الذكورات المنبوذة: أبوسعدية وأمثاله (ج1)

إن أهم إشكالية في بو سعدية، كرمز أسطوري، هو شكله! ما يسلط إضاءة عن ما يقع خلف تلك الأسمال (لباسه) إذا طرحنا سؤالا بالصيغة التالية: هل اختار بو سعدية بنفسه لباسه؟ أم كان ذلك فرضا من النظام الاجتماعي ـ السلطوي في جوهره ـ على بو سعدية لتمييزه وتصنيفه، وبذلك إخضاعه والسيطرة عليه؟

وحتى نفهم ما يمكن أن تفصح عنه الإجابة، لا يجب أن نستغني عما تقدمه لنا أسطورته ـ المتداولة شعبيا، لفظيا ـ حيث أن بو سعدية ترك مجتمعه السوداني، ورحل لتونس (أو ليبيا) بحثا عن ابنته التي أُخذت منه: هذا يكشف لنا عن جانب من الممارسات الاستعبادية التي كانت تقوم بها القوافل الإسلامية، في تجارتها بالرقيق، باستقطاب الزنوج للمجتمعات المغاربية بغية استغلالها ماديا: الذكور للعمل، والإناث للجنس أو خدمة السيدات. استقطاب الزنوج، يقدم خدمات سوسيولوجية وسيكولوجية بنفس الوقت، حيث يتم تجاوز الاستغلال المادي والخدمات نحو الإشباع النرجسي ـ أو سد عقدة النقص عبر إبراز عقدة التفوق، إذا أخذنا هنا تعليقا لأدلر Alfred Adler ـ فالزنوج هنا يمثلون الاختلاف، حيث الزنجي: أسود، فقير، جاهل، خادم، بربري ـ مقابل العربي/الأمازيغي (المسلم): أبيض، غني، متعلم، سيد، متحضر. طبعا هنا يتجلى دور بو سعدية كنوع من الإفصاح الفضائحي لهذه الممارسات: فبو سعدية ليس تمثيلا ل“غولة رمضان” التي تسلي الكبار وتخيف الصغار، وهي أو وهو يتجول بالساحات أو الأسواق المدنية ـ كوهم غير مؤذ. إن بو سعدية صرخة ضد الفاشية الممارسة بمجتمعه، ضد نرجسية العرب بعدما اعتقدوا واعتنقوا فكرة أنهم منارة الأرض، وهداية البشرية، فاستعبدوا أبناءه وإخوته. بو سعدية يعبّر سطحيا عن فقدان ابنته وبحثه عنها، لكنه بالعمق يعبر عن فقدانه الحب وبحثه عن الهوية.

بو سعدية اختار في لباسه جلود الحيوانات، لأنه مثلها فقد المأوى والملجأ الإنساني، هكذا يتجول كما تتجول هي بالبراري، دون عنوان أو اسم أو وطن حنون. بو سعدية اختار وضع قناع مخيف على وجهه، لأنه فقد المشاعر التي تحيي ملامح وجهه، فخلا وجهه من كل شيء إلا من قناع يمثل الخوف الذي يتملكه ـ هناك مثل شعبي تونسي يصف حالته إذ يقول “بوسعدية خايف من الكلب و الكلب خايف من بو سعدية”.
بو سعدية يتجول من دون وجهة، خارجا عن الأعراف والنظام الاجتماعي، لأنهم سلبوا منه نظامه وأعرافه! فلم يعد لديه سوى طبله، تلك الآلة السحرية التي تخلق ألحانا، يتم من خلالها شق طريق نحو عالم آخر حيث يتم استدعاء الأحبة المفقودين ـ في ثقافة أبو سعدية. موسيقى بو سعدية وألحانه ليست ضجيجا لكسب المال أو الترفيه عن الناس، إنها استدعاء لكل ما فقده لربما يعود، وتذكير بما حدث قبل الفقدان.. بو سعدية يخفف عن نفسه بطبله، فالموسيقى كانت في نظامه المسلوب، وسيلة يتشافى من خلالها المكروبون.

ظلت لغة بو سعدية رمزية، كما هو تجليه، أمام لغة السلطة التي تخضع كل اللغات عبر الصمت، وتقدم التاريخ عبر الحذف والبتر. بو سعدية هو الثورة ضد هذا البتر، حيث هناك جزء/حق يجب أن يعود لمكانه، فالعين لا ترى إذا حذفت أجزاء من الصورة أمامها، تتجلى لها الصورة غير كاملة، وهي تعتقد أنها كاملة، فلا تأخذ حذرها من السقوط. بو سعدية رفض الاندماج بالنظام، مفضلا التذكير ـ عبر لغته الرمزية التي لا ينصت لها النظام في شكله المنخدع بالتفوق : الأعمى/الأصم.

فتحولت رقصته من ألم على ماضيه، لرقصة ساخرة على حضارة تهوي نحو الانحدار. حضارة تتغنى بالإنسان والكرامة والحقوق، لتغطي على ممارسات العنصرية والإلغاء: حيث يتم تأطير كل ناقد أو ثائر أو لا منتمي في خانة الجنون ! حيث ليس هناك ـ بالنظام ـ من أُذن تنصت لما يصدر عن الجنون، حتى وصل الأمر حد التهديد، في حالة أصغت له أذن صغيرة: “رد بالك يا حمرة وذن، بوسعدية يقرص الوذن” ـ تجنبا للأذى الذي قد يحدث على إثر ذلك.
فضّل بو سعدية الهامشية والتعبير الحر في خانة الجنون، على التصالح والتوافق مع النظام: لأن الدور الذي ينتظره هو دور العبد، هو الاستغلال انطلاقا من مفاهيم لاعقلانية، تتأسس على اختلاف اللون، اللغة، والعرق ـ وتفوق صاحب الأرض. أخذوا الحب من بو سعدية، ومنحوه الاختيار بين الخضوع أو الإقصاء في غرفة الصمت. لكن بو سعدية لم يتوقف عن التنديد وهو يغني: “بو سعدية نار قوية.. بو سعدية دانا دانا، حط عظامه في الجبانة.. بو سعدية طق، طق، حط عظامه في الطبق”.

في تسلطية وتفوقية النظام، رد بو سعدية : حيث لا يوجد الحب، يظهر الصراع.. حيث يُسلب الحب، تُسلب الحرية. فضّل بو سعدية حرية الجنون، على عبودية المجتمع. فالمجتمع الذي لا يمنح الحب والحرية، سرعان ما يخنق نفسه بيده (معانيه/مفاهيمه)، هناك يصبح الأفراد فارغين من المعنى.. أما بو سعدية فيستمر برقصته مع الكون، حيث ينتمي، بعد أن فقد كل شيء، إلا خطواته ورقصاته التي ترسم الطريق.. وإذا سألت عن بيته أو مأواه : “وين حوش بوسعدية ؟” يجيب “ما زال القدام شوية !”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق