ثأر الضابط الأرمني من مجازر العثمانيين / أحمد ياسين

الكتاب الصادر حديثاً تحت عنوان «من الدردنيل إلى فلسطين»، وبالرغم من أنه، مذكرات شخصية للنقيب الارمني، سركيس طوروسيان، إلا ان هذا الكتاب، الذي يقول عنوانه الفرعي: إنه «قصة حقيقية عن خمس جبهات قتال لتركيا وحلفائها وقصة حب في الحرملك»، هو بدوره سجل تاريخي بارز، من سجلات الابادة الارمنية، التي ارتكبها الحزب الحاكم لتركيا العثمانية (تنظيم الاتحاد والترقي)، في العام 1915، هذه الابادة التي ارتبط بعض وجوهها، البالغة المأساوية، طبعاً، ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بحياة صاحبها، هو الذي أجبرته الإبادة الارمنية، على ان ينقلب ولاؤه وإخلاصه وتفانيه، بإطلاق، لمؤسسته العسكرية، كضابط عثماني كبير، حقق نجاحات كبيرة ولافتة، لصالح دولته في الحرب العالمية الاولى، الى ولاء مضاد، تمثل بمناصرته؛ بل بانخراطه الانتقامي، في الثورة العربية، التي قامت في فلسطين، ضد استبدادية السلطة العثمانية، فـ»العرب ـ يقول طوروسيان ـ (في الصفحة 242)، (هم) الذين مثلوا لي املي الأكبر بالاستقلال القومي الأرمني، كانوا أناساً أفهمهم، وكنت اتحدث لغتهم، وكانت لدي الفرصة الأكبر للاتصال بهم». فلقد كان التحاق طوروسيان (بصفته قائداً حربياً ذا خبرة قتالية، من جهة، وعارفاً من جهة ثانية، بمكامن ضعف الجيش التركي، في تلك الأثناء) بهذه الثورة، كواحد من قادتها الكبار الذين ساهموا في الهزيمة النهائية للجيش العثماني في تلك الحرب.

«لقد ساعدت في كسر ظهر الجيش التركي، وبدأت السلطنة العثمانية ترتعد تحت عبء الهزيمة»، يقول طوروسيان في الفصل الخامس عشر تحت عنوان: «على طريق الانتقام الدموي». وهذا الكتاب بفصوله السبعة عشر، ومتعلقاتها، من صور ووثائق، كمستندات تاريخية دامغة، قدم له، الزميل الأول في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية في الرياض في المملكة العربية السعودية، الدكتور جوزيف كشيشيان، كذلك صدر هذا الكتاب بتلخيص للسيرة الذاتية لطوروسيان، وبمقدمة النسخة الانكليزية لهذا الكتاب والتي كتبها جون ارشيبالد ماك كالوم.

ولقد جاء نص تقديم كشيشيان تحت عنوان: «طوروسيان العرب/كيف أجبرت الإبادة الارمنية، ضابطاً عثمانياً موالياً، على مناصرة الثورة العربية». وفي هذا النص ـ الذي هو عبارة عن دراسة شاملة لهذه المذكرات، اكثر منه نص تقديم فقط ـ يقول كشيشيان: كان سركيس طوروسيان، المواطن الأرمني المولد في السلطنة العثمانية، جندياً متفوقاً دافع عن الباب العالي على الرغم من مخاوف متأصلة فرضت عليه ان يروض شياطين نائمة في روحه. ولأنه فعل ذلك خلال معظم شبابه، وتخرج من كلية عسكرية بارزة، وتلقى تدريباً متقدماً في ألمانيا، وخدم بتميز في الجيش، واستحق اوسمة لمهاراته، وقاتل بنزاهة لحماية مصالح بلاده وتعزيزها، فقد قام بإنجازات اقل ما يقال انها كانت استثنائية، ويتابع كشيشيان قوله: وعلى الرغم من حملة مخجلة لتشويه سمعته وسمعة «مذكراته» بعدما نشرت ترجمتها التركية في عام 2012. أخضع طوروسيان في ذروة حملة غاليبولي مخاوفه، خصوصاً حين اكتشف العذابات غير المدركة التي مورست بحق قومه عموماً وعائلته خصوصاً والتي ظلت قيد الكتمان. «وفي قنوطه وحزنه، حوّل طوروسيان انتقامه ـ والقول ما زال لكشيشيان ـ الى عمل اذ راح يخطط تدريجياً للثأر، حين فقد الأمل بالعدالة، واختار القتال من أجل التحرر العربي لأن هذا الهمه، وفي عمل لا بد من انه كان نبيلاً إلى اقصى حد، قرر نقل خبرته العسكرية إلى الأمة الوحيدة (اي الامة العربية) التي قدمت ملاذاً إلى المئات من الوف الارمن. وعمل سركيس طوروسيان خلال ذلك.

ـ وعلى ما يلفت كشيشيان ـ ضمن امكانية دمج اللاجئين الارمن، في فترة قصيرة، جداً في الأمم العربية حيث استقروا، حتى مع تمتع عدد قليل من مواطنيه بهذا النوع من الامتياز بعد (600) سنة من التعايش في السلطنة العثمانية. وبكلمات بسيطة ـ يوضح كشيشيان ـ ساعدت القومية العربية على حفظ الأمة الارمنية من الانقراض الكامل، فالتقاليد المشرقية والاسلامية النبيلة الممارسة من العرب الورعين آوت الناجين من الإبادة، وحمتهم وسمحت لهم بممارسة شعائرهم، ومنحتهم سائر حقوق الإنسان الاساسية التي حرموا منها في اراضيهم الاصلية.

ويشير كشيشيان إلى انه وعلى الرغم من ان هذا الكتاب، هو اولاً وقبل كل شيء قصة جندي موال تعرض لخيانة، وتخلى في المقابل عن أي تعهدات قدمها في شأن تأييد مبادئ السلطنة العثمانية، استمرت بطولة النقيب سركيس طوروسيان، ففيما لخصت قصة حياته، المآسي التي واجهها الارمن والولادة الجديدة التي سمحت بها القومية العربية، حولت هاتان الحقيقتان القمع الى نجاة وابدلتا بالمظالم فرصاً.

لذلك ـ والالتفاتة لكشيشيان ـ كان من المفيد تقديم ترجمة لكتابه النقدي الى القارئ العربي، فيما تستعد الأمة الارمنية لإحياء الذكرى المئوية للإبادة في الـ 2015، (وهي تؤرخ رمزياً في 24 نيسان 1914) حين اعتقل المفكرون الالمع للأمة (الارمنية) وأعدموا من دون محاكمة. ويختم كشيشيان تقديمه بالقول: باختصار، يدين الارمن بكثير الى الشعوب العربية التي آوتهم في أوقات الحاجة، والتي ـ وهذا امر أهمل في أغلبية الأحيان ولكنه يستحق التكرار، فيما تحيي الأمة مئوية مأساوية ـ سمحت للأمة بالازدهار من دون تهديد بالذوبان. ويؤكد كشيشيان اخيراً، بقوله: لقد أهدى سركيس طوروسيان الى القراء عموماً والباحثين خصوصاً، كتاباً استثنائياً، روى فيه مذكراته كجندي ارمني، خدم عند جبهات مختلفة في الجيش العثماني. وكشف المصير الذي لاقته عائلته، اذ رحلت وابيدت الى جانب 1،5 مليون ارمني. وكان ما كتبه رواية تاريخية تقوم على قصة حياته التي لا يمكن، بكلام بسيط، اهمالها.

وقدمت «الحقائق التاريخية» التي اوردها في هذه الصفحات، قصة معقدة، عاشها آخرون، في جهد لتبيان طرق معينة للتفكير سادت في وقت من الأوقات.

ومما جاء في مقدمة كالوم للنسخة الانكليزية قوله: تعود قوة هذا الكتاب وحيويته الى واقع انه رواية عن تجربة. ويتابع كالوم: ولا نثير السأم في قصصنا الا حين ننقل عن غيرنا، هنا تفتقد المرجعية.. وهنا لم يعمل النقيب طوروسيان وفق حدود كهذه. ففي هذه القصة المثيرة عن الحرب عند جبهتها الأغنى صوراً، يصف بوضوح وحركة وقائع ومغامرات جرت على مسرح ادى فيه دوراً حقيقياً ومهماً. والمؤرخون اللاحقون للحرب العظمى ـ والتنبيه لكالوم ـ حين سيتعاملون مع الجهود المجهضة في شكل مأسوي للحلفاء في الدردنيل واجتياح اللنبي التاريخي لفلسطين، سيجدون في هذا الكتاب مصدراً قيماً للمعلومات والمواد التي ستلوّن قصتهم.

ويقول كالوم: وفيما يبدو هدف الكاتب موضوعياً من دون اي فكرة لدعاية الى السلام، فكل من يقرأ هذا الكتاب، ويعيش بذلك مع الكاتب الآمال والمخاوف، والأخطار والنضالات، والانتصارات والهزائم، التي مر بها، سيفرغ من القصة بتصميم على بذل ما في وسعه كله لضمان العثور على وسيلة لتسوية نزاعاتنا السياسية والعرقية والدينية افضل من حمل السلاح.

ويضيف كالوم قائلاً: وعلى الرغم من ان النقيب طوروسيان ارمني، وتنتمي شخصيات كثيرة ستقابلنا في صفحاته الى ذلك العرق التاريخي، تسمو قصته فوق المحلي والمؤقت وتملك جاذبية عالمية. وهي تقدم عرضاً صورة للورنس العظيم (لورنس العرب) الذي ارتبط به النقيب طوروسيان في شكل قصير ولكن حميم والذي قدم له النقيب مساعدة مهمة. ويشير كالوم الى انه ليس من قبيل المخاطرة القول ان اي شخص، سواء اكان قارئاً عاماً يبحث عن مغامرة بالواسطة، أم دارساً للحرب العظمى، أم من ابناء الشرق الأدنى (الأوسط) بمآسيه وإنجازاته كلها، سيجد في هذا الكتاب معيناً غنياً للإلهام والمعلومات.

والنقيب طوروسيان، ولد في العام 1891 لعائلة ارمنية من الفلاحين، في مدينة افيريك (ديفيلي في تركيا ما بعد أتاتورك) بولاية قيصرية وسط الأناضول. وبعد التخرّج من مدرسة ابرشية ارمنية، أظهر الفتى اهتماماً بفنون القتال ورغب في أن يصبح جندياً، مع ان القانون العثماني كان يحظر على غير المسلمين الالتحاق بالجيش، لكن وفيما كان ملتحقاً بالمدرسة الرسمية في أدرنة، سرعان ما صادق شاباً عربياً اسمه محرّم. هو ابن عميد القسطنطينية. وإذ قُبِل من خلال هذه الصداقة في منزل محرّم وعائلته كابن، ضَمِن عميد القسطنطينية، وهو باشا نافذ، تعيين الشابين في الكلية العسكرية. ولقد اشتعلت العلاقة العاطفية بين سركيس وشقيقه محرم.

وحين تخرّج في 1914 برتبة ملازم ثان في المدفعية، ارسل طوروسيان الى المانيا لثلاثة اشهر، وقبيل اعلان تركيا الحرب، عين قائداً لحصن ارطغرل رأس هيليس) الذي كان يحمي المدخل الى الدردنيل، ومنذئذ وحتى وصول الجنرال اللنبي الى ابواب فلسطين، كانت تجاربه ذات طبيعة غمرته بالثناء من رؤسائه وجلبت له اوسمة من تركيا والمانيا والنمسا وبلغاريا. لكن السنوات جلبت ايضا حزناً تمثل بموت صديق طفولته محرّم، وخطيبته، وذبح والديه بأيدي الأتراك. وإذ علم بأن شقيقين له قد سافرا الى اميركا عندما التحق بالكلية العسكرية. وعادا مع الآلاف من المتطوعين الارمن للانضمام الى قضية الحلفاء، وإذ كان ممتلئاً بخوف استمر حياته كلها من الاتراك ونفاقهم إذ ذبحوا والديه، استغل الفرصة وانشق عن قيادته التركية والتحق بالعرب بقيادة نوري يوسف المنضوين تحت لواء قوات الحلفاء. ولشجاعته وقيادته الممتازة على ابواب فلسطين ولاحقاً باعتباره قائد مفرزة في المقر العام للخيالة التابع للفيلق الارمني ذي القيادة الفرنسية من بيروت الى كيليكيا، نال أوسمة من انكلترا وفرنسا. ومنحه العمل على خمس جبهات الى جانب معرفة شاملة بالظروف نالها من التجربة الفعلية مادة ضخمة ليوميات مكثفة هي قوام هذا الكتاب.

والنقيب طوروسيان معروف جيداً في فيلادلفيا وحولها، حيث حاضر أمام تجمعات كثيرة من قدامى المحاربين وغيرها.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق