الحياة الأميركية في مشاهدها الشعبية المضحكة والمأسوية / جوزف الحاج

إنه المعرض الأول، الأهم والأشمل الذي تشهده باريس للأميركي غاري وينوغراند Gary WINNOGRAND (1928- 1984)، الذي تنقل في الولايات المتحدة الأميركية، بين مانهاتن وسانتا مونيكا، طوال عشرات السنين بعد الحرب العالمية الثانية، ليصوّر الحياة الأميركية، من الأحداث الكبيرة إلى التفاصيل الحميمة: السياسة، نجوم هوليوود، الفسق، ولقطات مقربة للأحذية على أرصفة المدن. من أهم مصوري المدن، جعل فنّه في خدمة اليومي، مقتنعاً بأنه في تقصي الإعتيادي، يمكن إكتشاف ما لا يحصى من العوالم المدهشة.

بدأ العمل مستقلاً. تخلى عن النظرة المتفائلة التي ميزت صحافة الخمسينات، ليتبنّى تصوير الغامض، المفاجئ والمدهش، لكن الغني بتفاصيله ودلالاته. جذبته التجمعات الشعبية الكبرى فتعامل معها بذاتية. غزير الإنتاج، ساخر، أخفى قلقاً شديداً، ترددت في أعماله أصداء الفرح والخوف واليأس. صوره التي صنّفت وثائقية هي في الحقيقة شعر مرئي معقّد. الصورة الناجحة برأيه «هي عمل جديد، تتمايز عن الوقائع التي تتكوّن فيها، تتدخل، بحركة فريدة قديرة، في مجرى الأعمال الإنسانية«.

وينوغراند الذي يلتقط صورته على عجل، فضّل التصوير على طبع اللقطات وعرضها أو نشرها. قسم كبير مهم من أعمال بداياته بقي سجين العلب. ثلث الأعمال المعروضة اليوم طُبعت بعد رحيله، فهو لم يتمكن من رؤية 6600 فيلم كان قد صورها قبل سنوات من وفاته، لذلك لم تحمل ملاحظاته التي ربما فسّرت حقيقة نظرته.

قُسِّم المعرض إلى ثلاثة أقسام: «من البرونكس إلى مانهاتن»: صور نيويورك 1950 – 1971؛ «أميركا التي أدرسها»: صور من خارج نيويورك؛ «أبهة وزوال»: أعماله الأخيرة في تكساس ولوس أنجليس.

«من البرونكس إلى مانهاتن»، ميادين عمله حتى 1971. فبالرغم من ولادته ونشأته في البرونكس، صوّر أكثر أعماله في مربع صغير من مانهاتن، يقع بين مخازن «ماسي» و»سنترال بارك»، في وسط المدينة المتألق، لا في الضواحي الرمادية المهملة. تغطي مجمل صوره النيويوركية حقبة الخمسينات- عندما كانت المدينة لا تزال تعاني من العنف، ومن تداعيات أزمة الثلاثينات الإقتصادية – وبداية الستينات، بتفاؤلها ورخائها، قبل أن يتناول الحراك الإجتماعي- السياسي الرافض لحرب فييتنام. إفتتحت أعماله نهاية تقليد فوتوغرافي زمن كانت المجلات المصوّرة («لايف»، «لوك»…) توزّع أعداداً كبيرة، وظهور نهضة ثقافية حديثة إعتبرت الفوتوغرافيا أحد الفنون الجميلة. مع حلول الستينات، إستخدم وينوغراند العدسة الواسعة ليدرج العديد من المواضيع والأمكنة الفسيحة في لقطة واحدة. أصبحت صوره غامضة ومعقّدة.

إلى عمله الصحافي، إستمر في التصوير بأسلوبه الشخصي: في الشارع، التجمعات السياسية، المطارات أو من نوافذ السيارات. في صوره، تمتد مدينته نيويورك كأنها حكاية يطيل راويها متعة إستطراداتها ومواكبها الطويلة: نساء، أزواج، كلاب، مهرجون، حوادث، متظاهرون، بحارة، هيبيون ونجوم… نيويورك، مشهد شعبي تتوالى فيه المآسي المخطط لها أو المرتجلة، المضحكة أو المأساوية. حتى حوادثها الأكثر تفاهة حملت دلالات مريبة لكن ملحّة. بقي وينوغراند مهتماً بالسياسة لكونها نشاطاً واستعراضاً. أطلع على برامج السياسيين وغطّى، بين الخمسينات والسبعينات، كل أنشطة الرؤساء: «هكذا تكون الأمور أحياناً… العالم بأكمله مشهد إشتريت تذكرة لمشاهدته. إستعراض ضخم مخصص لي أنا، كأن شيئاً لم يكن ليحدث لو لم أحضر مع كاميرتي. إنها أميركا التي أدرسها!» قال. في بداية الخمسينات بدأ بالخروج من نيويورك، منشغلاً بالثقافة الحديثة للضواحي. بعد 1964 زار المدن الناشئة مثل هيوستون، دالاس ولوس أنجليس. أعجب برعاة البقر وملوك النفط في تكساس، وهوس هوليوود، لكن مواضيعه المفضلة كانت تلك التي أضفى عليها مزيجاً من الحداثة والغرابة، من الحيوية والإحباط. أميركا التي قصدها ليست أمكنة وتقاليد، إنما محاولة فهم الناس والأشياء وطبائعها العميقة. كتب في 1963 أنه «يصور أميركا في محاولة لفهم مَن نحن وما نشعر به، وملاحظة مظاهرنا بينما يواصل تاريخنا مساره». أبدى خوفه عندما إكتشف «أن المثل الأميركية العليا مبنية على هلوسات وأوهام.» قال.

في 1964، بعد حصوله على منحة من «غوغنهايم»، قطع الولايات المتحدة؛ وصل إلى دالاس بعد أشهر من إغتيال الرئيس كينيدي، فدخل هذا الحدث في قلب صورته الشهيرة لسياح يبرزون كاميراتهم وبطاقات بريدية في مكان الإغتيال. بدا له اليأس كـ»متاهة لا يمكن أن يقبلها». أميركا وينوغراند تفيض بالشمس وبالفكاهة طالما هي مسكونة بالغرائب والمهملات. إمتزج كل شيء أمام نظرته: الجمال، الفوضى، السخرية والرصانة.

في نهاية الستينات، صوّر التظاهرات السياسية، لكن المرجعيات الضمنية لحرب فييتنام التي كانت في أوجّها والتي ظلّت نادرة في أعماله، تسللت إلى صوره على شكل إيحاءات متباعدة، مثالاً: صور المطارات، حيث الجنود العائدون أو المغادرون إلى فييتنام. لم يتصد للفوضى والعنف المتفاقمين في تلك الفترة بل اكتفى بإدخال مناخاتها إلى صوره المنفتحة أكثر فأكثر على الصدفة. كان مقتنعاً بـ»أن صورة لا يمكنها تغيير العالم، ولا حتى فهمه.»

مع نهاية الستينات، غادر نيويورك، ليحقق بعض أعماله المهمة في الغرب زمن إزدهاره. بعد 1971 إستمر في تصوير شوارع المدن والمباريات الرياضية والتظاهرات السياسية والمطارات. في أعماله الأخيرة طغى الغموض والعفوية على موضوعية الأحداث، وبدت شخصياته منعزلة عن الجموع كأنها إختارت الوقوف أمامه. لم تعد صوره تعبّر عن الحركة، ولا عن دوّامة الحشود البشرية كما في أعماله الأولى.

في دراسة حديثة حلّل جان كمبف نظرة غاري وينوغراند، الأبرز في ستينات القرن الماضي، والذي اعتبر مع الأميركيين واكر إيفانز وروبرت فرانك من أوائل مقاطعي النظرة الفوتوغرافية التقليدية.

يعتقد كمبف «أن الفوتوغرافيا هي أولاً نظرة مفارقة، لأنها تعتبر نفسها نظرة إنسانية أو أثرٌ لهذه النظرة، بينما هي آلية. مفارقة أيضاً لأن نظرتها هي من العالم. مفارقة أخيراً لأنها ليست نتيجة لفعل، لكنها أثر ردة فعل سريعة على معلومة ضوئية تصطدم بالفيلم الحسّاس. إذاً من المناسب أن نتحدث عن نظرة فوتوغرافية، فالفوتوغرافيا هي مسافة، إنفصال، كما كان يقول والتر بنجامين«.

النظرة الفوتوغرافية، المختلفة، هي إنتزاع، ومثل النظرة البشرية، تزامن، وعملية ترابطية، ثابتة، بينما العين والدماغ يعيدان باستمرار تركيب الإدراك البصري. من هنا الغرابة المقلقة لأعمال مصورين يؤمنون بهذا المنطق. لم تعد تُطرح مسألة الحقيقة. المعيار هو تأثير المفاجئ، غير المنتظر، المخرّب للتوازن، يناقض المشاهد ويثيره، من دون أن يعترف له بأية متعة. لا إحساس جمالي، إنما حرمان ورفض وامتناع عن التأويل. على النقيض من إدوارد وستون وكارتييه- بريسون، لا تخفي صور وينوغراند شيئاً، إنها تُبطل أية قراءة رمزية. ربما تثبت إستنتاج جان- ماري شايفر: «الفوتوغرافيا في لحظاتها العظمى تنفتح على واقع مدنّس ومنتهَك، لا يعد بفردوس أصلي… صوره فيها ما نشاهده لكنها تتضمّن القليل مما يحكى عنه«.

وينوغراند مثال رائع عن هذه النظرة التجريبية المتسائلة المجازفة حتى المتاهة. غزير الإنتاج، ترك بعد رحيله آلاف الأفلام غير المطبوعة. تاركاً للفوتوغرافيا أن تتصرف من تلقاء ذاتها، تحركها طاقة بصرية متحررة من النظرة البشرية. بإهماله الطباعة، لم يُبقِ سوى الصورة الكامنة في الأفلام غير المظهّرة بعد، مخفياً كل واقعة: «لم يكن بودّه صناعة صور جيدة، بل أراد معرفة الحياة من خلال الفوتوغرافيا.» كما كتب جون ساركوفسكي.

رفض الصورة التي يمكن أن ترضيه، والتي تستجيب لشروط التناغم والمعنى، وتريح عينيه وتقنع عقل المشاهد. هو لا يلتقط الصور، إنما يتخلّص منها. صوره لا يمكن أن تُعدّ مسبقاً: إنها تفلت من المصوّر. بعكس مصور الصحافة الباحث عن اللحظة التي تختصر كل شيء، «يلتقط» وينوغراند اللحظة حيث الأشياء لم تبلغ بعد، أو أنها قد إنقضت.

تنحصر صوره في شكلانيتها «ماذا يشبه العالم عندما نصوره». تتخطى التأويل الرمزي. فهي ليست وصفية ولا إثباتية. هي، ببساطة، نظرة فوتوغرافية. سوريالية قبل السورياليين، ووسيلة لإظهار غرائب العالم، ومنهل لانهائي للدهشة. بينما يقدّم مصورون آخرون وهماً عن العالم، معتبرين أن نظراتهم هي أصيلة، يحقق وينوغراند صوراً لا نراها في الواقع ناكراً أية مرجعية. مكان عمله هو الشارع، الكاميرا تحسم بينما العقل يدرك الحركة، وجسد المصوّر ينخرط بين الجموع. برع وينوغراند في الإقتراب الذي لا يتضمن أي خطاب ملائم عن العالم، ولا حتى أي تعظيم للصدفة.

إهتم بتوازن صورته وشكل هذا التوازن غير المستقر لهذا التدفق البشري الذي جمّدته النظرة الفوتوغرافية. جمّد الجموع وأراد من تصويرها دراسة المتقاربات، عبر حركيتها وتعابيرها. إنها مواقف منتقاة من الواقع لا تنفصل عن الصورة المركبة للنظرة البشرية والدماغ. بتفحصه للتوازنات المتحركة (المناقضة لتوازن وثبات هنري كارتييه- بريسون)، وتصويره شرائح مجمّدة، تبدو لنا، من خلال معرفتنا بالعالم، كأنها غير تصويرية، لا تفيدنا بجوهر الموقف أو الشخصية، بل ترينا الزمن.

المصوّر ونظرته استمدا مواضيعهما من نظر الشخصيات، كل ما تبقى ربما مبهم. التشويش البصري يمكن أن يتضاعف عند أطراف الصورة، لتتعلّق عيوننا بهذه النظرات التي تمتص كل طاقتها البصرية. في قلب هذه الجموع، تحضر العين مجازاً كنقطة التقاء لكل الصورة. أمام أعماله، لسنا أمام لوحة بل أمام محاولة، وتجريب، وبرهان. عمله شراكة نظرات، لا مرجعيات لها سوى الفعل الفوتوغرافي. أعماله درس مدهش عن المصوَّر.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق