شربت، أميرة، شميمة، قديسة و… الأخريات / نهلة الشهال

… أما شربت، فتلك الصبية الأفغانية الحلوة التي احتلت صورة وجهها، القوي والمأسوي في آن، غلاف مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» في 1985، وراحت الصحف تتبارى بالتغزل بعينيها الخضراوين المفزوعتين تحدقان بكاميرا المصور الأميركي القدير، ستيف مكّوري، الحائز مرتين جائزة الصورة الصحافية العالمية. تحوّل الوجه إلى رمز مفترض لكل ما هي عليه أفغانستان: جمال لا يوصف، وبؤس بلا قعر… لا سيما أن والدَي شربت (كان اسم عائلتها بيبي حين التُقطت لها الصورة وهي في الثانية عشرة، ثم أصبح غُلّه حين تزوجت بعد ذلك بقليل) قتلاً في قصف سوفياتي على قريتها، فلجأت هي ومن تبقى من عائلتها إلى معسكر للاجئين.

اختفت شربت في الحياة المعتادة لفلاحة بشتونية معدمة، تُجاهد للبقاء فتتنقل هرباً مع عائلتها في جبال تورا بورا (إياها)، ليعود ماكّوري للبحث عنها وإيجادها بعد 17 سنة على تلك اللقطة (في 2002). وهي لم تكن تعرف أصلاً أن صورتها جابت العالم وأنها صارت رمزاً، وأن المصور نال نتيجتها شهرة مضاعفة ومالاً وفيراً. عاد فصورها هذه المرة كامرأة ثلاثينية تبقّع وجهها من الشمس وترهّل من الشقاء – لأن البائسات يشخن قبل الأوان. ولكنه حرص على التحقق من هويتها بأن أرسل صورة عينيها لفحص متقدم لبؤبؤ العين في أميركا، ما يجعلنا نفترض أن الرجل لائق في نهاية المطاف، وأنه نقدها بعض الفلوس (ولكننا لا نعرف هل فعلاً فعل، وكم)… لتعود فتختفي، ثم لتظهر مجدداً قبل أيام وقد وُجهت لها تهمة خطيرة: التزوير! يا إلهي، ها هي تحطم الأيقونة.

زورت شربت في باكستان الوثائق العائدة لها والمطابقة لكل المعلومات التي تخصها (عدا مكان الولادة) للحصول على الإقامة. بل ادعت أن لها ابنين يصعب أن يكونا فعلاً ابنيها، وحصلت لهما على وثائق… مزورة إذاً هي الأخرى، حيث فحوص الحمض النووي نافلة، فما بني على باطل هو باطل.

رحتُ انتظر الرجل. مكّوري ذاك. عساه يهب إلى نجدتها وينقذها بعدما سحبت السلطات الباكستانية إقامتها وبات يتهددها الترحيل إلى أفغانستان، هي وبناتها وأحفادها (ضمن موجة ترحيل هائلة تجرى للأفغان من باكستان، تندد بها كل يوم المنظمات الإنسانية وعلى رأسها هيومن رايتس ووتش)… خصوصاً أن نشره صورها ساهم في كشف هويتها و «فعلتها». تحققتُ بواسطة غوغل! من أن المصوّر ما زال على قيد الحياة، ومن أنه ليس عجوزاً غائباً عن السمع، بل لم يتجاوز الـ64 من العمر: سيعرف إذاً، ولو شاء فيمكنه التصرف. بعد التسلي بقصة شربت غُله لمرتين وبعد الإثارة التي صاحبت مغامراته للقياها، والمال الذي أنفقته مجلته من أجل ذلك، وبعدما أضحكتني تهمتها الخطيرة التي تناقلتها الصحف العالمية بكل إسهاب وجدّ (بينما هي عملة رائجة لمن يعيش مثلنا في بلدان الحروب واللجوء وانعدام الحقوق)… بعد كل ذلك معاً، حلمت بأنه سيكون معنياً بمصيرها.

وفيما «أترصد» الرجل وتداعيات خبر شربت في الصحف العالمية، وقعت على… أليسون بيرسون، الصحافية الحائزة جوائز عدة، صاحبة الروايات الرائجة (من نوع «لا أعرف كيف فَعَلَتْها» التي باعت 4 ملايين نسخة وصارت فيلماً، و «أعتقد أني أحبك» وهكذا…)، المتنقلة بين كبريات الصحف البريطانية والإذاعة والتلفزيون، الشقراء المكتنزة الضاحكة الأنيقة، بما يشي بالنعمة التي تسبح فيها، والتي دعيت لتصبح معلقة في «ديلي تليغراف». وهي كانت قد اشتبكت مع دوقة يورك قبل سنوات لأنها وجدت أن ابنة الدوقة سمينة بعض الشيء، وقالت ذلك على الهواء في برنامجها التلفزيوني، ورفضت إعطاء الأميرة حق الرد. وبيرسون التي تُعنى في مقالاتها بأزياء الممثلات، وتدعو الناس لسؤالهن بإلحاح وجدية عن مصدرها (الأزياء الجميلة تلك)، خصصت مقالتها الأخيرة للمراهقات البريطانيات الثلاث (من أصول إسلامية، 15 عاماً، أوائل صفوفهن ومن عائلات متوسطة الحال ومتماسكة أسرياً: يعني لا أسباب ظاهرة لفعلتهن) اللواتي هربن قبل أيام عبر تركيا إلى سورية من ضمن حلم الالتحاق بجنة الرقة. تبادلت السلطات البريطانية والتركية الاتهامات بالإهمال، ونُشرت للمناسبة أرقام الجاذبية التي يمارسها «داعش» على الشبان والشابات في أوروبا: ألوف عدة وصلوا أو حيل دون وصولهم أو ينوون الوصول. انتقدت بيرسون هدر أموال دافع الضرائب البريطاني نتيجة إرسال محققين إلى بريطانيا في مسعى لاكتشاف مكان الفتيات وإعادتهن. علام؟ وانتقدت الاهتمام بالقصة من أساسها. فلتغُرْ بهن الأرض طالما اخترن وبكل حرية «هناك» على «هنا»، وما تسميه القرن الخامس عشر على القرن الحادي والعشرين.

عنونت مقالتها «فلنكف عن إيجاد الأعذار لعرائس الجهاد»، وهي مليئة بالسخرية (المبتذلة)، التي لا تغيب إلا للتعبير عن الحقد. وقد توجت نصها بمختصر يقول حرفياً الآتي: «لماذا تكون ثلاث تلميذات من شرق لندن، ممن ينلن مرتبة الامتياز في مدرستهن، وقد غادرن إلى سورية بمحض إرادتهن الحرة، أهم من 1400 فتاة بيضاء (هكذا في النص) اغتصبن في روترهام»، وهذه مدينة جرت فيها اعتداءات جنسية على مر السنوات، طالت قصراً، واتهمت بها عصابة من الرجال من ذوي الأصول الباكستانية. وبالطبع لم ينفع اعتذار الجالية عما فعله بضعة ممن ينتمون إليها، بدليل أن السيدة بيرسون ما زالت تندد بالجرائم تلك، وهي فعلاً فظيعة. تستحضرها اليوم وتربطها بإحصاءات عن ميول المسلمين في بريطانيا، وكيف أنهم بـ «وجهين»، بدليل أن ما نِسْبته الربع منهم يجدون أعذارا لقتلة «شارلي إيبدو»، ونسبة مشابهة تحبذ وضع أطفالها في مدرسة أهلية إسلامية (وأرقام أخرى كثيرة تُثبت كلها الشيء نفسه)… فمن الطبيعي إذا أن تذهب فتياتهم للزواج من «المجاهدين»، ولا داعي للاستغراب والانفعال أو القلق! النص تطبيق عملي إيجابي لنظرية «صدام الحضارات»، يقابله «دليل للالتحاق» أصدره أخيراً «داعش»، مليء بالنصائح العملية عن أمور من قبيل ما يؤخذ من ثياب وكيف يتم عبور نقاط المطارات وما الذي ينتظر الوافدين. هل تتكرم السيدة بيرسون فتوصل لستيف مكّوري أن شربتْ تنتظر مبادرة منه، وهي التي لم تلتحق بطالبان ولا بـ «القاعدة» على رغم قرب المسافات…

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق