الذكورات المنبوذة: أبوسعدية وأمثاله (ج2)

يشكل العنف اللفظي المتبادل بين الرجال مظهرا من مظاهر النسق الاجتماعي المبني على الهيمنة الجنسية، فالفحش والوقاحة اللغويان لا يفلتان من المركزية الذكورية التي تحتكم إليها اللغة بل إن المفردات النابية وإن كانت منبوذة ومذمومة فإنها ثابتة باستمرار تداولها وذلك لاحتلالها مراتب قيمية بحسب شحنتها الجنسية. وبين المراتب الدالة على اللواطية والخنوثة وتلك المتعلقة بالنهم القضيبي والمجون الجنسي (كازانوفا وزير النساء) تشهد الألفاظ تفاوتا في نسب الاستعمال إذ أن ما يحيل على ضعف منسوب الذكورة أعنف من الاتهام بالشبق الجنسي وبين المرتبتين تتنزل مراتب قيمية أخلاقية تنطوي على رمزية جنسية مثل “القوّاد” في اللهجة التونسية المحلية والتي تعني الواشي الخائن عميل المستعمر وتطلق أيضا على حامي المومسات والمشرف على إدارة أعمالهن. وقد بات استعمال مثل هذه الصفة قليلا لابتسارها الدلالة الجنسية السالبة حتى يكاد ينحسر تداولها في فئة الأطفال وهم يلوحون إلى اتهام بالوشاية ومشروع رجولة فاشل. وينطبق انحسار التداول على صفة التياس أيضا وذلك بورودها في سياق الثلب مع غياب المذموم بل إن شرائح واسعة من مجتمعنا التونسي تجهل دلالة اللفظ وإن استشعروا الاتجاه السلبي لمحمولها، وهي لدى المشارقة متصلة بطبقة المشتوم إذ تخص ذوي المناصب العليا لا سيما من كانوا ساسة فاشلين ولكنهم يكابرون وينكرون، مما يجعلها خاوية من الدلالة الجنسية. فأي انزياحات دلالية شهدها هذا اللفظ حتى كاد يغور دالا ومدلولا من معجم العيوب؟ وأية ضغوط تجعل الذاكرة اللغوية المتعلقة بانفعالات الاجتماع الإنساني تقرن أسماء دون أخرى بغير مسمياتها، فيكون التياس خارج دائرة المحرم اللغوي ويستعمل في المنابر الإعلامية والسياسية دون حرج بينما يبقى الديوث واللواطي من التابو اللغوي في الفضاءات الأنيقة وأكثر تداولا في فضاء اليومي؟

 

ـ التياس شر لابد منه

يكتفي بعضهم بوصم خصومهم بصفة “التياس” مكتفيا به عن المعجم السالب للفحولة الجنسية، فإذا هو الدال الجامع المانع الذي يشي صوتيا(همس ورقة التاء والسين) بصفتي الرخاوة والانكسار، وتشتد حدّة هاتين الصفتين بالنظر إلى المعنى الذي يؤديه وزن صيغة المبالغة “فعّال” فهو بذلك بالغ الدرك الأسفل من الفحولة بالتخلي الدائم عن الصلابة والخشونة مما يضعه في مرتبة الذكر المنبوذ الفاقد لامتيازاته الاجتماعية. وتفريط التياس في هذه الامتيازات يعود إلى وقوعه بين فكي الإرادة الإلهية والمشيئة البشرية.
فلو نظرنا إلى دلالة المصطلح الفقهية يتبين لنا إدراج علماء الفقه ل“التياس” أو التيس المستعار أو المحلل ضمن باب الأنكحة المحرمة أو هو في مصاف حكم الطلاق، البغيض إذ روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم “لعن الله المحلل والمحلل له”. وإقحام المحلل في دائرة الملعونين تتضارب مع التجويز الإلهي لهذا الدور في قوله: “فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنّا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون” . فورود الزوج المحلل في الآية كان أحد الحدود المفروضة ضمن أحكام الطلاق لتقييد حق الرجل في الطلاق العشوائي حفاظا على الاستقرار الاجتماعي. ففي الطلاق الثالث وجب نكاح الزوجة رجلا آخر وطلاقها منه لتحلّ عودتها إليه. غير أن التضارب بين هذا الحد الإلهي والحديث النبوي يزول بإدراك تباين شروط هذه الزيجة مع تمثلاتها في الواقع. فالمحلل وإن تضمن لغة وشرعا حكم المنجز للحلال فإنه مدعو في نهوضه بهذا الدور إلى نية تأبيد الزواج وعمل المعاشرة الجنسية للزوجة، أي أن لا يكون زوجا صوريا مثلما توضحه الرواية التالية: “حدثنا سعيد بن عفير قال: حدثني الليث قال حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته، أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبتّ طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإنما معه مثل الهدبة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقين عسيلته“. تلك الصورة المجمع عليها والتي تلقى في نفوس الأزواج نفورا فكيف للمطلق أن يرضى بتمكين زوجته أو إعارتها وهو الراغب في ردّها بعد طلقة ثالثة وما ضمان امتناع جريان الهوى بينها والمحلل فلا تزمع على البقاء معه، وأين يمكن العثور على رجل يقبل بأن يكون جسرا مثلما يدعوه بعض المشارقة (كوبري) مسلوب الإرادة.
ذلك هو المأزق الذي يمثله هذا الزواج الكريه إلى حد إطلاق الرسول صفة التيس المستعار عليه،إذ ورد”في (سنن ابن ماجة) من حديث عقبة بن عامر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له” خرجه ابن ماجة في: النكاح، 33- باب المحلل والمحلل له“.
ويتوضح من خلال هذا الحديث الحد الإيتمولوجي الاشتقاقي والأبعاد الثقافية للتياس فهو أشبه بذلك التيس الذي لا تخبو شهوته وكان يؤتى به ليعايش قطيع الشياه جنسيا ثم يعزل عنها إبان اكتمال المهمة، ولا يخفى ما تنطوي عليه صورة الفحولة الجنسية الموضوعة للعرض والطلب من انتهاك لشرف هذا الامتياز الجنسي وترديه إلى مرتبة بائعة مسيحية؟ الهوى بما تحمله هذه الصفة من شحنة أخلاقية سالبة. إضافة إلى دلالة التيس المسيحية فالتيس المستعار يتجانس صوتيا ووظيفيا مع التيس المختار في سفر اللاوين وهو إما حمّال خطايا بني إسرائيل إلى البرية أو قربان التكفير وطلب الصفح .وبين صورتي التيسين تتجلى مراحل طقس انفصال وهو طقس عبور يمر من زمن تمهيدي يمثله حدث الانفصال بثلاث طلقات وهو ما يشاكل ذنوب بني اسرائيل التي وجب التخلص منها. ثم يكون الزمن الاستهلالي الذي يظهر فيه التيس وفي هذه المرحلة وقوف على العتبة أو هو الهامش الفاصل بين وضع قديم وآخر جديد ولذلك يكتسب التيس صفة الهامشي أو الدابة المستخدمة لبلوغ مرحلة اختتامية تنتهي خلالها مهمة التيس بضياعه في البرية أو بمفارقة المحلل غير مأسوف عليه مما يسبغ عليه صفة الغبي الجاهل التي تطالعنا في الإحالات المعجمية للفظ تيس:”تيس في سفينة“.
ورغم الوظيفة الدينية والاجتماعية لل”تياس“فإنه يشكل مصدر تشويش اجتماعي باحتمال انحرافه من الهامش إلى محور العلاقات وذلك في حال رفضه تطليق الزوجة أو تحول الزوجة إلى فاعلة في الأحداث بتفضيل المحلل على مطلقها، وبذلك يمسي الزوج على هامش الطقس أو عتبة طقس العبور نحو الزوج الجديد. واتقاء السقوط في هذه المزالق أصبح من الشروط الاجتماعية للمحلل أن يكون غبيا غفلا ـ بوهالي وتيّسوا به ـ فيرفع عن المحلّل له عبء التندّر به ويحميه من شر انقلاب السحر على الساحر.
وبذلك يكون التياس إما منافقا خبيثا مستغِلا أو غبيا مستغَلاّ، وفي كلتا الحالتين هو دور مغاير للدور التقليدي للرجل الزوج، فالمرأة في هذا الوضع لا يمكن أن تتمثّل الصورة النمطية للزوجة التقليدية وهي تدرك أنها تخوض تجربة ظرفية يتقلص فيها دور تيسها المستعار إلى الوظيفة الجنسية، بينما يحتل الرجل المطلّق والمشرف على الصفقة مرتبةَ”الديوث“وذلك لتفريطه في محدد الغيرة وترتيبه لوقوع الخبث في من يزمع على إبقائها ضمن أهله. وبالنظر إلى هذه الشبكة العلائقية تلفي الزوجة نفسها أمام ذكورات منحرفة تسيّر عملية بغاء شرعي مذموم، فإما أن تنخرط في قوانين اللعبة وإما أن تزيغ بالبقاء مع المحلل. أما اللاعبان فمهددان بضرب من الخصاء الرمزي الناجم عن قرار الزوجة، فالبقاء مع أحدهما يقيه خطر الطرد خارج دائرة الرجال بينما يهدد الآخر بسلب امتيازاته الذكورية. وبالتالي تمسي المرأة في موضع قوة باضطلاعها بوظيفة إخصاء خيالية رمزية، وتتأكد الرمزية الجنسية السالبة لدال”التيّاس“إلى حد التماهي مع دوال أشد فحشا واطرادا من قبيل” طحّان“بما تحيل عليه من شطب الفحولة أو تشويه الهوية الجندرية للرجل.
غير أن اللافت للانتباه هو أن هذا الوسم اللغوي أضحى من الشوارد فقد قلّ من أدرك دلالته الفقهية وإن استشعر محموله البذيء لا سيما وأن مجتمعنا لم يعد في حاجة إلى تيس مستعار مذ تغيّرت قوانين الطلاق وسحبت من دائرة الحقوق المفوضة للرجل وأدرجت ضمن الإكراهات البغيضة. ونظرا إلى ذلك شهد هذا اللفظ عدولا في استعماله من السياق الجنسي إلى السياق السياسي والفكري فإذا به يتردد من جديد ليُطلق على رجال السياسة والاقتصاد وغيرهم ممن يمسكون بدواليب السلطة إبان ثورات الربيع العربي، بل شاع استعماله في انتقاد لآداء هياكل سياسية بعينها:”حزب يتيّس بحزب آخر“و”جيش يتيّس بالأحزاب الكل“.. أما الزوجة المنكوحة فهي سلطة الحكم والنفوذ التي يتصارع الجميع من أجلها.. 

 

ـ من التياسة الاجتماعية إلى التياسة السياسية

بسخريته المعهودة خطّ أحمد مطر مسيرة”التياس“السياسي وذلك في قصيدة بعنوان”التيس أيام الدراسة“، فقال:

”كان تيساً منذُ أيامِ الدراسةْ“

كان تلميذاً غبياً في علومِ البحث ِلكن ..

في علومِ الخُبْثِ بحرٌ من نجاسة

كان يهوى سرقة الأقلام مِنّا …

ليس من فقر ولكن

هو حبٌ في الخَساسة”

كان تيساً ذا قرون

وترقّى في مجالِ اللّؤم حتى

صارَ أهلاً للتياسة

ورآه ( القومُ ) ذا قرنٍ قويٍ وخبيثٍ ..

فتبنّوه ككلبٍ للحراسة

وهوَ ما يعني ( امتيازاً ) في ميادين السياسة

ثمَّ في غفلةِ شعبٍ أجلسوه …

فوقَ كرسيِّ الرئاسة

في أشد لحظات الالتزام بقضية الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي تشتد سخرية أحمد مطر من فساد رجال السلطة، سخرية تستحيل رسما كاريكاتوريا مثلما تعكسه لوحة التيس أيام الدراسة. وبين التيس والتياس وجوه ائتلاف عديدة فهو الغبي الخبيث الذي لا ينجح في إثبات جدارته إلا بالاستحواذ على موقع غيره، فيتزوج “التياس” المطلقة محتلا منصب المطلّق، ويفتك “التيس” أقلام غيره ليعوقهم عن الدراسة ويحمي نفسه من تهمة الغباء، علاوة على ما يحمله القلم من رمزية جنسية تجعل التيس خطرا على معايير الهوية الجندرية الذكورية وتصمه ب“الخساسة والنجاسة”. ويكتمل فعل العدول بين الصورتين عندما “تبنوه كلبا للحراسة” لامتلاكه قرنا قويا خبيثا، فالتبني هو معادل الاستعارة والحراسة هي معادل زواج التحليل أما المقصى في الصورة فهم من فقدوا أقلامهم أو من أُكرهوا على تطليق السياسة. وإذا بتيس الدراسة يتربع كرسي الرئاسة مثلما يتحول التيس المستعار إلى رب البيت ليكون نكاحا فاسدا وإن اكتسب الشرعية القانونية أو الفقهية.
هكذا تصير التياسة صفة ذكورية منبوذة تقترن بالنجاسة والخساسة وقلة الكياسة أو بالأحرى هي دال يسحب عن الذكر رجولته بما هي جملة المحددات الأخلاقية الموجبة في الثقافة العربية، مما يجعل التياس رديف فاقد الرجولة أو المتاخم لهوية المرأة الجندرية. وبالنظر إلى قولهم: “قلنا تيس قالوا احلبوه” يتأكد معنى نبذ الذكورة المجسّمة في التيس، إذ بقدر ما يحيل عليه معنى المثل الحقيقي من دلالة طبيعية على استحالة حلب التيس فإنه يكشف مجازا عن عقم وانعدام نجاعة التيس، إذ الحلب خاصية أنثوية تتعلق بدورها الحيوي بيولوجيا ويعجز من كان بأخلاق التيس أن يتمثل رمزيتها، فلا هو الذكر الفحل المرغوب ولا هو الأنثى الخصب الحلوب.

خاتمة:
لم يكن بحثنا في الذكورة المنبوذة إلا اجتراء على اقتحام الذاكرة المنبوذة التي تتوفر على صور تقطع مع الذات الذكورية بصيغة المفرد، فهي ذكوريات متفاوتة في علاقتها بالنمط وتمثلها لمحددات الذكورة. ولئن مثلت تجليات الذات المسطورة غالبا انعكاسا لسيطرة مركزية القضيب Phallocentrisme ومحاولة تجاوز الخصاء الثقافي الرمزي الذي يجعل المحلل مثلا ذكورة منبوذة، فإن تجليات الذات المنطوقة بما تحمله من مؤثرات صوتية وإيمائية ـ في شجار مثلاـ تكشف عن خطورة التصنيف الذكوري إذ يعري الشروخ التي توشم صرح الفحولة.
ولعل ذلك ما يفسر سرعة تحول مجرى العنف بين الذكور من الاعتداء اللفظي بتبادل شتائم تخص الذكور إلى أخرى تتعلق بقريباتهم وتستحث فيهم صفات الرجل الغيور الحامي لحريمه، أو أن ينقلب إلى عنف مادي يثبت أحد أهم محددات الهوية الذكورية وهو القوة الجسدية دون اعتبار نتيجة الصراع فالأهم كما هو متداول في الثقافة الشفهية : “نَاكِل ونْوَكِّل”.
إذن، لاشك أن استمرار فعل ذاكرة الذكورة المنبوذة قرين العنف الذي يستهدف الهوية الجندرية والذي يسلط على الرجل والمرأة على حد السواء علاوة على أنه شكل من أشكال إسقاط ذلك الفعل التفكيكي الذي تود الذات ممارسته وهي تعيش يوميا إكراهات الخضوع للهوية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق