عن ركاكة قصيدة «داعش» وضرورة الشعر الرديء!

بإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة أعاد «داعش» طرح السؤال الذي يتكرر في كل مناسبة من هذا النوع: هل هذا السلوك من الإسلام حقاً؟ المفاجأة- الصدمة التي يتلقاها المتسائل أن ما يفعله «داعش» مسبوق في التاريخ الإسلامي، وبذلك تنتقل الحيرة إلى المتسائل، إذ يكتشف عدم دقة متخيِّله عن هذا التاريخ، ثم يكتشف قلة حيلته حيث لا يستطيع صون متخيّله من الإثباتات الداعشية.

خط الدفاع النفسي الأسهل هو تجاهل السردية الداعشية برمتها والقول إنه لا ينتمي إلى الإسلام، من دون تعريف دقيق للأخير، وأيضاً من دون التوقف عند ما يعنيه تكفير «داعش» من انزلاق إلى فخه نفسه. خط الهجوم الأسهل هو تبني السردية الداعشية من قبل أعدائه، والقول إن هذا هو الإسلام وقد أتى «داعش» ليكثّفه في لحظة تاريخية مفارقة لزمنه الأصلي. أما متخيّل المسلمين عن دينهم فخاطئ، وفيه ما فيه من تهرب من مواجهة الوقائع.

وكما يحدث دائماً، من المنطقي الحصول على إجابة تتسق مع السؤال، الإشكال ليس هنا، الإشكال هو في طرح سؤال مانع بصفته السؤال الوحيد الممكن، وتالياً الحصول على إجابة وحيدة أو عدد محدود جداً من الإجابات.

في حالة السؤال السابق، تنحصر الخيارات بين تكفير «داعش»، أو تبني رؤيته ورؤية خصومه معاً في أن العنف الذي يرتكبه مقدس. خيار التكفير، كما أسلفنا، هو الأسهل لأنه ينجي من خيارين آخرَيْن غير متاحين حالياً بفعل كلفتهما الباهظة جداً. لكننا إذا أعدنا تدوير السؤال، بجعله «هل داعش هو الإسلام؟»، سنحصل على إجابات مختلفة، وحيث لا تُنفى عنه وعن غيره صفة الإسلام ستكون الكلفة في تقبل التعدد وعدم تكفير الآخر، وصولاً إلى نزع القداسة عن العنف واعتباره شأناً زمنياً، وهذه كلفة باهظة أيضاً لكنها قد تكون متاحة أكثر من سابقتها.

إذا استعرنا التعبير الأدبي، نستطيع القول إن «داعش» ارتكب أكبر عدد ممكن من الجوازات في قصيدة واحدة محوّلاً الجواز العروضي من حالة اضطرارية، أو من حالة يعتبرها بعض النقاد ركاكةً، إلى قاعدة. هل الجواز العروضي من الشعر؟ سيجيب النقاد: بالتأكيد نعم. هل هو الشعر؟ سيجيب النقاد: بالتأكيد لا. وعلى رغم إجماع النقاد الكلاسيكيين على ضرورة الوزن فإن أحداً منهم لا يعتبر الوزن وحده معياراً للشعر الجيد، لكنهم يرون في فرط استخدام جوازاته ضعفاً أكيداً.

بالقياس، يبدو إرهاب «داعش» كأنه نص مبني فقط على الجوازات، لأنه يتحرى كل ما هو استثنائي في التاريخ الإسلامي ليجعل منه قاعدة، ولئن كان العنف أداة سياسية في مجمل التاريخ البشري، ومنه التاريخ الإسلامي، فإن رهان «داعش» يكاد يتوقف على إخراج العنف من «ضروراته» السياسية وتثبيته كمقدّس أزلي.

تركيز «داعش» على نبش أصول فقهية للعنف يصل إلى تنزيه الأخير عن الغايات الدنيوية، وأولاها السياسة. الفارق بين الحالتين ليس كمّيّاً فحسب، لذا ستكون مغالطة المقارنة بين عنف «داعش» وعنف السلطات الأخرى التي لا تدّعي الاستناد إلى الدين في سلوكها. إرهاب الأخيرة، وإن فاق وحشية «داعش» أو استطالت مدته، قد يجد سنداً في التحالفات السياسية القذرة وفي عجز مستضعفيها، لكنه لا يؤسس لنفسه كمقدس في الوجدان العام، ولا يدخل في باب الشكلانية المحضة أن تنكر تلك السلطات ممارستها الإرهاب، أو أن تتذرع بضرورات الأمن القصوى عندما تضطر إلى الاعتراف به، بينما يبادر «داعش» إلى إشهار إرهابه والتباهي به على رغم ثمنه الباهظ سياسياً وعسكرياً منذ ذبحه الرهينة الأميركي جيمس فولي.

بالعودة إلى التعبير الأدبي، فالركيك والرديء كانا دائماً جزءاً من المشهد العام مع نسبوية الوصفين زمنياً ومكانياً، أي ثمة وظيفة تؤديها الرداءة كقيمة معيارية، غير أن هذه الوظيفة «التعليمية بطبيعتها» تقتضي ألا تحتل الرداءة الفضاء العام. من جهة أخرى، تفترق الوظيفة «التعليمية» تماماً عن الاستثمار في الرداءة والسعي إلى تعميمها، وما نشهده اليوم على الصعيد السياسي يكاد أن يكون سباقاً على الاستثمار في الرداءة، وتكاد تكون شيطنة «داعش» المستحقة منجاة وترويجاً لمختلف أنواع الرديء والبذيء إنسانياً. أي أن «داعش» لا يؤدي وظيفة لأولئك المهمشين الذين ينبغي أن يتعلموا الدرس، بل هو يؤدي وظيفة تبريرية للقوى المهيمنة التي تستخدم أيضاً كل أنواع العنف.

الواقعية تقتضي ألا نتطلب ممن يتعرضون لكل أنواع العنف، تحت زعم المقدس ومن دونه، التمييز بين تلك الأنواع، لأن المقارنة الملحة في أذهانهم هي بين قهرهم الراهن وتطلعهم إلى العيش من دون إكراهات، لذا لن يتقبلوا مطلقاً انتقاء «داعش» كشيطان وحيد، ولا يندر أن يتخذ بعضهم موقع الدفاع عن «داعش» ما دام العنف يبرر لنظيره. إن مماحكة فكرية من قبيل أيهما يبرر الآخر أولاً، العنف المقدس أم الدنيوي، ستبدو ترفاً فكرياً بلا طائل بالنسبة إلى المعنَّفين مرتين.

الآن، قد نكون على مشارف الحملة البرية على «داعش»، على الأقل في العراق حيث كان لتمدد التنظيم الأثر الأكبر في إنشاء التحالف الدولي الحالي. بذلك سنكون أمام النهاية الدرامية المتوقعة لتنظيم بذل كل إمكاناته، باستثناء بذل القليل في ميدان السياسة، وهو أمر لا يمكن ردّه إلى ضعف في الفهم أو الخبرة قياساً إلى ما أظهره من براعة عسكرية وبراعة إعلامية تقنية، وحتى براعة في فنون الإرهاب وتسويقه، بمقدار ما يمكن رده إلى إخلاص التنظيم لرؤيته العقائدية.

قد تكون للقضاء على «داعش» ميزة إبقاء عنف السلطات وحده، عارياً من الذرائع التي يوفرها له الأول، لو انعقدت النية حقاً لاجتثاث كل جذور الإرهاب. أما الإبقاء على «داعش» كشبح ثقافي فيؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً، إذ سيبقى في الأذهان بمثابة القيمة المعيارية التي تبرر شتى أصناف الإرهاب الدنيوي. طوال نصف قرن كان شبح أمثال «داعش» يحوم فوق المنطقة، والمتضررون من نزوله إلى الأرض غير قادرين اليوم على دفنه، والمستفيدون منه جلّ ما يسعون إليه هو إعادته إلى موقعه السابق.

عن جريدة الحياة – ملحق تيارات

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق