّ بيع اللحوم اليهودي اختيار طريق مختلف عن زوجها والالتحاق بسوريا.


• أنت تتحدّث عن “تطلّعات”. ما الذي يمكن أن يدفع بمراهقات من الطبقة الوسطى إلى الانضمام إلى داعش حيث يتمّ اختزال النساء في حالة من العبوديّة؟
تشير بعض الشهادات التي تمّ استقاؤها إلى أنّها مطبوعة بنزعة إنسانيّة أكثر من كونها نتيجة كره للمجتمع الغربي – وهو كره موجود منذ البداية عند شباب الضواحي – ولكن لا شيء يمنع بروز هذا العداء فيما بعد. الأمر يتعلّق إذن بنصرة الإخوة والأخوات المقموعين من قبل نظام بشّار الأسد والذين تشعر هؤلاء النسوة الشابّات بالارتباط بهم منذ “اعتناقهنّ” الحديث للإسلام.
وتلعب دعاية داعش كثيرا على هذه الرومانسيّة الغرائبيّة، وهذا الإشباع بمثُل إنسانيّة كاذبة مع مسرحة مجازر النظام السوري، أو مشاهد الإعدام الخاصة بداعش التي تغذّي رغبة مرضيّة في القوّة.ومن هنا، فإنّ الالتحاق بسوريا يمثّل بالتالي وسيلة عيش لهؤلاء الفتيات، وخوض تجربة ما بعد نسويّة. والمقاتلون الشبّان الذين تستعدّ الفتيات للانضمام إليهم وهم يخاطرون بحياتهم كلّ يوم يجسّدون هذا المسعى القمعي للفحولة والنزاهة. وهي “الصفات” التي يفتقدنها في الفتيان من أعمارهنّ، غير الناضجين والذين يستبدلون صديقاتهم كما يستبدلون قمصانهم.
ولعلّ تضاعف عدد الأسر المفكّكة، وعجز السلطة، أو حتّى خيبة الأمل في النسويّة التي تبدو لهنّ مكتسباتها الآن مبتذلة، من شأنها بلا شكّ أن تفسّر تجدّد تلك التطلّعات. ولكن لا يجب أيضاً التقليل من شأن عدم نضج هؤلاء الفتيات وعدم تفكيرهنّ بالضرورة في عواقب أفعالهنّ، كما أنّ لعلاقتهنّ بفحولة الجهاديّين الذين ينوين “الزواج” بهم طابع حُلْميّ شديد أيضاً.


• تمّ مؤخّراً نشر مقابلة مفترضة مع حياة بومدين في مجلّة “دار الإسلام”، وهي مجلّة الدولة الإسلاميّة الناطقة بالفرنسيّة. هل لداعش دعاية خاصّة موجّهة للنّساء؟
توجد أشرطة فيديو مرئيّة على الإنترنت موجّهة خصّيصاً للمرشحّات للجهاد، ولكنّها قليلة. ولعلّ مسرحة المشاهد الخاصّة بالمقاتلين المنخرطين في القتال حدّ الموت كافية لوحدها لجعل العلاقة بين الرجل والمرأة ذرائعيّة تعكس هذا الوعد بشرف أن تصبح زوجة بطل.


• بعض الفصائل الإسلامويّة لم تتردّد في استخدام النساء في الهجمات، بما في ذلك الأعمال الانتحاريّة. لا يبدو أن هذا هو حال داعش…
بالفعل، إذا كنّا نعطي الحق للمرأة في محاربة قوّات العدوّ، فكيف سيكون ممكناً تبرير عدم المساواة بين الجنسين؟ إنّ محنة الإقبال على الموت هي وسيلة لاقتحام المجال العامّ وبالتالي لتحقيق الذات. فالنسبة لداعش، فإنّ المرأة لا يمكنها أن تصبح شهيدة إلاّ عن طريق الصدفة، في حالة التعرّض لقصف من العدوّ مثلا، وإلاّ فإنّها ستكون مساوية للرجل، وهذا ما يستنكره الجهاديّون.
ومع ذلك، فإنّ بعض النساء يتحمّلن مسؤوليّات في تنظيم الدولة الإسلاميّة، مثل الإشراف على الأسيرات، ولكنّهن لا يشاركن في أيّ حال في الأعمال العسكريّة. إلاّ أنّني مقتنع مع ذلك بأنّه لو عُرض على هؤلاء الفتيات أن يتدرّبن على الأعمال العسكريّة، فإنّهن سيرحّبن أيّ ترحيب بالانخراط في المعارك.

* نُشر هذا الحوار في مجلّة العلوم الإنسانيّة (Sciences humaines) الباريسيّة في عددها الصادر بتاريخ 14 فيفري 2014، وقد قام بالحوار كليمون كينتار (Clément Quintard).

فرهاد خسرو خاور: أستاذ علم الاجتماع بجامعة أبو عليّ سينا بهمدان في إيران بين سنتي 1980 و1987 قبل أن ينتقل إلى باريس ليصبح مدير البحوث بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعيّة (EHESS).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق