«الأصوات» فيلم مارجان سترابي.. الفانتازيا بين الرعب والكوميديا / ايمان حميدان

اختارت المخرجة الإيرانية الفرنسية مارجان سترابي لفيلمها الأخير «الأصوات» (2014) The Voices أن يكون أميركياً رغم أن فريق العمل لم تطأ أقدامه أعضائه أميركا، وصُورت مشاهد الفيلم وسط ديكورات ضخمة في برلين ليأتي المكان نسخة عن بلدة ميلتون في الغرب الأوسط من أميركا.

لا بد أنه تحدٍّ كبير أن تقوم مخرجة إيرانية وقفت بين المخرجين الكبار في فيلمها الأول بيرسيبوليس بإخراج فيلم بعيد عن (بل قاطع مع) تجربتها السينمائية المبكرة، بخاصة أن مارجان سترابي لم تكن مخرجة أفلامها الاولى فحسب بل كاتبة لسيناريو الفيلم او مشاركة في كتابته أو حتى ممثلة فيه. قام بكتابة سيناريو فيلمها الأخير الكاتب التلفزيوني الأميركي مايكل بيري، وهذه هي تجربته الثانية في الكتابة السينمائية بعد سيناريو فيلم رعب بعنوان «نشاط فوق الطبيعي 2» (2010).

رجل يُعاني من اختلال نفسي، ويستطيع أن يجد مكاناً له في العمل، ويخاطب حيواناته، وحيواناته تردّ عليه وتحادثه، ويقتل زميلات له ويقطع جثثهن، ويضع رؤوسهن في البراد، ويتذكّر أمه التي تعاني من مرض نفسي يجعلها تعتقد أنها تتحدّث مع الملائكة، وحين تحاول الانتحار ولا تنجح يساعدها في وضع حد لحياتها بذبحها، ليتحوّل القتل في حياته الى ما يشبه رسالة مساعدة للآخرين أو هكذا يحاول إقناع نفسه وسط صراع يومي تغذيه أصوات الحيوانات التي تعيش معه في شقته. نعم هذا كله في فيلم واحد. انه مزيج مركب نجحت مارجان سترابي في جعله فيلماً جذّاباً يخرج منه المشاهد وهو يتأرجح بين بهجة حاولت مشاهد الفيلم الأخيرة الملونة والراقصة إثارتها، وبين قلق طفيف وحاجة لمقاربة أكثر طزاجة في رؤية ذلك الخيط الرفيع بين الواقع، كما يراه السواد من الناس، وبين واقع خاص ومختلف يقترب من الفانتازيا ويدفع صاحبه، المستسلم لهشاشة على حافة الجنون، إلى ممارسات مرعبة.

ميلتون النموذجية للفصام

يبدأ الفيلم بمشهد عام للبلدة ميلتون في ولاية ويسكنسن الأميركية. مشاهد داخل مصنع كبير لمغاطس الحمامات. الشاب الخجول المهذب جيري هيكفانغ (لعب الدور الكندي ريان رينولدز ببراعة فائقة) يعمل في المصنع بعد خروجه من إصلاحية التأهيل ويقوم بأعمال بسيطة لا تتطلب تركيزاً أو ذكاء مميزاً. تتابعه طبيبة نفسية بأمر من المحكمة وأهم عمل عليها القيام به هو التأكد أن جيري يواظب على تناول أدويته بشكل يومي.

جيري هو نموذج الأميركي دون المتوسط: بيت متواضع يشبه ببنائه الجاهز المعمل الذي يقضي نهاره فيه، وظيفة لا بأس بها لمن هم في وضع جيري، هر، كلب، سيارة، وطبيبة نفسية. كل شيء يبدو تحت السيطرة طالما أن الشاب الذي يعاني من الفصام يتناول أدويته بانتظام.

لكن جيري توقّف عن تناول الأدوية ولم يقل ذلك صراحة لطبيبته. الأدوية تجعله يرى الحقيقة كما هي. يرى واقعاً قاسياً معزولاً لا أفق له. يستعيد ذكرياته مع أم تنهي حياتها وزوج أم عنيف. عدم تناول الأدوية يساعده في اختراع عالمٍ موازٍ للواقع، أجمل وأكثر ألواناً وبهجة كذلك يجعل منه هذا العالم الموازي أكثر تصالحاً مع نفسه، خاصة أن جيري وحيد في حياته ولا أصدقاء له، وها هو يغدو وسط صحبة تشغله وتملأ ليله.

يتحدّث معهما بشكل يومي. إنها الأصوات التي يسمعها والتي يدخل معها في نقاشات حادة، حول سلوكه اليومي في العمل، علاقته مع النساء وخاصة مع الجميلة الانكليزية فيونا التي تعمل محاسبة في الشركة أو مع ليزا الزميلة الأخرى. الأصوات هي عالم جيري الداخلي، ولأن سترابي أخرجت هذا الفيلم لا بد من كمية لا بأس بها من الفانتازيا، لذا تتمثل تلك الأصوات بحيوانات تعيش مع البطل في بيته، مع الهر النزق مستر ويسكرز والكلب الوديع بوسكو.

أصوات متناقضة هي مرآة للعذاب الداخلي الذي يعاني منه جيري. فكرة وجود كلب وهر يتحدثان مع البطل أخرجت الفيلم من نمطية كلاسيكية حول الصراع بين الخير والشر ووضعته في مكان جديد خارج التنميط الأخلاقي المملّ.

لكن رغم طزاجة الفكرة أظهر الفيلم في تقسيم دوري الهر والكلب نمطية اعتدنا عليها حتى في قصص الأطفال. دائماً الكلب يمثل الخير، وهنا نرى بوسكو الكلب الوديع يصرّ على أن جيري شخص جيد وينصحه بالابتعاد عن العنف أو القتل. أما الهر مستر ويسكرز فهو النقيض لبوسكو وهو الشرير ويحثّ الشاب على أن يكون شريراً وقاسياً وضد رئيسه وزملائه. الهر يقول له: «اقتل، أنت تحب القتل. في لحظة القتل تشعر أنك أكثر سعادة وأنك نفسك الحقيقية». لا تقتل! يعلّق الكلب بوسكو. صوتان متعارضان يرمزان إلى اختلالات جيري النفسية، فهو المصاب بالفصام الذي عاش تروما لم يستطع الخروج منها منذ كان صبيّاً صغيراً وهو محاولة انتحار أمه وطلبها منه المساعدة لوضع حد لحياتها.

الثقل النفسي الذي تعكسه أجواء الفيلم، لم يمنع الجمهور المدعوّ الى العرض الأول في باريس من الضحك حتى في أكثر اللحظات توتّراً حين يبدأ جيري حاملاً سكّيناً ضخماً، بتقطيع جثة زميلته فيونا التي قتلها خطأ. يضع أجزاء الجثة المقطعة بعلب بلاستيكية موضبة على رفوف المطبخ بعناية فائقة. اعتمدت المخرجة في تلك المشاهد التصوير من الخلف بحيث لم نر سوى خيوط الدماء تسيل على الأرض. هنا أيضاً يضحك الناس. يضحكون حين يحمل جيري رأس ضحاياه ويضعها في البراد ويحادثها ويشاركها فطور الصباح. ضحك الجمهور بدا لي كفيلم آخر يُعرض في الصالة، ولم أستطع الضحك!

براعة التصوير في الجمع بين لحظات رعب وكوميديا، والتي جعلت المشاهد يغرق في ضحك متقطع، تعود الى مدير التصوير البلجيكي مكسيم الكسندر المتخصص في تصوير افلام الرعب الا ان عمله مع سترابي التي تعشق صناعة عوالم فانتازيا ومرح في افلامها خلق من تعاونهما مزيجاً متخفّفاً من ثقل الرعب ونتائجه على المشاهد.

عبر تعاونها مع كاتب السيناريو مايكل بيري والممثل البارع رينولدز، نجحت سترابي في دوزنة أجواء الفيلم المتناقضة وتحركّت بمهارة بين الكوميديا والرعب وخلقت توازناً مذهلاً بين الواقع والفانتازيا مع خيط أساسي ألا وهو جرائم القتل التي قام بها جيري والتي كانت تُصوّر من وجهة نظر جيري المريض نفسياً. تحوّلت المقاربة في نهاية الفيلم إلى الاصطدام بالواقع، حينها تحوّلت عين الكاميرا المدهشة وسمحت لنا أن نرى الواقع المرعب لعالم جيري ومحيط بيته وحيواناته الصامتة التي لا تتكلّم أبداً! واللافت أن الأصوات التي كنا نسمعها كأنها تصدر من الهر والكلب قام الممثل ريان رينولدز بتسجيلها مما يظهر براعة أخرى في التقليد.

بعيداً عن البلد الأم

العرض الأول في باريس لفيلم «أصوات» كان بحضور المخرجة التي قالت إنّ فيلمها الأول بيرسيبوليس والذي رُشّح للأوسكار غيّر حياتها بحيث انهالت عليها عروض أفلام عدة من عميلها الأميركي ولم تشعر براحة إزاء مواضيع قدمت لها. أضافت أن الصحافة تحب أن تضعها في صندوق او أن يلصق بها «إتيكيت» مخرجة المرأة، أو مخرجة إيران، أو مخرجة الحيوانات. هذه المرة قالت إنها اختارت سيناريو فيلمها الأخير لغرابته ولأنه مختلف عما قامت به سابقاً وكان تحديّاً مسلياً وصعباً أن تصوّر هرّاً وكلباً كما لو أنهما يتكلمان. بدا كلام سترابي دفاعياً إزاء أسئلة كثيرة نشرت في الصحافة من نوع أين هي حالياً كاتبة ومخرجة برسيبوليس بعد أن ابتعدت في أفلامها الأخيرة عن مواضيع قريبة من عالمها الأول.

لكن هل حقاً ودّعت سترابي العمل في أفلام عن بلدها الأم؟ إذ أعلنت منذ خروج فيلمها الجديد أنّها لا تنوي العمل على سيناريو يتعلّق بإيران. هل هي طموحات المواضيع العالمية، أم بسبب أنّ لا أشياء جديدة تقولها عن مسقط الرأس كما ذكرت في إحدى المقابلات؟ لكنها وصلت للعالميّة مع فيلمها الأوّل «المحلي» برسيبوليس. ثم أن العالمية فضلاً عن جوائزها لا تحتاج فيلماً بسيناريو أميركي النكهة والمكان.

ما زالت أوروبا حتى اليوم بشقيها الغربي والشرقي تقوم بإخراج أفلام عن الهولوكوست أي عن جزء من تاريخها. والفيلم الذي حاز على جائزة الأوسكار لهذا العام لأفضل فيلم أجنبي (إيدا) هو فيلم أوروبي شرقي عن يهودية نجت من الهولوكوست. ودخل مخرجون إيرانيون العالمية من بابها الواسع حين قدموا أفلاماً تحاكي الواقع الإيراني. فيلم «انفصال» للإيراني اصغر فرهدي حاز على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي لعام 2012 بعد جائزة الدب الذهبي في برلين، وللمخرج نفسه فيلم «الماضي»، الذي حصد بعد عامين جائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان.

قد تكون المخرجة الإيرانية ابتعدت عن بداية مشوارها السينمائي القصير الا انها حافظت على نكهة عميقة من روح المرح والفانتازيا التي قدّمتها في أفلامها السابقة. هنا اجتازت امتحاناً صعباً لتخرج بمزاج كوميدي في فيلم معقّد كفيلم أصوات.

صحيح أنّ الملصق الدعائي يدعو إلى مشاهدة فيلم كوميدي أسود ممزوج بالتشويق. لكن الدراما تقبع خلف كل مشهد من مشاهده وسيشعر بها المشاهد. هناك مصير أسود ينتظر جيري الذي تحاصره الشرطة ويعيد المشاهد الى أرض الواقع إذ سيُقتل بسبب انفجار أنابيب الغاز تحت بيته. لكن سترابي التي لا تريد لفيلمها أن يأخذ منحى درامياً تختمه بمشهدٍ ساخرٍ على الطــريقة الأميركية. مرح في عالم كاذب يشبه فانتازيا جيري حين لا يتناول الدواء. يصعد جيري إلى الســماء وهناك يلتقي بأمه وزوج أمه وضحاياه الثلاث، يغنّون ويرقصون ويمجــّدون الموسيقى. مشهد ملوّن بلاستيكي كالبوظة الأميركية جمع كل من مات قتلاً بمن فيهم يسوع المسيح!

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-03-13

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق