جزء من تاريخ نساء تونس أخرج من دفائنه

احتفاء علمي في رحاب معرفي بيوم المرأة العالمي .. لقاء جمع بين المهتمّين بقضايا تاريخ النّساء وباحثة من مدينة الأنوار حضرت بيننا لتسليط الأضواء على أنحاء معتمة في تاريخ الحركة الوطنية التونسية ولتمشيط ذاكرة تهمل أطرافا رئيسية في الحدث التاريخي .. كان ذلك مركز اهتمام Elise Abassade في رسالة الماجستير التي عنتها ب: “نضالات النساء الشيوعيات خلال فترة الحماية : مناضلات واشتراكيات ما بين 1939ـ1957”، وكان ذلك محور تفاعلنا معها ونحن نصافح حقائق كادت تضمحل مع عبق رطوبة الأرشيف البوليسي والوطني، حقائق تقطع مع ملاحم البطولة الذكورية وتكشف عن المظلمة النوعية التي سلطتها الكتابة التاريخية على النساء.
لقد كشفت الباحثة عن الموقع الذي اتخذته المرأة في مسيرة التاريخ الشيوعي التونسي على مدى العقدين السابقين للاستقلال من خلال إحصاء 115 امرأة من تونس وتنوعت أصولهن بين إيطاليات وفرنسيا وتونسيات يهوديّات ومسلمات. وقد شهد ذلك الموقع امتدادا تدريجيا إذ لم يزد في البداية عن أربع نساء في اجتماع عقده الحزب سنة 1934 تلاه في السنة الموالية ظهور خطابي لجوليا لاباس Julia Labas ليتطور من النضال النقابي إلى نضال سياسي ضد الفاشية والحرب إبان اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقد شهدت رائدات الحركة ملاحقة البوليس لخطورة تحركاتهن السرية مثلما كان الأمر مع روبارت بيجياوي Roberte Bigiaoui و سيمون بسيس Simone Bessis Vais. حتى كان أول تنظيم نسائي مستقل من خلال تأسيس اتحاد النساء في تونس سنة 1944وقد سخر جهده في مقاومة الحرب والفاشيّة ونشر مبادئ الاشتراكية ومقاومة أشكال اللامساوة بين النساء على أساس الأصل ، ولعل خروجهن إلى مقر المقيم العام الفرنسي بين سنتي 1945ـ 1946 وهن محجبات واستقبال المناضلة شريفة السعداوي من طرف رئيسة المؤتمر العالمي لحقوق المرأة كانا حركتين رمزيتين عميقتين عن بداية الوعي بمبدإ المطالبة بالمساواة القائمة على وحدة الهوية الوطنية.
وتستمر الباحثة في متابعة تطور منظومة مبادئ الاتحاد الذي كان يسير ببطء ولكن بثبات في تأسيس موقعه التاريخي. فقد تعددت اهتماماته بالمطالبة بفتح المحاضن لتيسير ظروف حياة الأمهات العاملات والمناداة بإعادة النظر في حقوق النساء العاملات، ثم كان الإلحاح على حق المرأة في الانتخاب سنة الاستقلال. على أن هذا النسق المتصاعد كان أشبه بالمخاض الذي أفرز الاتحاد الوطني للمرأة التونسية في تونس سنة 1956والذي أضاف إلى المطالب الأولى مناداة بحق تعليم المرأة وحق الظهور وإبداء الرأي.
وبالنظر إلى هذه المسيرة الحافلة للحزب الشيوعي في شقه النسائي يتجلى عسر تأسيس المرأة لموقع تاريخي مستقل تنعكس عبره ذاتها الفاعلة كما كان شأن أبطال معارك التحرير وأنصار الحريات من الرجال. فالجامع بين هؤلاء النسوة هو انخراطهن الأسري؟ في هذه الحركات، فهن زوجات وأخوات وبنات رجال الحزب وفي ظلال العلاقة بين السياسي والأسري يخفت إشعاع المرأة ويصبح مصيره متعلقا بوضع من تتْبعه داخل الحزب ولعل ذلك ما دفع الباحثة إلى إغفال سيرهن الذاتية فأهميتهن التاريخية كانت قيد علاقتهن بالحزب وتبعيتهن لنشاطه السياسي.
وبقدر ما انكشف لنا عسر معركة تحرير المرأة كان دبيب الفخر في نفوس الحاضرين ممتعا لما بلغته المرأة التونسية من استقلالية وثقة بالنفس وإرادة حرة خاصة.
نظّم اللّقاء فريق البحث في الذّاتيّات والأنواع الاجتماعيّة وفريق البحث في التّاريخ والنّساء، وحضره العميد الأستاذ الحبيب قزدغلي والأستاذة دلندة الأرقش والأستاذة رجاء بن سلامة وغيرهم. وقد كانت بيننا تلك الفتاة الأبية التي هبت فيها وطنيتها منذ ثلاث سنوات، ودون اتباع أو اقتداء وقفت في وجه أحد أعداء الحرية لتحمي راية قضى الكثيرون والكثيرات نحبهم من أجلها.

 كذلك تخط المرأة التاريخ بعطر الورود وترسم بيديها أيقونة للصمود.. فهنيئا لكن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق