النظرة الحداثية لفلاسفة الغرب الإسلامي تجاه المرأة: ابن رشد ومحمد عزيز الحبابي أنموذجاً.

تمهيد:


إن القارئ لمتون فلاسفة الغرب الإسلامي يجدها تحتوي على خطاب حداثي شمل عدة جوانب؛ سواءٌ على المستوى العلمي أو على المستوى الفلسفي أو على المستوى الاجتماعي، مع الإقرار بوجود تقاطعات بين هذه الجوانب دون أن نراها جزرا متباعدة. لكن الضرورة المنهجية تفرض علينا حصر مجال الاشتغال، لذا حاولنا في هذه الدراسة الاقتصار على نظرة كل من ابن رشد ومحمد عزيز لحبابي تُجاه المرأة واصفين هذه النظرة بأنها حداثية، أو يمكن القول حداثة سابقة لزمانها، حيث نجد نظرتهم للمرأة لا مثيل لها في زمانهم (زمن ابن رشد مثلا) سوى ما تقدمه اليوم الجمعيات النسائية التي تدافع عن حقوق المرأة. فكلما ذُكر اسم ابن رشد يُلصق به أنه من أحيا الفلسفة، وأنه من انتصر للعقل نوعا ما على حساب النقل، كما يذكر كذلك بأنه رافع لقلق العبارة كما نجد في رواية عبد الواحد المراكشي. فالقول إن ابن رشد رافع لقلق العبارة لا يعني أنه ظل بعيدا عن قضايا المجتمع؛ بل كانت له اهتمامات منها نظرته في التربية التي يجهلها العديد من قراء ابن رشد، كما نشير أنها لم تحظ بالبحث كما حظيت قضايا العلم والسياسة، والميتافيزيقا، كما كان له اهتمام بوضع المرأة داخل المجتمع، وداخل المدينة التي يحاول تشيدها، بل أكثر من ذلك أكد أن تطور المدينة رهين بمشاركة المرأة وإدماجها في قضايا المجتمع. هذا القول هو ما بثه ابن رشد في الضروري في السياسة، وهو ما سنحاول نقله للقارئ الكريم. أما بخصوص جعل اسم محمد عزيز الحبابي إلى جانب ابن رشد، فهو لأمرين؛ أولاً كما يقول الأستاذ محمد المصباحي إن كان هناك فيلسوف جاء بعد ابن رشد في الغرب الإسلامي فهو محمد عزيز الحبابي، أما الأمر الثاني فهو منهجي أردت أن نبين بأن النظرة الحداثية لفلاسفة الغرب الإسلامي رغم بدايتها مع ابن رشد، إلا أنها لم تتوقف وإنما ظلت مستمرة، ولعل خير مثال على ذلك نظرة الحبابي إلى المرأة. إنها نظرة تنهل من الكتاب والسنة من جهة، ومن جهة أخرى من خطاب فلسفي شخصاني معاصر يجد جذوره في شخصانية موني. لكن تأثره بشخصانية موني، إلا أن الحبابي ظل يدافع عن شخصانية تعكس واقعه كفيلسوف ينتمي للعالم الثالث. إذن، من هنا نتساءل عما ميزّ نظرة فلاسفة الغرب الإسلامي تجاه المرأة وخاصة ابن رشد والحبابي؟ كيف انعكس الخطاب الفلسفي لابن رشد على نظرته للمرأة؟ هل هنالك من قواسم مشتركة بين كل من ابن رشد والحبابي تجاه المرأة؟

1. ابن رشد ومكانة المرأة داخل المدينة.


احتلت المرأة مكانة مُتميزة في فكر ابن رشد، وداخل المدينة أيضاً، متحرراً من المركزية الذكورية، والنظرة الإقصائية تُجاه المرأة، فنادى بضرورة إشراكها في تحمل نصيبها من خِدمة المجتمع وأداء دورها في إنتاج الثروة المادية والثقافية وفي حفظها. مثلها مثل غريمها الرجل. فعلى النساء أن يقمن بنفس الأعمال التي يقوم بها الرجال، ولا تقتصر وظيفتهن على النسل وخدمة بعولتهن. فإن ذلك مبطل لدورهن الحقيقي. يقول ابن رشد، “إن النساء والرجال إنما نوع واحد في الغاية الإنسانية، فإنهن بالضرورة يشتركن وإياهم فيها أي الأفعال الإنسانية، وإن اختلفن عنهم بعض الاختلاف، أعني الرجال أكثر كدّاً في الأعمال الإنسانية من النساء، وإن لم يكن من غير الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقا في بعض الأعمال، كما يظن ذلك في فن الموسيقى العملية، ولذلك يُقال إن الألحان تبلغ كمالها إذا أنشأها الرجال وعملتها النساء”. كما تطرق ابن رشد في كتابه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”، إلى مسألة القضاء، والإمامة بالنسبة للمرأة، مبيناً أهمية الدور الذي تقوم به المرأة، داخل المجتمع، قائلا ما دامت المرأة تتمتع بذكاء وحسن استعداد، فلا مانع من وجود حكيمات أو صاحبات رياسة بينهن.
ويبقى أساس الاجتماع البشري قائماً على فضيلة العدالة وهي أن يؤدي كل إنسان بمفرده عملاً واحداً فقط يلائم طبعه. فالعدالة إذن، تمنح التنظيم والبقاء والديمومة للمدينة ذلك من أسباب كمال المجتمع. والاجتماع في المدينة لأن فيها الأطفال والنساء والرجال والحكام وبالجملة كل جزء من أجزائها يقوم بالعمل الملائم له بطبعه ولا يسعى لغير ذلك. بهذا يؤكد ابن رشد على أن النساء في المدينة يقمن بأعمال هي من جنس الأعمال التي يقوم بها الرجال، أو بعينها، فيكون من بينهن محاربات وفيلسوفات وحاكمات وغير هذا. إن كان الأمر عكس هذا فإن النساء إنما يكن في المدينة مهيآت من أجل أفعال لا يتهيأ لها الرجال في الغالب، كالإنجاب وتربية الأطفال وما شابه ذلك. ويضيف ابن رشد إلى ذلك مسألة مهمة تقوم بها المرأة، ألا وهي مسألة الحرب والدفاع عن الوطن في حالة تعرضه للمخاطر، فيقول، وقد تشارك في الحرب مثل الرجل وهو ما نشاهده بصورة واضحة عند نساء البراري والصحارى والثغور، وقوله هذا يدل على إيمانه بتأثير البيئة على الطباع، فطبيعة البراري والثغور تفرض الشجاعة والحرب على الذكور والإناث سوية. بل أكثر من ذلك يعلن ابن رشد بشكل صريح أن النساء أشد حذقاً من الرجال في بعض الصنائع، كما في صناعة النسيج وغيرهما.
إذن، كانت لابن رشد نظرة حداثية في زمانه تُجاه المرأة، قائلا بأن عدم تعليم المرأة، وعدم إشراكها في الحياة العامة هو سبب انهيار ونهاية هذه المدن (=مدن الأندلس)، لأنهن اِتُخِذن للنسل دون غيره وللقيام بأزواجهن، وكذا للإنجاب والرضاعة والتربية، فكان هذا مبطلا لأفعالهن الأخرى. ولما لم تكن النساء في هذه المدن مهيئات على نحو من الفضائل الإنسانية، كان الغالب عليهن فيها أن يشبهن الأعشاب. كما أنهن في هذه المدن لا يقمن بجلاء الأعمال الضرورية، وإنما ينتدبن في الغالب لأقل الأعمال، كما في صناعة الغزل، والنسيج، عندما تكون الحاجة إلى الأموال بسبب الإنفاق، وهذا كله بين بنفسه. 
أما فكرة المشاعة الواردة عند أفلاطون، فلها أسبابها ودواعيها، لكن ابن رشد فسر فكرة المشاعة بأنها حِيلة الحُكام فقط، يقول ابن رشد:“بعد ما يجتمع الرجال والنساء، فيحتالون [الحاكمون] في القرعة فيقترعون الرجال والنساء، فتكون القرعة للواحد منهم على الواحدة منهن، وكأنها محض صدفة واتفاق، وبهذا يعتقدون أنهن مشاعات بينهم، بينما القصد الحقيقي من القرعة هو الجمع بين الأشباه من الرجال والنساء”.
أما مشاعة الأولاد فهي فكرة استخدمت عند العرب قديما وحديثاً، تسمى في المغرب بالرضاعة من أجل الأخوة، أي عندما يرضع طفل من أم ليست أمه، فيصبح أخا بالرضاعة لرضيع الأم المُرضعة. نفس الشيء بلوره أفلاطون، لكن لغرض سياسي محض، وهو بناء المدينة على الأخوة و“التضامن الجمعي”، تم فعل هذا داخل المدينة ليعتقد الجميع أن الأبناء جميعهم أبناؤهم، ويرى في المستقبل المواليد أن جميع هؤلاء الآباء هم آباؤهم، وبذلك يتربون على محبة الجميع.
يعترف فيلسوف قرطبة بقدرة الأطفال على تعلم الصنائع، لأن الفرق بينهم وبين المتمرس طفيف جداً، يجب فقط مصاحبتهم، وهذا ما يحصل في العديد من الحرف مثل حرفة الحِدادة، عندما يصحب الحدّادون أطفالهم معهم للعمل في الحدادة، فيقومون بذلك قبل أن يقوموا بأي عمل لأنه لا يوجد إلا اختلاف طفيف بين الحرفيين الذين تمرسوا على الحرفة من البداية والذين لم يمارسوها قط.
يقدم ابن رشد مثالاً يؤكد قوله بخصوص قوة المرأة إلى جانب الرجل، وهي أنثى الكلب التي بدورها تحرس على نحو ما تفعل الذكور من نوعها، وتقاتل الضباع مثلها. وإذا كانت الأنياب والمخالب موجودة في الذكر من الحيوانات كما في الأنثى، فما على الأنثى إلا أن تؤدي ذلك مثل الذكر. ويرى أيضا أنه يجب على الإناث أن يشاركن الذكور في الحرب والقتال وما شابه ذلك. ومن الملائم لنا لاختيارهن أن تكون لهن الخصال ذاتها للرجال. ولن يتم ذلك إلا إذا تعلمن سوية مع الرجال الموسيقى والرياضة.
الآن، أصبح من البيِّن أن النساء يجب أن يأخذن مكانتهن بين أهل المدينة مثلهن مثل الرجال، وأنهن يجب أن يقفن بمثل ما للرجال من درجة، كما يجب أن لا يمتلك الحراس الذين اختيروا في المدينة أي سكن خاص بهم ولا الخاص من الطعام. فبهذا يكون ابن رشد قد قدّم نظرةً مخالفة، على من سبٍقوه من الفلاسفة، كأساتذته، أرسطو، وأفلاطون، وبين الفلاسفة المسلمين، حيث تحدث عن مفاهيم معاصرة اليوم، من قبيل المساواة بين الرجل والمرأة، لذا فالحاجة ماسة اليوم إلى ابن رشد، إلى فكره، إلى روحه، يمكن بعثها من جديد، كثورة على الأفكار البالية التقليدية. لذا “فالطامح إلى دولة حكمها مثالياً، ينبغي أن يتلقى فيها الرجال والنساء نفس التعليم في جميع مراحله، ويتقاسموا كل المهام والمناصب، سواء منها الحربية والسلمية. كما ينبغي أن تتخذ ملوكا من أولئك المواطنين الذين يثبت امتيازهم في الفلسفة والحرب معاً”.


2. نظرة الحبابي إلى وضع المرأة.


نالت قضية المرأة في أبحاث الحبابي أهمية كبيرة، خصوصا في كتابه “الشخصانية الإسلامية”، حيث عنون الفصل الثاني “بوضع المرأة”. فوقف وقفة طويلة لعرض وتحليل هذا الوضع، بطبيعة الحال من خلال مرجعية الكتاب والسنة. بحيث تطرق الكاتب إلى عدة مواضيع تخص وضع المرأة، كتعدد الزوجات، والمساواة بين الرجل والمرأة، إشكالية القوامة بين الرجال والنساء، ليعرج في الأخير على أشكال الأسر، أي الأموسية والأبيسية.
فخطاب الحبابي الإصلاحي شمل عدة وضعيات للمرأة، منها تعدد الزوجات، حيث نجده يقول: “لم يكن تعدد الزوجات قط لا واجبا ولا مستحبا، بل على العكس، للزوجة الحق بأن تضيف إلى عقد الزواج، شروطا تلزم الزوج باحترام الزواج الأحد، فلا يضارها وأن يؤدي لها تعويضات في حالة الطلاق”. مضيفا بأن التفاضلية توجد في التقوى فقط، يقول لنتأمل سورة النساء “يأيها الناس، اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء. واتقوا الله الذي تساءلون به الأرحام، إنه كان عليكم رقيبا”. وللزوجة الحق أيضا في أن “تطالب بفسخ الزواج كلما وجدت أسباب مقبولة؛ مثلا كمعاملة الزوج لها بقسوة، أو لخطورة معاشرته، وكأن يكون عاجزاً جنسياً، أو أحمق أو مصابا بمرض معدٍ.. وللزوجة الحق في فسخ عقد الزواج إذا رفض الزوج أن يقاسمها الفراش عن إرادة، أو يجعلها تعاني من تعسفاته الشبقية أو يرفض دفع المؤونة بما يلائم كرامتها”.
كما حاول الحبابي توضيح أن الكتاب والسنة يؤكد على حسن المعاشرة وجعل من الزوجين مسكنا لبعضهما البعض، بحيث يرى هناك تساو مطلق وتام، يرتكز على روابط “المودة والرحمة”، كما تؤكد ذلك الأية الكريمة، “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”. (الروم 30 أية 21).
فالتعددية لها أسباب إما اجتماعية أو نفسية أو بيولوجية شريطة أن يكون هناك توافق مع الزوجة، لذا يقول الحبابي إن موقف الإسلام إزاء تعدد الزوجات، يدخله من النافذة الضيقة ويخرجه من الباب الواسع، إن صح التعبير (تعبير الحبابي). فالإسلام يصل بنا إلى تحريم ضمني لتعدد الزوجات لكثرة ما وضع له من قيود كالمطالبة بالإنصاف والنزاهة بين جميع الزوجات، وهذا من قبيل المستحيل: “ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم” (النساء 4 أية 129). كما كان للتعدد مبررا يتمثل في حماية حق المرأة من الضياع، مثلا نجد القرآن يتحدث عن الزواج بيتامى النساء لأنهن إن لم يحمهن الشرع، تعرضن لبعض الأوصياء الذين يتزوجون طمعاً في ثروتهن، فالإسلام يرمي بصفة عامة إلى حماية المرأة ضد كل محاولة تعسف أو ظلم من جانب الزوج.
أما بخصوص المفاضلة بين النساء والرجال، يقول الحبابي المرأة تتجه إلى الله بنفس الشعائر التي يتعبد بها الرجل، “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون”. (البقرة 2 أية 186).
كما وقف الحبابي على مسألة المساواة بين الرجل والمرأة، قائلا بأن المساواة تبدأ من الاسم، بحيث المرأة تظل تحتفظ باسمها ولا يحق لأي زوج أن يغير اسم زوجته، فللمرأة كامل الحرية في إعطاء نفسها أي اسم شاءت، لكن ليس هناك في الإسلام قانون يفرض عليها أن تنسلخ عن شخصيتها لفائدة اسم الزوج. أما مسألة الميراث، وإرث المرأة نصف حظ أخيها، فيوضح الحبابي هذه المسألة التي يعتبرها البعض خللا في مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة ! والجواب على هذا السؤال يقتضي الرجوع إلى التكاليف التي يتحملها كل من الرجل والمرأة، فإذا اعتبرنا الرجل هو الذي يؤدي المهر عند الزواج، وأن المهر ملكاً شخصيا للزوجة، بينما الزوج يتحمل وحده كل نفقات الأسرة، وأن تحمل هذه التكاليف يمكن عده تعويضا فيه نوع من العدل والمساواة.
يؤكد الحبابي أن للإسلام دور تنويري تمثل في تحرير المرأة من نير القبيلة ومن العادات التابوية (طابو) ومن أعراف العصر الجاهلي، بحيث أعطى الإسلام للزوجة حريات أساسية، وخصها بإطار قانوني يمكنها من الحصول على حريات أخرى (الحقوق المدنية، والحق في العمل…). كما نجد السنة داعمة لهذا القول، الذي مفاده الرفع من قيمة المرأة والإحسان إليها، حيث نستشف من خطبة الوداع، خطاب يدعو إلى المساواة وحسن التعامل مع المرأة، يقول الرسول (ص): “أما بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حق، لكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة”. كما نجد القرآن واضحا في وضع الرجل والمرأة سواسية أمام أفعالهم وأمام المسؤولية لا تفاضلية بينهم.
إذن، بعدا هذا التأصيل الذي قام به الحبابي لوضع المرأة في الإسلام يتساءل أين نحن اليوم؟ سواء من ناحية قيمنا أو من ناحية اجتماعية واقتصادية، فالانحطاط شمل كل المجالات، لذا فالتحرر حسب الحبابي لن يتحقق إلا إذا وعى الإنسان نفسه كتحرر، لأن التحرر صيرورة وواقع حي يستمر في الفكرة التي نكونها عنه، أي في وعينا له. وهنا تبرز قيمة الفكر الفلسفي كفكر عقلاني يراوح وضع الإنسان بين العقلاني والروحي، بحيث يعمل على إعادة تقييم علاقات البشر بعضهم ببعض، وعلاقاتهم بالطبيعة. فالمعركة التي يحياها الكائن، هي دائما معركة من أجل التحرر ومن أجل حصد مزيد من الحريات والكرامة، ليحقق استقلاله الذاتي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق