حين يعود المؤلف إلى غابة الكتب (2) / شاكر الأنباري

واحد تفارقه زمنا، ثم تعود إليه، فتجد أنه صار في عالم آخر يختلف عنك. واحد تأخذك عنه مشاغل الحياة وتحولاتها، فلا تعود تربطك به أية روابط، حتى حين تلتقيه لا تجد فيه سوى ماض راح واندثر.

ومن النادر جدا أن تعود إلى صديق بعد سنوات طويلة لتجد أنه يتناغم معك على الذبذبة نفسها، فالزمن يفعل فعله في الكتب أيضا مثلما يفعل بالبشر.

كان لدي ابن عم اسمه فتاح حماد يكبر جيلي بسنوات قليلة، وذلك في نهاية الستينيات. المكان هو القرية التي تحدرت منها، وقضيت طفولتي وشبابي فيها حتى بلغت الخامسة والعشرين حين غادرتها في بداية الثمانينات. فتاح ذاك كان كلما سافر إلى مدينة الرمادي، عبر باص خشبي عتيق يستغرق وصوله الى المدينة ساعة كاملة، يجلب حين عودته ما يجده من قصص جديدة نزلت إلى المكتبات.

قصة عنترة، غزوات الإمام علي، تودد الجارية، السندباد البحري، الحمال والسبع بنات، وبعضا من مؤلفات جرجي زيدان. وكنا ننتظر عودته من المدينة ظهرا بفارغ الصبر.

كان فتاح يشتري تلك الكراريس بأسعار زهيدة، من مكتبة أهلية صغيرة تقع في شارع السينما، تتعامل بهذا النمط من الكتب، ويؤجرها لنا بعشرة فلوس للقراءة. أنا وأقراني من الجيل الذي فتح عينيه على الكتاب باعتباره شيئا مقدسا، ويستدعي الاحترام والتبجيل، كنا مأخوذين بالقصص. فتاح ابن عمي درس بكلية الاقتصاد في جامعة المستنصرية، ولم يصبح كاتبا، بل اتجه إلى الأعمال الحرة، وأصبح مقاولا من الدرجة الثانية. في العام ألفين وستة، وفيما كان تنظيم القاعدة يتغلغل في أرياف الرمادي وقف فتاح ضد التنظيم علانية، وراح يخطب في جامع القرية ضد أفكار التنظيم وتوجهاته. وذات يوم اختفى فتاح، ولم يعثر له أحد على أثر حتى اليوم. قيل إنه اختطف في ضواحي بغداد من قبل الميليشيات، وقيل إنه قتل من قبل التنظيم في منطقة المشاهدة، وهي ريف في ضواحي التاجي شمال بغداد، ولم يحظ فتاح بقبر. وأتذكره كلما قرأت رواية ممتعة. مكتبته التي تركها في بيته توزعها أبناؤه وأختفت بعد سنوات، رغم أنها وصلت الألف كتاب، وهذا من النوادر في بيت ريفي يقع في قرية تستلقي على نهر الفرات.

في تلك الكراريس، التي كان يجلبها ابن عمي فتاح من المدينة، نفحة خيالية ملهمة لصبية يعيشون في قرية مغلقة، لا تمتلك من حس المغامرة سوى القليل. كنا نعيش حياة أرضية واقعية، بامتياز، الزراعة، الحصاد، قص النخيل، السباحة في السواقي والنهر صيفا، الذهاب الى المدرسة والرجوع الى البيت، ومباشرة واجباتنا المدرسية ثم اللعب مساء بين ثنايا البيوت. كانت تلك القصص تنقلنا إلى عالم آخر، أوسع من النخيل وألعابها، وأوسع من عالم النهر. القراءة حينذاك كانت تغوص أحيانا في التاريخ البعيد، وأحيانا تسافر بنا إلى مدن لم نسمع بها أبدا، كباريس ولندن وبرلين وروما وبيروت ودمشق واسطنبول وفرغانة وشيراز ودلهي وبغداد والبصرة وغابات إفريقيا ومجاهل الهند. متعة القراءة تكمن هنا على الأغلب، حين تمنحك جناحين تطير بهما في أفق الكرة الأرضية لتنتقي المدينة والبلد والبحر والغابة والمرأة التي ترغب.

حدث أن استوحى شاعر سوري مهم، هو ممدوح عدوان، قصة الزير سالم في مسلسل عرض في نهاية التسعينيات في دمشق. كنت أعيش هناك، وكتبت مقالا عنه في مجلة سورية هي «تشرين الاسبوعي« كانت تصدر في ذلك الوقت، ويحرر ثقافتها الصديق خليل صويلح. وقد رأيت الأحداث متشابهة لتلك الحكاية التي قرأناها في قريتي الحامضية منتصف الستينيات من القرن العشرين، عبر كراس جلبه فتاح باسم قصة الزير سالم أبو ليلى المهلهل. لكنني كتبت اعتراضات بسيطة حول طريقة الديكور والملابس والأزياء، التي لا تتناسب مع بيئة الصحراء العربية في ذلك الزمان، ما أغضب ممدوح عدوان وقتها، وفسر الأمر على أنه دسيسة من إحدى الشركات المنافسة، للحط من ذلك العمل بعد أن لاقى نجاحا هائلاً. مثّل دور العبد في المسلسل الشاعر السوري لقمان ديركي. هذه مصادفات تحدث في حياة أي شخص. أي القفز على الزمن، في التعامل مع الكتب وحكاياتها وطرائفها. أنت مع كتاب ما في نهاية القرن الماضي وتواجه الكتاب ذاته أو هامشا حوله بعد عقد من السنين.

استغرق وصول الزير سالم من ذلك الكراس الأصفر، الذي جلبه فتاح، حتى مسلسل ممدوح عدوان ما يقرب الأربعين سنة. هذا بالضبط ما حدث لي مع ترجمة قصص الكاتب الأميركي ري برادبري. برادبري كاتب خيال علمي أميركي واسع الخيال. اهتم بالمجرات والكواكب والحياة في نجوم بعيدة عن الأرض. حدث في نهاية السبعينيات، أو بداية الثمانينيات ربما، أن أصدر الكاتب العراقي المتفرد محمد خضير مجموعته القصصية تحت عنوان في درجة خمس وأربعين مئوي. محمد خضير خلال عقد السبعينات يعتبر من الكتاب العراقيين الموهوبين في كتابة القصة، له أسلوبه الخاص، ورؤيته الفنية التي تتلخص بالاهتمام الفائض باللغة، والرمز، والإيحاء، والتأثر الواضح بالجيل الجديد من كتاب الرواية الفرنسية، التي اهتمت كثيرا بالأشياء ووجودها في السرد، مثل ألن روب غرييه وناتالي ساروت والانكليزية فيرجينيا وولف، وغيرهم من الكتاب الجدد في العالم الذين كنا نجهلهم في ذلك الوقت.

كتب محمد خضير مقدمة جميلة لمجموعته في درجة خمس وأربعين مئوي، وصدرت عن وزارة الثقافة والإعلام العراقية. وكتابة مقدمة لمجموعة قصص أمر غير مألوف. في تلك المقدمة التي أعجبنا فيها كثيرا ذلك الوقت، نهاية السبعينيات، كتب محمد خضير عن فرن عملاق يتجول بين المحلات السكنية وتلقى فيه الكتب لتحرق. والكتب تحترق كما ذكر خضير في درجة معينة من الحرارة، وتلك الفكرة تجبر الخيال، المحدود في ذلك الوقت، كوني مازلت أقيم في قريتي الحامضية وارتدي الزي الكاكي باعتباري جنديا في قادسية صدام، رغم أنني تخرجت من كلية الهندسة المدنية، جامعة السليمانية، ليسافر نحو مدن يحكمها الموت والخوف والديكتاتورية وتحارب الكتب وتحرقها، مثل نازية هتلر وبعث صدام حسين ومحاكمات مكارثي في أميركا. لذلك أعجبت، وجيلي، بتلك الفكرة، أي فكرة حرق الكتب، بمعنى محاربتها، طبقا لقول وزير الإعلام النازي غوبلز، إنه ما أن يسمع بكلمة ثقافة حتى ينتضي مسدسه. يخاف من كلمة ثقافة. يخاف من المعرفة. يخاف من التنوير. يفضل الجهل. المعرفة عدو ينبغي محاربته. قتله. وكان محمد خضيّر قد توج ملكا على القصة القصيرة العراقية بعد مجموعته المملكة السوداء، وكان كل ما يكتبه يرتفع إلى مستوى المقدس الذي لا يعدم من الأهمية الفائقة.

موسى كريدي، خضير عبد الأمير، جليل القيسي، محمود جنداري، كانوا أيقونات القصة في ذلك الحين. أما محمد خضير فملكها المتوج. وفي منتصف التسعينات من القرن العشرين كنت أتجول في مكتبة من مكتبات كوبنهاغن المشهورة، في شارع المشاة، فوقعت عيناي على مؤلفات ري برادبري، الصادرة عن دار نشر انكليزية. ما دام الكاتب البصري الشهير محمد خضير ذكره قبل عشرين سنة في مقدمة كتابه، في درجة 45 مئوي، فلابد أنه كاتب مهم. البصري ابن العشار وخمسة ميل والزبير وكورنيش البصرة والكزيزة، لا يخطئ. هذا الذي كتب عن فندق العميان أجمل قصصه. والذي كرس كتابه بصرياثا لمدينته الموغلة في التاريخ والبشر.

تخيل فرن عملاق لحرق الكتب صورة سوريالية هائلة، ووزارة الثقافة والإعلام العراقية آنئذ لا تطبل سوى لأدبها وفنها وفكرها، الموسوم بالشوفينية والكذب والمبالغة وتغييب حقيقة الواقع العراقي. إذن ثمة شيء فريد في قصص ذلك الكاتب.

اقتنيت مجموعة ري برادبري بالانكليزية، وكنت أقيم في منطقة فالبي وسط كوبنهاغن متزوجا، مستقرا، وأمتلك وقتا فائضا للقراءة بالانكليزية، وكنت فوقها عاطلا من العمل. بمساعدة قاموس المورد، عربي انكليزي، استطعت قراءة المؤلف كله، وأدهشني فعلا ذلك الكاتب المختص بالخيال العلمي بعوالمه المبتكرة، والجديدة على الثقافة العربية. قررت أن أترجم مجموعة قصص له. وهكذا فعلت. أرسلت المجموعة إلى الدار التي أسسها ويديرها المناضل والكاتب البحراني الراحل عبد الرحمن النعيمي، وسماها دار الكنوز الأدبية . قبل ذلك نشرت في الدار ذاتها مجموعتي القصصية أنا والمجنون، ورواية الكلمات الساحرات، التي صمم غلافها الفنان العراقي طالب الداوود. انتظرت أكثر من سنة كي تصدر الترجمة لكنها لم تصدر، وكنا في العام 1995، العام الذي قررت فيه طباعة روايتي ألواح لدى دار المدى. وضعت مخطوطة القصص لدى دار المدى فصدرت بعد أقل من شهرين، وكان ذلك في منتصف العام 1996، ورغم أنني رأيت النعيمي بعدها لكنه لم يشر إلى موضوع القصص تلك. وعرفت حينها أن دار الكنوز صححت، وصممت الغلاف، وعلى وشك طبع المجموعة.

بعد سبع سنوات من صدور عربة توينبي لري برادبري عن دار المدى، وتحديدا في منتصف ألفين وثلاثة تغيرت حياتي بشكل مذهل بسبب ذلك الكتاب. تواترت الأحداث بسرعة. شنت الحرب على العراق، أسقط صدام حسين وبعثه، قررت العودة إلى العراق بعد عقدين من الغياب، وكان هذا طموح معظم الكتاب العراقيين المنفيين. لكن وضعي الإقتصادي وصل إلى الصفر. وظف في تلك الأثناء صديقي الكاتب والمترجم قاسم المقداد مديرا لدائرة النشر في وزارة الثقافة السورية. وفي إحدى الأماسي الخمرية في صالة المحاربين سألني إن كنت امتلك مخطوطا للنشر، فمكافأة المؤلفين أصبحت جيدة ومغرية. وهنا ورد إلى ذهني ري برادبري مرة أخرى. لم أترجم له سوى عدد محدود من كتابه القصصي الضخم المنشور بالانكليزية. أخبرت قاسم المقداد إن كان بالإمكان إضافة مجموعة أخرى من القصص على الكتاب الذي طبع في دار المدى وتقديمه كمخطوط إلى الوزارة، فوافق الرجل.

وهكذا جلست شهرا كاملا على الترجمة، دون أن أغادر بيتي الذي كان يقع في محلة جرمانا، ليس بعيدا عن باب توما. سميت المجموعة الجديدة (المريخ جنة)، على اسم إحدى القصص، واستلمت ما يقرب الألف وخمسمائة دولار من الوزارة . استطعت عبر ذلك المبلغ الضئيل العودة إلى العراق، عن طريق الأردن، بعد غياب أكثر من عقدين.

إما مجموعة المريخ جنة للكاتب الأميركي ري برادبري فلم تصدر عن الوزارة إلا في العام 2006.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق