الاستنساخ اليساري / عباس بيضون

ظل اليسار إلى يوم قريب بطاقة الدخول للمثقفين العرب وغير العرب، اليسار القومي واليسار الاشتراكي. لم يكن الفاصل واضحاً. قام اليسار بالتبعتين، حين نكصت الأنظمة القومية العسكرية عن التحرير وقعت المهمة على اليسار الاشتراكي الذي احتار بين الغايتين. كان عليه أن يتكفل بالتحرير وأن يحقق في الوقت نفسه الثورة الديموقراطية من ضمن النضال الاشتراكي. كان اليسار بطاقة المثقفين والتنظيمات اليسارية كانت بدقة تنظيمات مثقفين بينما بقي «الشعب» قاعدة تنظيمات شعبوية عائمة: تنظيمات المثقفين انتحلت لغة عمالية غائبة وادّعت تمثيل بروليتاريا غير فاعلة سياسياً وبدون استقلال عن الفئات الشعبية التي كانت لا تزال جمهور تنظيمات قومية مسلحة. كان اليسار الجديد انشقاق مثقفين عن الحركة الشعبية، لكنه يتصدى لقيادة تاريخية ولحق تاريخي بالقيادة ما دام عند نفسه صوت الطبقات المسحوقة والعمالية. كان الفارق كبيراً بين التكوين الطبقي للتنظيمات اليسارية، الذي يغلب عليه المثقفون، والبرنامج العائم الذي يجمع مهامَّ تحريرية إلى مهام ديموقراطية من ضمن نضال اشتراكي. لم يتح لهذا البرنامج أن يقوم على قائمتين، وحيث سهلت الظروف طرحه كما هي الحال في عدن سرعان ما غرق في صراعات شخصية وقبلية دامية وانهار من داخله وتم التخلي عنه.

لم ينجح اليسار جديده وقديمه في التصدي فعلاً لمهام أخذها على عاتقه بدون أن يتحقق من قدرته على النهوض لها، وقدرة الواقع نفسه على توفيرها. في وسعنا القول إننا كنا هنا أمام انتحال بحت لصفحات من التاريخ الاشتراكي هي نفسها كانت قد بدأت تهتز. لم يكن الانتماء البروليتاري ذا أساس حقيقي، والشعب المسلح استفز غير المسلحين وأوشك هذا على النفاذ إلى حرب بين الطرفين، بل بدأت الحرب وكادت تعم، حاملة معها ضغائن اتنيّة وطائفية. انفجرت في المقلب الآخر حرب أهلية استمرت سنوات بدون أن تنتهي إلى نتائج واضحة، سوى ما فرضه الاحتلال الإسرائيلي. انفجر الوضع الأهلي ولم يسع اليسار الناشئ أو اليسار السابق سوى الالتحاق بقوى لم تخف طابعها الاتني والطائفي. لم تكن هذه بأي من المعاني خسارة لقوى شعبية انخرطت في الحرب بقدر ما كانت خسارة لليسار الذي وجد نفسه ملتحقاً بمعسكر اتني وطائفي، كان في هذا الالتحاق بطبيعة الحال مقتله الفعلي. استمر اليسار الجديد يتكلم عن القيادة البروليتارية في حين كان يحارب إلى جانب طغام اتنيين وطائفيين ويتلقى عنهم أشنع التهم.

ليس في وسعنا أن نزعم أن اليسار القديم أو الجديد استطاع أن يبدع تحليلاً فعلياً للمرحلة وأن يضع من ضمن ذلك برنامجاً وخطة عمل. لقد كان اليسار على درجة من القشورية والسطحية بحيث لم يكفّ، قديمه أو جديده عن الاستنساخ. لقد التقط قديمه الخلطات السوفياتية «الطريق اللارأسمالي» بينما عاد جديده إلى سجال ثورة أوكتوبر. «القيادة البروليتارية للنضال التحرري والديموقراطي»، وبطبيعة الحال لم يكن ذلك كله إلا إسقاطات نظرية وتبريرات فحسب. لقد كان هذا هو السياق الدارج فيما كانت قوى طائفية نشطة تستولي على المنصة وتخرج اليساريين بالقوة أو بالتوافق من الساحة. هذا الوقت تلازم مع بداية الانهيار الشيوعي، سقطت المنظومة السوفياتية كلها، وكان هذا بطبيعة الحال إلغاء لسبب وجود اليسار وتدميراً لإشكاليته. منذ ذلك الوقت صار اليسار من التاريخ، صار فقط ذكرى أجيال شاخت أو شبت فيه. دبت الحيرة من جديد وعلى نحو أشد وأكثر عصفاً، لقد طار دفعة واحدة البناء النظري والنموذج التاريخي، حتى اليسار المنتقد للخط السوفياتي وجد نفسه بلا أرض وبلا سبب. كان من غير الممكن فصل التحليل والنظرية عن الممارسة. فقد كانت الممارسة هي النظرية والتحليل في العمل، لذا كانت التجربة السوفياتية وسقوطها هما اليسار الحقيقي، بقي على أن يتبنى تقريباً الليبرالية، أن يقف أخلاقياً مع الأقليات وضد أشكال الاضطهاد الاتني والجنسي والاجتماعي والثقافي. بالطبع خسر اليسار التحليل التاريخي والاقتصادي، ركيزتيه الأساسيتين، لم يعد علماً ولا قانوناً ولا حتمية، انه الآن منحى أخلاقي أكثر منه شيئاً آخر. لقد عاد إلى منبعيه الأساسيين: الحرية والعدالة.

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-03-13

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق