ثلاث سوريات حزينات / رستم محمود

[الكردية

كان ذلك في أوائل السبعينات، حين لم ترضَ بناتي أن أذهب بثوبي الكردي الكامل. كان ردي حازما، سيُسعد محمد نذير لرؤيتي بالشال الكردي المزركش، خصوصا أنها الزيارة الأولى له منذ اعتقاله. نتجادل طويلا، ثم يقنعونني بأن أهل الشام هناك، في ذلك المكان البعيد عن شمالنا الشرقي من البلاد، «سيهزأون من ملبسك الكردي يا أمي». كدت أن أنصاع لهم على مضض، رغبة في تأجيل كل شيء، فالحنين إلى إبني البِكر، الذي لم أره منذ أكثر عام، كان يغلب كل شيء. فجأة انتابتني تلك العبارة التي لا تُرد «لكن الطريق من هنا إلى الشام طويلة وشاقة، وأنا لا أرتاح إلا بثوبي الكردي»، وذهبت بكامل هيئتي وهيبتي الكردية.

جئتك يا بني بكوفيتي البنية وشالي الأبيض المزركش بحوافه الذهبي، بفستاني الفضفاض وشدة الظهر، التي ربطت بها قماطتك حين كنت صغيرا، أتيتك بكثير من الأشياء والهدايا والحكايات التي نسجتها حين غيابك، والأهم أني أتيتك بأنفاسي وضمة صدري، التي أعرفك لا ترتاح إلا لها، ولا أريدك يا بني أن تشغل روحك بطول الطريق، نعم لقد كانت طويلة وشاقة، صحارى وسهوب ومدن وأناس كثيرون، يوم كامل، بنهاره وليله، وأنت تعرف ما يعنيه يوم سفر كامل لمن لم يخرج من قريته من قبل قط، وفوق ذلك ما يعنيه نهار كامل لأم ذاهبة لترى فلذة كبدها، المسجون لرأيه في أحوال البلاد، كادت أنفاسي أن تخلص وما كان ذلك الطريق يخلص. تذكرتك كلك ولم يخلص ذلك الطريق، يوم ولادتك وبسمتك الأولى، طفولتك ويومك المدرسي الأول، يفاعتك ومشطك الأول، صباك ويوم نجاحك، سفرك للدراسة والزوادة الأولى التي أعددتها لك مسافرا، شبابك وربطة عنقك يوم عرسك، لو تعرف يا بني ما يعنيه أن تتذكر أم يوم عرس إبنها البِكر.

أخيرا وصلت، وما خشيت السجان قط، أبداً لا تخف يا بني، فأمك كما تعرفها، لم تكن تخاف حتى الذئاب، التي كانت تهاجم القطيع في قريتنا؛ لكن لا أعرف لماذا كانت ركبتاي ترتجفان، صدقني لم تكن خشية أو رهبة من شيء، كان لُهاف الحنين الحراق يا بني ليس إلا.

مضت ساعتان ولم يأتوا لي بك يا نذير، صليت في قلبي أكثر من أربعين ركعة خشوعا، ولم يأتوا بك. أخيراً أتاني أخوك واجماً مصفر الوجه، لن أقول لك ما جرى بي حين رأيته، حتى قال جملته تلك دفعة واحدة «رفض نذير أن يراكِ يا أمي، أخبره مدير السجن بأنه يجب أن يحضر بينكما مترجم، فالكردية ممنوعة التحدث بها بشكل مباشر في السجن يا أمي، وأنت لا تعرفين غيرها، لذا رفض نذير ان يراك، فقد قال لمدير السجن أنه من المستحيل أن يحادث أمه عبر مترجم».

عدت في الطريق الطويل نفسه من دون أن أراك يا حبيبي، حزنت كثيرا وبكيت، لكن والله لو كنت قبلت أن تحادثني عبر مترجم، لحرمتك من رائحة أنفاسي ما حييت.

[السريانية

لقيته على درج كلية الهندسة في جامعة حلب أول مرة، تبادلنا نظرات سريعة، لم تزد عن الوقت الذي يحتاجه أحدنا لينزل من أعلى الدرج لأسفله، فالنظرات كسمك البحيرات الباردة، تهرول دوما.

باقي أيام دراستنا الجامعية كانت مجرد وقت فاصم لترتيب الأحلام التي تنتظرنا، بيتنا الذي سيكون، بألوانه وتقاسيمه ورائحته، أولادنا وأصدقاءنا وأعمالنا وتطلعاتنا وعاداتنا اليومية التي تجب، كيف سنشرب قهوتنا الصباحية، أي منا سيعتني بالحديقة صباحا، وأي منا سيجهز حقائب أطفالنا الذاهبين إلى مدارسهم. رتبنا كل أحلامنا وكأننا طفلان قرويان قادمان لأول مرة لسوق المدينة. فكل تفصيل كنا نحياه، كان يفتح حكاية كبيرة حول ما يجب أن يكون عليه هذا التفصيل مستقبلا، كنا نحيا الآتي، وكأننا غيمتان تظللان هذا المكان، وستمطران في مكان آخر تماما.

أكثر ما كنا قد رتبناه في ذواتنا هو المدينة وناسها، فانا إبنة ناشط سياسي عتيق، لا تغيب عني أيام كان أبي معتقلاً لرأيه، إبنة محام يعيش مع الناس كل معضلات حياتهم ومنغصاتها، وهو كان حفيد تاجر قمح أعتق، كانت رائحة القمح قد جعلته أسير مدن القمح الكثيرة: ماردين، أورفا، حلب، والقامشلي «زالين»، وإبن المحاسب البيروقراطي ومديرة المدرسة، التي كانت تعرف أطفال المدينة كلهم. لم تكن هذه المدينة التي تخيلناها بشوارعها وناسها وبهجتها وأحلامها شيئاً خارجاً عنا، كانت مدينة «القامشلي» هويتنا السريانية، التي لم نتعد غيرها كتعبير لذواتنا.

جرى كل شيء تقريبا كما كنا قد رتبناه، ببعض الصعوبات والغصات والعثرات، لكنها الحياة أيضا، لا طعم ولا معنى لها دون ذلك، وهل من بهاء للفخار دون لون النار التي صمدت في وجهها.

بات لنا بيت وشبه حديقة، جيران أحباء وكثير من الأصدقاء الذين لا وقت لنا دونهم، بات لنا عمل واستقرار مالي وحياتي، وفوق كل ذلك بات لنا ثلاث جميلات بجدائل مشرقية وعيون آشورية وسيعة، يسميهن أحد الأصدقاء «بوابات الجنة الثلاث».

لم تكد حياتنا أن تغدو حياة، حتى اضطر الذي رأيته على درج الجامعة أن يهرع هارباً من المدينة والبلاد، فقط لأنه كان مع الذين يحبهم في ثورتهم التي ذهبوا في سبيلها باسمين.

هو هناك في البعيد القريب، وأنا في المدينة ها هنا مع بناتي الثلاث، لا نريد أن نغادر، لا نريد لأولادنا أن يشربوا من غير ماء هذه المدينة، ولا نريدهم أن يلعبوا إلا في حواريها، لا نريد أن نمتع نظراتنا بزهور حدائق الآخرين، بينما تعذبنا ذاكرة حديقتنا، التي كانت. لا نريد أن نكسب أجسادنا فيذبح الحنين أرواحنا.

أحيانا كثيرة، حينما أهيم في أعمالي المنزلية، ويأخذني الشرود بغوايته، أرتدي واحدا من قمصان الذي رأيته أول مرة على درج جامعة حلب، قمصانه التي تركها كلها في بيتنا، حيث رائحته العالقة بكل أنملة من تلك القمصان، تعوض كل سهد الليل وأحزان النهار؛ وكذلك هي رائحة المدينة بالنسبة لعذابات أحوالنا.

[الشامية

كنت في الصف الثاني ربما لما بدأوا بحفر ذلك المكان، وبعد كل هذه السنين التي تجاوزت أربعة عقود، لم ينهوه حتى الآن، وفوق ذلك لم أعرف لما سموه ب»مجمع اليلبغا» وما تعنيه هذه الكلمة بالأساس.

بالقرب من ساحة المرجة الشهيرة، وعلى الكتف الأيسر لنهر بردى الذي يصل وسط دمشق، بالضبط هناك جهزوا المكان ليغدوا «أكبر مدرسة إسلامية في العالم»، كان ذلك في بدايات عهد الأسد الأبد، الذي كان يريد أن يكسب أية شرعية كانت.

لي ذاكرة خاصة بذلك المكان، فقد كان باصنا المدرسي يمر من هناك على الدوام، كما أنه كان المكان الفاصل بين بيتنا وسوق الحميدية، حيث كان محل أبي التجاري هناك، وكذلك كل المتاجر التي شردت بها مخيلاتنا أيام الصبا، فقد كانت التجسيد الوحيد لحكايات الأمهات والعمات والجدات عن النساء الشاميات.

تحول ذلك المكان الشامي العتيق، بسوقه ومطاعمه ومقاهيه وممراته الحجرية وحماماته التركية القديمة، تحول إلى بركة مياه آسنة، تغزو برائحتها كل الحلقة المحيطة بها، وما كان باص الأطفال يمر بالقرب من هناك، حتى كان الكل يغلق أنفه وينظر بصمت إلى الآخرين.

فجأة قامت كتلة اسمنتية ضخمة هناك، مستقيمة شاهقة، بعشرات الطوابق، كان أمرا غريبا أن تُبنى مدرسة إسلامية كبرى بفن بنائي سوفياتي، أو بالضبط بذاكرة أبنية السجون السوفياتية. فعلى طول الأوتوسترادات الثلاثة وساحة المرجة، كان يطل ذلك البناء الغليظ العنيف بطلته، مجرد كتل من الاسمنت مرمية على عجل فوق بعضها البعض، من دون حركة أو إضاءة أو تميز، حتى أننا كلنا فشلنا في عد طوابقه، فما أن نصل الطابق العاشر، حتى كانت رفوف الطوابق تتمازج في أذهاننا.

طوال سنوات كثيرة، بقي ذاك البناء كما هو، لم يتحرك في أي شيء، لم يحدث فيه أي وشم. لا يعرف ملايين العابرين في ظلاله كل يوم، سوى أنه «بناء اليلبغا»، أمضيت سنوات الطفولة الصبا واليفاعة والشبوبة والبلوغ والارتباط والعمل والزواج والإنجاب والسفر والغربة، وتغير كل شيء في جسدي وروحي وأفكاري وظنوني ومخاوفي وأفراحي، ولم يتغير أي شيء في ذلك البناء الضخم. كان سوقا عامرة، تحول إلى بحيرة ماء آسنة، وثم كتلة صماء اسمنتية محضة.

كان ذلك المبنى تجسيداً مثالياً ومكثفاً لسوء السؤال وفجاعة الصنيعة، لتحطيم الخيال وابتزاز حضور الاستبداد الصباحي، في حيوات كل الدمشقيين، تحطيما لذاكرتهم وبناء لسلطة الاستبداد المجردة.

كالذي جرى فيما بعد، لم يكن ذلك البناء سوى محرض لخيال المفكرين بالانتحار، مكان شاهق مستقيم، مليء عند قدميه بآلاف المتجمهرين، الصاخبين الساخطين الصامتين.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق