«التعايش الأهلي» استراحات بين الحروب! / مصطفى الولي

يمتلئ فضاء البلاد العربية برائحة البارود، ولا يغادره لون الدم. فالحروب الداخلية بين الطوائف والإثنيات والقبائل تتسع وتزداد وحشية، وتلك البلاد التي لازالت متوازنة في سكون قلق، لن تنجو من مصير سابقاتها طالما الحال المقيم ممتلئ بكل عناصر الانفجار.

في غضون ذلك المشهد، ثمة خطابات يعلن أصحابها حسن النوايا، ويحضون على بذل المساعي لتجاوز الكوارث، ومن ضمن تلك الخطابات، تتردد مصطلحات سلمية، هدفها المعلن «عودة الأمن والأمان»، وأولها وأكثرها تداولاً مصطلح «التعايش الأهلي»، و»العيش المشترك» أو و»القبول بالآخر»؟

وفي الواقع، ما توضحه فكرة التعايش «الأهلي» و»السلم» الأهلي، والعيش «المشترك» في سلوك أصحابها، أنها عملية تبسيط سخيفة بتمجيد «الأخوة» بين الأديان والطوائف والمذاهب، بالإشارة إلى تبادل التهاني في المناسبات الدينية، والمشاركة فيها من زعماء الطوائف وفقهائها، وبتجاور الكنيسة مع المسجد والثاني مع الحسينية، أو على طريقة المطران الفلسطيني عطا الله حنا، بارتداء يافطة إسلامية بيضاء فوق ردائه الأسود. ومع كل جريمة قتل طائفية، لا يخسر زعماء الطوائف إن أصدروا بيانات إدانة، وقدموا التعازي لطائفة القتيل. إنه تعايش الموت والخداع واستمرار الكارثة.

تجربة الحرب الأهلية في لبنان، التي انفجرت في العام 1975، تعدُ النموذج الأوضح على بؤس الشعارات المتداولة، كما على عقم الاتفاقات، التي جاءت وكأنها كفيلة بوضع حد للحرب الطائفية، أقصد اتفاق الطائف، ثم اتفاق الدوحة. ومن سوء حظ شعوب بلادنا، أن الهشيم الذي تتشكل منه المجتمعات العربية، سرعان ما التهبت ناره عند أول اختبار للقدرة على مواجهة الأزمات النوعية الحادة.

ويتضح ذلك في تجارب كل من العراق وسوريا وليبيا، واليمن الذي يتأهب لدخول المسار الدامي بشكل أوسع. والبلدان الأخرى ليست خالية من عناصر تشي بانفجار محتمل، كالسودان وربما الجزائر وسواهما.

ولأن الأحزاب والمرجعيات السياسية في بلادنا، إما أنها تمثل الطوائف والإثنيات بشكل صريح، أو أن الطوائف امتصت الأحزاب وجعلتها خط دفاع طائفي مستتر بخطابات وبرامج تدعم الطوائف فعلاً، وتدعي العكس قولاً، هنا يصبح الحديث عن «تعايش أهلي» و»سلم أهلي»، ترسيما للحدود بين الطوائف أو الإثنيات، يحمل في داخله عوامل انفجار مقبل، تستدعيه تبدلات في نسبة القوى الطائفية، غلبة أو قهراً، كما يمكن في كثير من الأحيان أن تسهل تلك الغلبة، أو ذلك القهر، الطريق للتأثيرات الخارجية المتنوعة والمتبدلة.

ما أعنيه أن فكرة «التعايش» ومفهوم «العيش المشترك»، ينطلقان من الطائفية كما هو شأن لبنان، ومن الطائفية والإثنية والقبلية والمناطقية كما هو شأن العراق، ولا صلة لهما بالدولة الحديثة ومؤسساتها، ومنها المجتمع المدني. وهو المفهوم الدارج تكراراً على ألسنة منظري الطوائف، ومنظري ما دون «الدولة الحديثة» وسدنة رموزها وبنيانها.

لا تحتاج البلدان المتقدمة، التي تتأسس على الاندماج الوطني في ظل دستور، يستند الى الديموقراطية والمساواة أمام القانون، إلى التغني بـ»التعايش» وترداد الدعوات إلى السلم»الأهلي»، فقط في بلداننا، التي لم تدخل عصر «الحداثة السياسية» بعد، وحراكها الداخلي محتجز في بنى دينية وطائفية وقبلية، تتردد تلك المقولات، لترسخ المأزق الذي أنتج الحروب الأهلية، وأعاد ويعيد إنتاجها باستمرار.

واقع الحال عندنا، أن دعاة التعايش بعد كل حرب، أو تبدل في ميزان القوى، ينطلقون من نسب القوى الجديدة التي انتجتها الحرب بين الطوائف، أي ترسيخ الطائفية لمصلحة تتفوق فيها الطائفة «المنتصرة» على تلك «المتقهقرة والمقهورة». التجربة اللبنانية بين صيغة 1943، واتفاق الدوحة 2008، وبينهما اتفاق الطائف 1989، كشفت هشاشة «التعايش» وتلاعب الأقوياء المنتصرين بعد كل حرب-أزمة، لفرض تعديلات على الصيغة القديمة تتناسب مع مصالحهم. وطوال تلك المرحلة كانت عوامل التفجر تتراكم نحو حرب جديدة. ولا أظن، كما الكثير من المتابعين، أن لبنان يشهد» تعايشاً» أو «سلماً أهلياً»، في ظل نظام تتناوب الطوائف على وضعه تحت وصايتها، ودائماً القوة، والقوة المسلحة، والطائفية، هي الحاسمة في تقرير سياسة الدولة وتوازنات المصالح.

وفي نظرة سريعة للعراق، بعد سقوط نظام صدام حسين 2003، ها هو يدخل في متاهات دموية، ويبدو فيها المشهد الطائفي والقبلي والإثني طاغيا على الجغرافيا العراقية، وصار الحديث عن الطوائف والقبائل والمناطق لغة يومية دارجة ومستساغة، بين الناس ووسط النخب الحاكمة. وكل خطابات «الأخوة» والتعايش، و»الوطنية». وكل ما حصل بعد الغزو وسقوط صدام، و»الاجتياح» الإيراني للبلد ليس أكثر من انتقال للطائفية السافرة، بعد مرحلة «تعايش» بين الطوائف بقوة السلطة الدكتاتورية، وليس بالاختيار الحر للمؤسسات الدستورية المدنية والديموقراطية.

ملخص القول: إن الهويات الإثنية والدينية والطائفية والمناطقية، وما هو في عدادها، إذ يرفع أيديولوجيوها شعارات «العيش المشترك والتعايش» فهم يريدونه لتكريس هويات ما دون وطنية، وهي هويات موت لا حياة أو موت مؤجل. وبتعبير أمين معلوف «هويات قاتلة»، فما يتكامل مع «التعايش» هو تجدد الحروب الأهلية، وليس التأسيس للتقدم المدني، سياسيا واجتماعيا وثقافيا وحقوقياً. فالطائفية تعيد انتاج نفسها باطراد وتعيد انتاج طائفية مضادة باطراد. وبينهما ليس «التعايش الملفق» بل ما صنع الحداد.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق