الإرهاب والكتاب / منصف المزغني

1-
لا يعاني الكتاب الورقيُّ من الإهمال عند العرب وحسب ، وَلكن يحتلُّ إهمالُ العرب للكتاب موقعَ الصدارة بين الشعوب قاطبة .
فالكتاب غريب في البيت العربي ( مثل الكاتب في أسرته، ووطنه ) . والمكتبة ذات الرفوف المخصوصة لاستقبال الكُتُب هي عادة لا تعرفها زوايا بيوت العرب ، وهي تصميم غير مألوف لدى النجّار العربيُّ . والكتاب مطرودٌ من قائمة المشتريات في السوق العربي، و الأرقام العالمية تؤكد هذه الحقائق دون عنصرية ضد العرب ، فأمّةُ “اقرأ” لا تقرأ. 

2-

ولا إرهاب مثل الجهل ، ولا إمكان لدفعه عن العقول إلاّ بالمعرفة المخزونة المحضونة في الكتاب الذي حافظ على نقل العقل والعلوم ،و فيه تمّ تدوين مسلسل الجدل الإنساني الدائر في معارك اهل الفكر والعلم ومعارفهم حيث الفكرةُ تقارع الفكرةَ المضادةَ .

3

لقد تكرّرتْ مساعي الغرب الاوروبي عامة لفهم العَرَب والمسلمين بعد كلّ أزمة مربكة أو حادثة مزلزِلة ولعلّ ابرز هذه المحاولات كانت في مثل هذه المحطات : .

أ – الثورة الإيرانية (التي آوت پاريسُ زعيمَها الخميني ) أثارتْ قضية “الاسلام وإنتاج الثورة الشعبية” .

ب- قضية “الاسلام والمقدّس وحرية التعبير” أثارتها“حادثة” إصدار الكاتب سلمان رشدي لروايته ( الآيات الشيطانية ) وقد جلبتْ عليه فتوى إهدار دمه من الامام الخميني .

ج- أحداث الحادي عشر من سبتمبر أثارت اشكالية “ الاسلام الذي اقترن بالإرهاب” .

د- حادث ،شارلي ايبدو“الذي هز باريس يوم 7 جانفي 2015 أثار سؤالا عن” حدود حرية التعبير “

 خلال هذه الحوادث – المحطات الكبرى ، كان الغرب يحارب ويناور ويخطط في المنطقة العربية الاسلامية ، ولكن الأهم هنا، انه يريد ان يفهم ،وينفق الكثير من الجهد الماليّ على المعرفة في هذا الباب ، ويعتبرها ضمن المجهود الحربيّ المعرفيّ ، و لا يُستَثنَى المستشرقون ( أحبّوا أم كرهوا ) من الخدمة العسكرية الثقافية في هذا الباب، فلطالما استُعمِلتْ بحوثُهم واستنتاجاتهم لخدمة الاستعمار.
4

لقد تمثّل حادث شارلي ايبدو في إطلاق الرصاص الحيّ على اصحاب أقلام الرصاص من فريق مجلة ، ولأنّ اغتيال الصحفيين أمرٌ جَلَلٌ ، لارتباطه بالحرية والرأي ،فقد نجمتْ عنه نقاشاتٌ في الشارع والبيت ووسائل الاعلام المتنوعة ، وتلا هذه النقاشاتُ أكثرُ من ردّ فعل ،. واذا كان لا مجال لإنكار عنصرية بعض الغرب ازاء المسلمين والعرب وغيرهم ، فلا مجال، أيضاً لإخفاء الصفة الغالبة على الغرب الممثلة في كونه وفيّا لتقليده في تقدير المعرفة وأهل الاختصاص ومصنّفي الكتب .
وأهمُّ ما يهمّ هنا ، هو : أنّ الكتاب كان مستفيدًا من هذه المجزرة المخزية .

5-

الغرب يريد ان يفهم ، ولا يستطيع الرأي العام الغربي أن يستوعب كبريات الأحداث من خلال الإذاعة و التلفزيون والجريدة فقط ، ولكن بالقراءة المعمّقة التي يوفّرها الكتاب ، فهو الذي يفصّل ويتوسع في الجواب عن أسئلة من نوع : ما هو الاسلام ؟ ومن يكون الرسول العربي محمد؟ علاقة الاسلام بالأديان الاخرى ؟ و أين كتاب القرآن ؟

لقد اعترف صانعو الكِتابُ تأليفًا وتصنيفًا ونشرًا وتوزيعًا ، في أوروبا عامة وفرنسا خاصة بأنهم استفادوا من حادثة”شارلي ايبدو“، وذلك من خلال حمّى الفضول التي انتابت القراء من الناس العاديين وقد صاروا يبحثون في المكتبات عن” القرآن “، ويسألون عن الترجمان الأجود لمعاني القرآن العربي إلى الفرنسية .

7-

ختاما ، قد يكون الاعتذارُ واجباً لصانعي فيلم”الإرهاب والكباب“، فما قصدتُ سرقةَ أية فكرة من الفيلم . أنا كنت أبحثُ عن عنوان لهذا المقال الذي لا نوايا فيه غير أن يصبح الكِتابُ رفيقًا مساعدًا على هضم”الكباب” . 

عن مجلة دبي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق