المشروع الفلسفي بين طه عبدالرحمن وعبد الرحمن بدوي

تمهيد :


الجمع بين رمزين من رموز الفكر الفلسفي العربي، والمقاربة بين عقلانيتهما الإبداعية، لا شك يثرى الحياة الثقافية والفلسفية لدينا، ويساهم في إنضاج العقل العربي ونبوغه، فليس الفكر الفلسفي سواء كان مشرقياً أو مغربياً، إلا دليل قائم على مدى اتساع هذا العقل العربي المبدع ونبضه بالحياة، بعد ارتكاسه في فضاءات الجمود والتبعية، والتقليد الأعمى لقطب أحادي يحاول أن ينتزع منه هويته المخصوصة، والتلاقح الفكري والفلسفي ما بين المشرق والمغرب ليس إلا دليلا على مدى التأثير والتأثر بين مفكرينا، منذ القدم وحتى لحظتنا الراهنة، التي نعاني فيها أزمة النضوج الفكري، وأزمة التوحد مع الذات، وهي أمرّ ما نعانيه! من هنا جاء الدكتور طه عبدالرحمن بفلسفة تداولية جديدة يلتمع بريقها في الأفق، وتحلق في فضاءات عقلانية (عرفانية) مؤيدة، محاولاً بهذا الفكر والفقه الفلسفي الجديد، الذي أثار جدلية الإبداع والتجديد، من بعد الجمود والتقليد، ليؤسس لحداثة إسلامية مؤيدة، ويعيد تجديد النظر مرة أخرى إلى تراثنا العربي الإسلامي المجيد، ويقدم فيما يقدم نظرية تقويمية تكاملية لفهمه والعمل به، فليس النظر المجرد مفصولاً عن العمل، وليس العقل يثير إشكالية مع الخُلق أو الشرع! كل ذلك كان إبداعاً مخصوصاً لهذا الفكر الطاهائي الجديد، الذي جاء مواكباً لتيار الربيع العربي، الذي هز عروش القياصرة العرب، ثم أنه لا يدخر وسعاً في التصريح بأن ما جادت به ذهنيته، ما جاء إلا بوحي من تجربته «العرفانية» الحية، التي تؤكد على قيمة العمل التزكوي الأخلاقي، وأن ماهية الإنسان تحددها الأخلاق. وفي أكثر من موضع يؤكد أيضاً على ما بين المغرب ومصر من أواصر قربي لا تنقطع أبد الدهر، برغم أنه يكرس في ذلك لمقولة السبق الأخلاقي للمغاربة على المصريين، وعلى هذا الوتر الأخلاقي قامت فلسفة طه، وأينعت يقيناً صوفياً مؤيداً، وجدنا له تقارباً في عقلانية المفكر الكبير عبدالرحمن بدوي. وما أجّل الفلاسفة الكبار حين يتحدث أحدهم عن الآخر، فما أن علم الدكتور طه بأن هناك من يقارب بين أفكاره الإبداعية الخالصة، وبين هذا الوجودي المتصوف في آخرياته، إلا قرت عينه وسعد بهذه المقاربة، وقال عبارته الشهيرة « عبدالرحمن بدوي أستاذ وفيلسوف كبير». على الرغم من الإبداع الفارق بين الفيلسوفين، فطه يقدم الإبداع الخالص، وبدوي يقدم الاجتهاد العقلي المحض القائم على الترجمة والنقل أحياناً، والتأليف في أحيان أخرى.
والملاحظ ما بين الفيلسوفين، أن الاثنين سطعا نجمها في سماء الفلسفة العربية الإسلامية، ولازالت عملية البحث الفلسفي تنهل من إبداعهما، لأن غايتهما اشتركت – فيما نرى- في إنهاض العقلانية العربية الإسلامية وبعثها من جديد، وحثها على إعادة النظر إلى التراث وبخاصة التراث الصوفي، على أسس من المنهجية وفهم آليات إنتاج النص التراثي وتنقيحها والعناية بها.
من هنا كانت محاولتنا هذه تروم إعادة النظر في مشروع الفيلسوف عبدالرحمن بدوي، ولّم الشتات الفكري والرؤيا الصوفية المبعثرة لديه التي تناثرت ما بين طيات كتبه الكثيرة. وقد حاولنا، جهد الإمكان، التقريب بين فكر الرجلين بقراءتهما في سياق النسق الثقافي و“التاريخاني”(التطور التاريخي).
وعلى هذا، نجيب عن التساؤل المثار(*) : ما هي المبررات المعرفية والنظرية في المقارنة بين وجودية عبدالرحمن بدوي كنزعة تاريخية صوفية، وبين فلسفة طه عبدالرحمن الإسلامية العقلانية، المؤيدة بقين صوفي ؟
لعل الأمر ينطلق من عدة أسباب واعتبارات ومنها:

أ- السبب الأول هو تأليف عبد الرحمن بدوي في التصوف كثيراً وهو الفيلسوف المشرقي الوحيد الذي يمكن نعته بهذا الوصف، فضلا عن ذلك، تمثيله ودعوته إلى قيام فلسفة وجودية ذات نزعة صوفية (إسلامية) تعتمد على إعادة قراءة قارة التصوف في عمومه. بينما طه عبدالرحمن أبدع فلسفة إسلامية أصيلة تعتمد على اليقين الصوفي (أو العقلانية المؤيدة) اعتماداً كبيراً، ناهيك عن كونه فيلسوفا مغربيا أصيلا، وكثيرة هي المقاربات والمقارنات بين فلاسفة المشرق وفلاسفة المغرب منذ القدم.

ب- السبب الثاني يتمثل في أنه ،لا يكفي للمقاربة أن يكون بدوي قد كتب في التصوف فقط، فليس كل من يكتب في التصوف يقتضي له ويشترط فيه أن يكون متصوفاً أو منتميا إليه.
وبهذا فإن هناك أبحاثا كثيرة تحاول أن تبرهن على هذه الفرضية،المومئ اليها أعلاه، والتي مفادها أن بدوي لجأ إلى التصوف من وحي وجوديته التي تعتمد المنهج التاريخي، فهو ذهب إلى الكتابة والترجمة والتأليف عن الصوفية من أجل أن يثبت تجذر الوجودية (أو النزعة الإنسانية) وحلولها في الفكر العربي الإسلامي.
لكننا لو نظرنا إلى المقاربة بشكل أوسع لوجدنا تشابها بيّنا وكبيرا بين الفيلسوفين العربيين (طه وبدوي)، فضلاً عن كونهما اشتغلا بالفلسفة وأبداعا فيها، كل على طريقته ومنهجيته، فسوف نجد أن الرابط بينهما هو اهتمام كل منهما بالفكر الفلسفي العربي الإسلامي. وهذا يعني أن قضية الفلسفة العربية لا تغيب عن تفكيرهما. ناهيك عن انتماء كل واحد منهما إلى التصوف انتماءاً صريحاً، مع نزوع بدوي إلى التصوف كتابة وتأليفاً وترجمة. وهذا الارتباط بين فيلسوف المشرق وفقيه الفلاسفة في المغرب هو مبررنا في انجاز هذه المقاربة.

أولاً : المشروع الفلسفي المعاصر بين بدوي وطه عبدالرحمن

يعتبر الدكتور عبدالرحمن بدوي رائد ا من رواد الفكر الفلسفي المعاصر «أسهم بإنتاجه الفلسفي الذي ألهم – وما زال يلهم- الباحثين ويمدهم بمصادر الفكر الغربي القديم والمعاصر، والتراث العربي والإسلامي، تأليفاً وتحقيقاً وترجمة، بما لا يستغنى عنه الباحث، والمثقف، والمتخصص في مجال الدراسة الفلسفية. والحقيقة أن بدوي بما قدمه من كتابات، إنما يؤسس ليس فقط للدراسات الفلسفية، وإنما لخلق وعي عربي معاصر، أو ما أسماه في أول دراساته عن نيتشه 1939 ثورة روحية». 
والفلاسفة العرب عموماً سواء كانوا مشرقيين أو مغربيين، ليسوا دوائر منعزلة، ومنفصلة عن بعضها البعض، بل هي دوائر متصلة بفضل التلاحق الفكري، بوعي أو بدون وعي، نتيجة لتجلى روح الحضارة فيهم كمظهر للعقل الجمعي الكلي الواحد(بالغة دوركايم). إذن ،بالرغم“من إحساس بعض الفلاسفة بأنهم وحيدو عصرهم، وأن كلا منهم نسيج وحده، فلا يوجد إلا ذاته، منذ عبر ماكس شترنر عن ذلك في «الواحد وما يملكه» إلا أن هذا التفرد لا يلغي المياه الجوفية التي ينبثق منها هذا النبع الفياض حتى لو بلغ عنان السماء، إن كيركجارد هو الفرد ولكنه ثورة على العصر ونقل الفكر الأوربي – كله- من الفلسفة الحديثة إلى الفلسفة المعاصرة، وإن نيتشه هو وحيد عصره، وهو – مع ذلك – يمثل عصراً بأكمله، نهاية قرن (القرن التاسع عشر) وبداية آخر (القرن العشرين)، النبع مرئي وما في باطن الأرض غير مرئي. […] إن خير تحية من جيل لاحق لجيل سابق هي النقد والتطوير، بل والقلب رأساً على عقب، من النقيض إلى النقيض، من أجل بيان جدل السلب والإيجاب، والوجه الآخر للحقيقة، فالفيلسوف – بطبيعته- أحادي النظرة، صاحب رأى، ومؤسس اتجاه، ورائد مدرسة، يضحي بجانب من أجل إبراز جانب أخر. فيأتي فيلسوف بعده ويذكره بما أغفل، ويبرز الجانب الآخر حتى تكتمل الصورة، لقد طور أفلاطون معاني سقراط في نظرية المثل ثم نقد أرسطو نظرية المثل وقلبها رأساً على عقب، كما طور الهيجليون اليساريون هيجل، ثم جاء ماركس فقلب هيجل رأساً على عقب واضعاً رأسه على الأرض، جاعلاً قدميه إلى السماء، فعاشت الفلسفة اليونانية وتعددت رؤاها، كما عاشت الفلسفة الحديثة وتعددت مدارسها».
ليس الهدف من النقد بيان العيوب والمثالب، وهو المعنى الدارج الشائع في الثقافة الشعبية، بل هو وضع المفكر وعمله في مرحلته التاريخية والمنهجية من أجل تطوير قضايا الفكر العربي والإسلامي. وهذا أكبر دليل على استمرارية التواصل الفلسفي بين الأجيال في إعادة صياغة المشروع الفلسفي الجماعي(التعدد والاختلاف في أطار الوحدة).أما النكران والجحود يسهمان في الارتداد التاريخي والعمى الفلسفي على حد كلام د.طه عبد الرحمن.
وهذا منهج القراءة والتأويل، وإعادة البناء والتركيب، ونقل عمل الجيل السابق لعمل الجيل اللاحق، ف”المشروع الحضاري للوعي الجمعي يستغرق عدة أجيال، وفي حالة العالم العربي يمتد مشروع النهضة منذ القرن الماضي ومازال مستمراً حتى نهاية هذا القرن، ولم يكتمل بعد، وربما ظل قائماً لعدة أجيال قادمة، جيل يؤسس، وجيل يمهد، وجيل يرسي القواعد، وجيل يحكم الصياغة، وجيل يحقق […] ثم يأتي الجيل الحالي ليحكم الصياغة، جيل المشاريع العربية المعاصرة بعد 1967، مثل مشروع (التراث والتجديد)، و(نقد العقل العربي)، و(التراث والثورة) – كنماذج ممثلة من مصر والمغرب والشام- ويسلمه لجيل قادم يحقق مشروع النهضة على نحو علمي دقيق، جيل تكون وتجرأ وقرأ بين السطور وتجاوز […] ولا يوجد خطأ وصواب في منهج القراءة وإعادة البناء، صواب الجيل السابق وخطأ الجيل اللاحق أو خطأ الجيل السابق وصواب الجيل اللاحق، بل هي أدوار متعاقبة وأطوار متتالية لنفس المشروع النهضوي، كل جيل في مرحلته وبناء على ظروف عصره، فالزمن يتغير، وتتغير الرؤى وتتبدل المناهج بالرغم من وحدة المشروع الحضاري واستمراريته عبر الأجيال، فالمسؤولية جماعية، والعمل مشترك، والبناء متعدد الطوابق، ومتفاوت الأعماق، ومتغير السعة، ودون الأساس لا يقوم البناء، ودون التمهيد والإعداد لا يحدث حفر في الأرض ولا تشييد للطوابق».
ومن ثمة، يمكن تقسيم مشروع عبدالرحمن بدوي الفكري « والفلسفي» إجمالاً إلى ما يلي :
مبتكرات: أي الإبداع، وهو الأصغر حجماً والأهم كيفاً، وتجمع بين الفلسفة والشعر واليوميات.
دراسات: وتضم خلاصة الفكر الأدبي، وتشمل الدراسات الفلسفية والمنطق والشعر ومناهج البحث، بل وتضم الترجمة وكأنها دراسات، مثل (النقد التاريخي) وهو ليس تأليفاً أو دراسة، بل ترجمة كتاب لأنجلو دسينوبوس بنفس العنوان. أما خلاصة الفكر الأوربي، فتشمل دراسة أعلام الفلسفة الحديثة، مثل نيتشه واشبنجلر وشوبنهور وشلنج، أو الفلسفة اليونانية مثل أفلاطون وأرسطو (باعتبارهما صيف الفكر اليوناني أي الذروة)، مع ربيع الفكر اليوناني (البداية). وخريف الفكر اليوناني مع شقائه (النهاية) وفلسفة العصور الوسطي قبل الانتقال إلى العصور الحديثة، وباعتبار أن اليونان مصدر الغرب الحديث.
دراسات إسلامية : وتشمل التحقيق والتأليف والترجمة والإعداد، والإعلان عنها دون ترتيب زماني أو موضوعي، وتشمل الترجمات العربية القديمة لأرسطو وأفلاطون وأفلوطين، الصحيح فيها والمنحول، وتحقيق النصوص العربية لابن سينا وابن رشد والغزالي وأبي يزيد البسطامي، والتوحيدي، ومسكويه، والمبشر بن فاتك، وابن سبعين، وأبي سليمان المنطقي، والترجمة لنقل التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، ودراسات المستشرقين عن الإنسان الكامل، وعن الخوارج والشيعة، وعن ابن عربي وروح الحضارة العربية، أما التأليف فيشمل تاريخ الإلحاد، والإنسانية والوجودية في الفكر العربي، وهو أكثر المؤلفات إبداعاً وربطاً بين التراثين الإسلامي والغربي، وحازم القرطاجني وأرسطو ربطا بين التراثين الإسلامي واليوناني، ورابعة العدوية شهيدة العشق الإلهي، ودور العرب في تكوين الفكر الأوربي، ربطاً بين التراث العرب والتراث الغربي. أما الترجمات فتشمل الروائع المائة، ومعظمها ترجمات عن الأدب الرومانسي الألماني شعراً ونثراًً وأقلها عن الأسبانية والفرنسية، وتأتي ترجمات أخرى خارج الروائع المائة ودون ترقيم، إضافات عامة، حتمتها ربما الظروف والمناسبات، تجمع بين الحضارة والفلسفة والفن».
وفي هذا يؤكد الدكتور حسن حنفي على حقيقة مفادها «أن المشروع البحثي للفيلسوف الشامل في بدايته كان متشعب الاتجاهات بين التأليف والترجمة والتحقيق والإعداد، أو بينها جميعاً، وكان مازال متحركاً في كل هذه الاتجاهات، طموحاً للغاية أكثر مما تتسع له حياة فرد واحد. ولكن هذه هي طبيعة المشاريع الفكرية الكبرى، مسار حياة يكشف عن بنية عمل، قصد كلي يتحقق في مقاصد جزئية». ويقول ايضا«وهو مشروع فكري واحد بالرغم من تقلباته ونبذاته، وغلبة جانب على أخر، طبقاً لمراحل العمل وقربه أو بعده عن الوطن، وما زالت الوحدة تجمع بين الشتات، وإن كان أثره بدأ في الانحسار لتغيير الواقع […] ويغلب منهج العرض، عرض المادة العلمية دون تدخل من المؤلف بالنقد أو التطوير أو القراءة، كما هو الحال في التأليف المدرسي، وكأن المادة العلمية هي العلم، والمعلومات المتوافرة هي العلم الجديد المضاف إلى العلم القديم في بيئة تفتقر إلى كل شيء، المعلومات والعلم على حد سواء، وفي عصر كان المفكر أو الأديب أو العالم كالنجم الزاهر يسطع في السماء ويضيء في كل اتجاه. فهو بمفرده مكتبة حية متنقلة تحتوى على تاريخ الفكر البشري كله، باستثناء الشرق القديم وأفريقيا وأمريكا، وكأنه لم يهتم إلا بالإسلام والغرب، فقد انتقلت الحضارة من اليونان إلى العرب، ثم من العرب إلى الغرب، وربما تنتقل إلى العرب من جديد. 

ومشروعه فيما يبدو التمهيد لأجيال قادمة من دارسي الفلسفة، وإعداد الخريطة العامة للفكر البشري لهم، بانوراما عريضة، يرون فيها الروح البشري وهو يعي ذاته بالفكر، يؤسس الميادين، ويفتح المجالات، ويضع الأسس، ويطرق المجهول، ويسهل الصعب، ويجلب النادر، ويفتح الأبواب لأجيال قادمة للدخول، والفيلسوف الشامل نقطة التقاء بين الشرق والغرب، كما هو الحال عند كل مفكري النهضة العربية، يقرأ (الأنا) في مرآة (الآخر)، ويرى (الآخر) في مرآة (الآنا) فالواقع له عينان، عين الماضي وعين المستقبل، وله رئتان، رئة تتنفس بتراث القدماء، ورئة تتنفس بتراث المحدثين، وهي أبعاد الزمن الثلاثة، فالواقع هو الحاضر، وتراث القدماء هو الماضي، وتراث المحدثين هو المستقبل».

أما المشروع الفلسفي الحداثي عند الدكتور طه عبدالرحمن فيمتاز بعدة ميزات أهمها: الإبداع والاستحداث والتجديد، ليس في الفلسفة فحسب، وإنما في الفكر الفلسفي العربي والإسلامي أيضاً. فلم تعد الفلسفة معه محض نظر وتأمل خالص خال من العمل، ولم يعد العمل شيئا لا يعتد به في اعتبار النظر، أضحى الاثنان يدوران في فلك واحد، ويرتبط أحدهما بالآخر ارتباط العلة بالمعلول، والدال بالمدلول، وما أكثر كلمات الفيلسوف التي تأتي في هذا المنحى وتسير في هذا المسار ابتداء من كتابه «العمل الديني وتجديد العقل» ومروراً بكتابه «سؤال العمل» ثم «سؤال الأخلاق» وغيرها من الكتب التي تبحث في ضرورة العمل وأهميته وأنه يشكل روح الإنسان، وبخاصة الإنسان العربي إذا أراد لنفسه أن يخرج من عباءة التبعية والتقليد، ويعيد تركيب حضارته والنظر إليها من جديد.
وعندما يذكر طه عبدالرحمن، فإنه بالتبعية يتم استحضار أداته المنطقية التي اصطنعها في صبر وأناة حتى أصبح واحداً من أكبر المناطقة العرب في فلسفة المنطق والحجاجيات التداولية، فلا يخلو كتاب من منهجية منطقية وأفكار وضعت بدقة وصيغت بحنكة تذكرنا بإبداع فنان الأرابيسك العربي الإسلامي القديم، تشكيلات هندسية ولكن في صورة فلسفية هذه المرة! وليست في صورة زخارف وفسيفساء.
ويؤكد الدكتور طه «أن المنطقيات والعقليات التي وجد نفسه فيها، تبين له أن لها حدود»، وأن كثيراً من الفلاسفة العقلانيين انتقلوا من دراسة العقليات والمنطقيات إلى تذوق الجماليات (الشعرية والفنية والسمعية). ويرجع السبب إلى أن خطاب العقل (العقليات) هو خطاب الجلال، بمعنى البحث عن القوة في الأشياء، فالعقل يريد إرادة القوة، أي يريد أن يصل إلى ماهية الأشياء إلى جانب القوة فيها لتسخير الكون له. بينما خطاب الذوقيات هو خطاب الجمال، أي إرادة الرقة في الأشياء أو بمعنى أوضح التحبب للكون بإقامة علاقة ود، علاقة حب مع العالم، ومع الكون.
ويقول الدكتور في هذا الإطار «كنت على يقين أن لغة هذا المستوى لا يمكن أن تكون لغة العبارة، لأن العبارة هي لغة العقل المحدود، الذي ظهرت لي حدوده وقيوده، فلابد أن تكون لغة إشارة، وإشارة أصيلة ومجاز بليغ حتى يمكن أن ننفذ إلى ما وراء حدود العقل». 
ومعلوم أن العرفان الصوفي يسهم في توسيع الخيال الشعري، ويزكي تراكيبه الشعرية. ومعلوم أيضاً أن الصوفي والشاعر ينطلقان من بوتقة واحدة في الصعود والتسامي والدعوة إلى الصفاء والنقاء. «فالمتصوفة والشعراء استعملوا اللغة الشعرية الإيحائية، وذلك للتعبير عن تجاربهم وأحوالهم ومقاوماتهم، كل بمجاهداته الخاصة به وبذوقه وباتصاله وبانفصاله، بل إن التكرار – وهو من مميزات الشعر الحديث- سمة لازمة في أوراد الصوفية وأذكارهم. كما أن لكلا منهما الصوفي والشاعر معاناته وقلقه، وبحثه المتواصل عن العدل والحقيقة، ولكل منهما تأمله ومكابداته واغترابه ووحدته، وترقيه للحظة الإلهام أو التجلي، بل أن هناك من رأى أن أهل الفن (الشعراء مثلاً)كأهل الطريق، وفي كليهما معاناة داخلية وصراع مع الذات للوصول إلى عمق التجربة…لكن الشاعر يتعمق الوجود كما يتعمقه الصوفي، وهنا يلتقيان، وربما سمى المفكر والفيلسوف صوفيا بهذا المعنى أيضا، بمعنى أن الصوفية إذا كانت هي عمق التجربة؛ فكل صاحب تجربة ورؤية عميقة في الفن والحياة والدين، لذا فالمفكر والفيلسوف هو متصوف بهذا المعنى».
والشاعر الصوفي «يستخدم اللغة للتعبير عن حالاته المختلفة، وهي حالات ليست من الأغراض التي تعارف عليها القوم ولا تنتمي إلى واقعهم. فالصوفي ما بين حضور وغياب، بين اتصال وانفصال، بين صحو وسكر، فهو دائم التنقل بين عالم الشهادة وعالم الغيب، فإذا انفصل عن العالم الواقعي الذي نعرفه وخرج عن نفسه، وارتقى في مدارج الصعود، ودخل عالم الحقيقة المطلقة، فإنه لا يستطيع أن يصف تجربته تلك بلغتنا الاعتيادية الصالحة لعالمنا الواقعي التي تحكمها قواعد المنطق وقواعد النظم والبلاغة وقواعد الدلالة، وإذا اضطر الشاعر الصوفي إلى استخدام هذه اللغة فإنه مضطر إلى تجاوز تلك القواعد، وتحطيم العلاقة القائمة بين الألفاظ ومعانيها المعتادة، وجَعْل تلك الألفاظ تشير إلى مدلولات جديدة. فكما تنفصل روحه عن جسده، فإن لفظه ينفصل عن معناه المتعارف عليه، لتحل فيه إشارات ودلالات لم نألفها من قبل، وهكذا ينتقل الخطاب الصوفي باللغة من العبارة إلى الإشارة.
ولعل أبلغ عبارة يمكن التعقيب بها في هذا الأطار ما قاله الدكتور طه: أن «الجمالي العظيم أخلاقي عظيم والأخلاقي العظيم جمالي عظيم» وأن «من ينشد الكمال الفلسفي لابد أن يستشرف أفق الجمال الروحي“ولن يستشرف المرء أفق الجمال الروحي إلا بتجربة روحية خالصة، تمد العقل النظري برؤى تأملية خالصة.
أما أركان مشروعه الفلسفي فقد ارتكز على عدة محاور أساسية هي :
المحور الأول: التشقيق اللغوي والنحت المصطلحي.
المحور الثاني : الإبداع الفلسفي الخالص أو ما يعرف بفقه الفلسفة.
محور الثالث: التقويم التراثي والإبداع الترجمي.

المحور الرابع : هدم نموذج الحداثة الغربية وتأسيس نموذج حداثي بديل.
المحور الخامس : الإشراق العرفاني ودوره في نضوج العقل الكامل.
إنها خمسة محاور في رأيي هي من أهم المحاور التي قام عليها المشروع الفلسفي الطاهائي، يؤطرها جميعاً منهج منطقي تحليلي، صاغه صاحب المشروع في مهارة وحنكة مناطقة زمانه وعصره. ولنناقش كل محور بشكل من الإيجاز الغير مخل، والتفصيل الغير ممل.

المحور الأول : التشقيق اللغوي والنحت المصطلحي :

أكثر شيء شغل فكر الدكتور طه في بداياته الفكرية، كان مسألة فقه اللغة والأصول اللغوية للفلسفة، لأن اللغة هي حاملة الفكر، وهي أداة التعبير عنه، وقديماً قال الفيلسوف اليوناني سقراط لأحد تلامذته: «تكلم حتى أراك» والكلام جزء من اللغة. ومسألة اللغة هي من أكثر المسائل حضوراً في ذهنية الفيلسوف، وصعوبة (أو سهولة)، الفلسفة – لو وجدت- فإنها توجد بالأساس في لغتها، فتكون اللغة والاصطلاح هي «كارت العبور» للدخول إلى التفلسف الصحيح . ومن لا يملك لغته لا يملك عقله!
لذا جاء إدراك الدكتور طه لهذه المسألة مبكراً، وقد حشد لها كل ما أمكنه من عدة لغوية واصطلاحية، بأحدث ما جد في فقه اللغة واللسانيات، وأفضل ما استحدث من نظريات جديدة تعالج المسائل اللغوية والفلسفية الشائكة.
وقد عبر عن هذه المسألة في كتاباته الأولى، بعدما تبلورت في ذهنه واختمرت في عقله، فقال: «على الفيلسوف، قبل أن يتجه باجتهاده إلى التوعية بقدرة لغته الفكرية أن يميز لغته عما ليس من لغته، أو يتعارض ولغته عما هو لغو ..ولغونا يظهر في التشويه الذي لحق أصول لغتنا وبُناها وكبت فلسفتها [….]، وعلى الفيلسوف العربي أن يخلصنا من هذا اللغو، الذي حال دون تحررنا العقلي، ودون إبداعنا الفكري، وبهذا تكون رسالة الفيلسوف العربي رسالة لغوية من منطلقها».
بمهارة وخفة شديدة استطاع أن يمسك بمشرط اللغة، ويبدأ في تشقيق ألفاظها واستخراج الجديد منها كأفضل جراح لغوي، لا يباريه في ذلك مفكرو زمانه الأفذاذ. يحفر في بنيات اللغة ويحرك اللسان حركات لطيفة وخفيفة، مريداً بذلك معرفة المسافات البينية التي تربط الحرف بالحرف، وتعطي للكلمة منطوقها واللفظ دلالته. 
ويمكننا الإقرار بأن هذا المنطلق اللغوي والاصطلاحي كان من الأعمدة الرئيسة في مشروع الدكتور طه الفلسفي، فلا يخلو كتاب من كتبه من حفر لغوي جديد واستعمال لألفاظ راكدة، في إشارة منه إلي أن إهمال اللغة يحدث الانتكاس الفكري، والركود المعرفي، ويفسح المجال لرواج لغة الآخر، الأكثر قوة ومدنيّة، ولا يغيب عن أحد كمَّ المفردات الغربية ذائعة الصيت في تراكيبنا اللغوية ومباحثنا الفكرية، ووراء ذلك ترجمة ليس فيها إبداع أو نقد أو تحليل، فجاءت ترجمة اتكالية تقتات من طاولة فكر غيرها.

المحور الثاني : الإبداع الفلسفي الخالص أو ما يعرف بفقه الفلسفة.
فيه يتخلص الفكر الفلسفي العربي والإسلامي على السواء، من نظيره الغربي الذي ارتقى وتصدر ركبه، وساقه وراءه كالظل، الذي يتبع صاحبه حذو النعل بالنعل.
وقد اصطنع الدكتور طه لذلك فقهاً جديداً اسماه «فقه الفلسفة» طلب فيه تحرير القول الفلسفي والمفاهيمي من التبعية والتقليد وذلك حتى يتحقق الإبداع الفلسفي المنشود بإنتاج فلسفة عربية إسلامية أصيلة.
وتأسيس فقه الفلسفة الذي يدرس ظواهر الفلسفة ويعالج مشكلاتها، يعبد الطريق أمام المتفلسفين العرب المسلمين، ويمهد أمامهم إمكانية إنشاء فلسفة إسلامية خالصة.
وقد أفرد الدكتور طه لهذا العلم الجديد كتابين من أهم كتبه، الكتاب الأول عالج فيه علاقة الفلسفة بالترجمة، لما للترجمة من أهمية، فعن طريقها تعرفنا إلى فلسفة اليونان وعن طريقها تم النقل بسهو أو بعمد ما لا يليق بنا، وعن طريقها حدث اللغط لدينا، وانتقل إلى فكرنا المختلف إشكالات ليست تمس قضايانا الحقيقة بشكل جوهري. ثم إنه عن طريق الإبداع الترجمي يحصل لدينا ما يمكن أن نقول تجديد نظر في الفلسفة برمتها. أما الكتاب الثاني فعالج فيه قضايا فلسفية أو الأقوال والمفاهيم الفلسفية، وكيف يمكننا الاشتقاق والحفر المفاهيمي الفلسفي.
ولم يكن هو أول المنادين بتحرير القول الفلسفي من التبعة والتقليد، فقد سبقه إلى ذلك كثير، فلدينا مفكرون كثيرون نادوا بإنشاء فلسفة عربية إسلامية تشبهنا وتعبر عنا، ولكن الإبداع الحقيقي الذي أتى به الرجل هو الآلة الجديدة التي قدمها أو العلم الجديد الذي بادر بتأسيسه.

المحور الثالث : التقويم التراثي والإبداع الترجمي:

يلزم لكي ينشأ مشروع الفلسفة العربية الإسلامية الخالصة أن نقف على القديم ليس موقف القاطع لرحمه ولا موقف الناقض لبنائه وإنما موقف الناهض المقوم لتراثه وإرثه ولا يحصل ذلك إلا بالنقل الصحيح عن المصدر، وليس مجرد النقل فقط وإنما الإبداع مع النقل.
وتقويم التراث لا يأتي بانتقاء أجزائه أو تفضيل بعضه على بعض، كما فعل البعض، وإنما يأتي بالنظر في كليته، وتقويمه على أسس منهجية مأصولة، وليس أقل للناظر في التراث من فهم آليات إنتاج النص التراثي ودلالاتها.

المحور الرابع : هدم نموذج الحداثة الغربية وتأسيس نموذج حداثي بديل:

نظر الفيلسوف من حوله، ومن وراءه، فوجد المفكرين متدافعين نحو مسلكين، فهذا يدعو إلى تراثه وأرثه «نزعة تراثوية» وذاك يدعو إلى حداثة وتجديد «نزعة حداثية» وما بين الفريقين كما بين السماء والأرض من بون واتساع. ولست أدرى كيف يتسنى الجمع بين هذا وذاك؟!
ولكن طه استطاع أن يفعل ذلك، بعد أن جادت ذهنيته بأفضل ما لديها من أفكار تجديدية وإصلاحية.
فها هو يدعو إلى تقويم التراث القديم، ثم تأسيس الحداثة البديلة منتقداً في ذلك أشد الانتقاد نموذج الحداثة الغربية السائد الذي مس ولحس عقول مفكرينا العرب!

المحور الخامس : الإشراق العرفاني ودوره في نضوج العقل الكامل.

تأسيس «فلسفة إسلامية»، تأسيس «حداثة إسلامية»، تأسيس «اصطلاح إسلامي»، كل هذه الأفكار العظيمة أتت من عقل كامل ومتسع ومؤيد بيقين عرفاني، قل أن تجد مثله لدى مستهلكي السلعة الفلسفية من موردها الأصلي الغريب عن ثقافتنا ذات الهوية المخصوصة!
ولا يعرف تاريخ الفكر الفلسفي المعاصر لدينا نحن العرب فيلسوفا شاعت في كتاباته ومؤلفات لفظة إسلامية غير هذا الفيلسوف المرموق. فكل كتاباته وإن لم تذكر إلا في القليل صراحة، إلا أنها في فحواها ومحتواها دفاع عن حق الاختلاف العربي والإسلامي على السواء، اختلاف في العقلانية، واختلاف في الحداثة، واختلاف حتى في الاصطلاح المنثور بين طيات الكتب الغربية هنا وهناك.
دافع الرجل عن العقل العربي المسلم المختلف عن العقل الغربي، فليست مكوناته المعرفية مثل مكونات نظيره الغربي، وليس منطلقاته كمنطلقات الآخر، لأن العقل هو أداة الفكر، فكان يلزم عليه الشروع في نقده وتمحيصه، ثم إعادة بنائه وتركيبه على أرضية جديدة، خالية من الإنتكاسات، الفكرية أو الاصطلاحية.
وأفضل درجات العقلانية في فلسفته هي العقلانية المؤيدة، والتي هي اكتمال وتوازن بين الغايات، وهي نتيجة للتجربة المخصوصة (أو بالأحرى التجربة الحية) التي يترقى فيها العقل صعوداً من الحس والتجريد ثم العمل والتسديد وانتهاء بالربط بين النظر والعمل، فيما يعرف بالتأييد أو اليقين العرفاني.
وعلى هذا يكون العقل المؤيد أحد درجات المعرفة العرفانية، وأحد تجلياتها في ذات الوقت. وجاءت العقلانية المؤيدة نتيجة خوض غمار التجربة العرفانية ومكابدة معاناتها، لذا فهي من أفضل درجات العقلانية، وأحسن المعارف العقلية، وأرقها لأنها يحصل فيها أن يرتبط القول بالفعل والعقل بالغيب.

ثانياً: : أوجه التلاقي بين مشروع بدوي والمشروع الطاهائي

يلتقى الفيلسوفان ويتقاربان في رؤيتهما الفلسفية والفكرية لبعض الأمور ذات الأهمية بقضايا الفكر العربي الإسلامي من قبيل أن غايتهما تجميع أمة فرقتها الأهواء والصراعات الإيديولوجية، تفلسفا دفاعاً عن الإسلام مع اختلاف منظورهما الوجودي والمنطقي الحجاجي.
وهكذا، فقد تميز كل منهما بعقله المتمرد على كل أشكال التقليد والاتباعية. فلما كان بدوي يرفض التقليد الفلسفي السائد للماركسية والوضعية المنطقية منافحا عن بوجودية جديدة ذات نزعة صوفية، فإن طه عبد الرحمن يرفض الحداثة الغربية، ويقوض دعائمها ويأتي بحداثة إسلامية مؤيدة بيقين صوفي.
كل ذلك من شان أن يصدر عن الثقة في النفس العارمة لدى الفيلسوفين العربيين العبدرحمان . إذ لهما اعتداد بالفكر لا حد له. لا يتهيب أحدهما من خوض المعارك الفكرية.

لتقارب الأول : تأكيدهما على أهمية الحياة الروحية لإنسان العصر ينبع من رؤية واضحة في للتصوف الإسلامي

نستطيع الوقوف عند موقف ورؤية الدكتور عبدالرحمن بدوي من التصوف من خلال مقدمته لكتابه «تاريخ التصوف الإسلامي من البداية حتى نهاية القرن الثاني» والتي يمكننا أن نستخلص منها الآتي :
أولاً : يعد التصوف جانباً من أخصب جوانب الحياة الروحية. وذلك للاعتبارات التالية:
( أ ) : اعتباره تعميقاً لمعاني العقيدة.
(ب): اعتباره استبطاناً لظواهر الشريعة.
(جـ) : اهتمامه بالتأمل في أحوال الإنسان في الدنيا.
( د ) : اهتمامه بتأويل الرموز والشعائر بحيث يهبها قيماً موغلة في الأسرار.
(هـ) : اهتمامه بالعمل على انتصار الروح على الحرف (أي على الأمور الظاهرية).
ثانياً : إن آفة التصوف هي آفة كل علم إنساني، وهي الإنحراف عن روحه والابتعاد عن الغاية منه وإساءة فهم مقاصده، فآفة التصوف هي اتخاذ المظهر في اللباس والبوادر بدلاً من السلوك المطابق في روحه لمبادئ التصوف، والتعلق بالمجاهدات الخارجية بينما الباطن خرب يتردى في هاوية الرذائل والتبطل وعدم السعي ابتغاء للعيش والتنعيم على حساب الآخرين.
ثالثاً: تعد الصوفية صفوة مختارة، تقدم بسلوكها نماذج عليا للسلوك، ومثلاً للاستلهام والتأسي قدر الطاقة، وليس المطلوب أن يكون عامة الناس صوفية وإلا لاختل نظام الحياة الإنسانية. كما أنه ليس من المطلوب أن يكون عامة الناس علماء مبتكرين عاكفين على البحث العملي الخالص ولا أن يكونوا شعراء أو فنانين [..] هذه هي أهم النقاط التي توضح رأي بدوي في التصوف وموقفه منه».
فهذه الرؤية العميقة، الخالية من التسطيح في حياة المفكر الدكتور بدوي، تتشابه إلى حد كبير مع رؤية الدكتور طه عبدالرحمن من ابتداره في سلوك درب التصوف، وهو يؤكدها عندما صرح بذلك في أطار الحديث عن تجربته العميقة التي خاض غمارها والتي أثمرت لديه اليقين وخرج منها يقرر عدة أمور :
– ماهية الإنسان تتحدد بالأخلاق.
– القلب هو محل الإدراكات القلبية، وما دام كذلك فهو يتقلب، ويتقلب معه العقل تبعاً لذلك.
– تأكيده على الربط بين النظر المجرد والعمل التزكوي.
وهي رؤية تكمل بعضها البعض، فإذا كان بدوي رأى في التصوف رؤية خاصة، فقد أضاف إليها الدكتور طه، أهم ما تحتاج إليها وهي الأخلاق والالتزام السلوكي.
فطه يرى أن العقل المؤيد هو الذي يتلافى آفات النظر المجرد، والعمل المسدد، فلجأ إلى تعمق ما وراء الرسوم وما ما راء المنافع. فأهمية التصوف عند الدكتور طه عبدالرحمن تنبع من تأكيده على أهمية العمل، ثم ربط النظر المجرد بالعمل في آن واحد، و«العمل التزكوي» و«العمل الصوفي» و«العمل الأخلاقي» ليس إلا تنويعات لمعنى واحد وهو تأكيد لقيمة العمل الأخلاقي على النظر العقلي المجرد عند طه عبدالرحمن، فالأخلاق الصوفية هي جوهر التجربة العرفانية لديه وتنبع أهمية التصوف من ناحيتين عند طه عبد الرحمن:

  • الناحية الأولى : التأكيد على مبدأ العمل التزكوي الأخلاقي (الصوفي )
  • الناحية الثانية : التأكيد على أهمية التربية الخلقية (الصوفية) فرداءً للفتنة والجدل الثائر قام طه بالتصريح ضد من زعموا ما حاجتنا إلى التصوف وقال إذا كانت العقيدة يختص بها المتكلمون، والأحكام يختص بها الفقهاء، فإن التربية هي ما اختص به الصوفية وأهل الطريق، والتربية الخلقية وحدها هي القادرة على بعث روح الإنسان من جديد. وبناء على ذلك فالتصوف عند الدكتور طه يعتبره جزءاً مكملاً للإسلام، يسهم في تربية الإنسان، تربية راقية، وتسمو وتنهض بروحه.

وخلاصة التجربة الصوفية عند طه هو ما دفعته إلى التركيز على أهمية التصوف ودروه في توسيع مدارك العقل وفك القيود عن العقل والوجدان على السواء. وهو يتحدث عن التجربة الروحية كيف كشفت له كل ذلك وأثرت عليه وفكت القيود عن فهمه وعقله ووجدانه فيقول «فضل التجربة الحية على العمل المجرد كفضل العمل على النظر المجرد».
وعلى ذلك، لا يمكن إغفال فضل التجربة الصوفية وقيمتها داخل النسق الفكري الطاهائي، فبفضل التجربة الروحية التي خاض غمارها الفيلسوف توسعت مداركه العقلية، وبناء على ذلك يمكننا الإقرار بأن التجربة الحية هي التي أمدته بالتصور المفاهيمي والميتافيزيقي عن العقل ودرجاته. وقد عبر الفيلسوف بنفسه عن هذه المسألة قائلاً : لقد كان لكتابي العمل الديني وتجديد العقل علاقة وطيدة بالتجربة الصوفية […]، فقصدي الأول كان هو أن أبين كيف أن التجربة الروحية لا تتعارض أبداً مع المعرفة العقلية، بل إنها قد تكون سبباً من أسباب إثراء هذه المعرفة والتغلغل فيها» وهذا ما حدث بالفعل.
وهنا يلتقى الفيلسوفان ويتقاربان. فالأول تجلت رؤيته في التصوف الإسلامي من خلال كتابه (تاريخ التصوف الإسلامي) والثاني ازدانت على فراش تجربته الذوقية الوجدانية من خلال كتابه (العمل الديني وتجديد العقل).والكتابان دليلان قاطعان على وضوح الرؤية حول أهمية التصوف الإسلامي في”عقلانية“(العقلانية ليس بالمعنى الرياضي واليقيني، بل بالمعنى الاشراقي والذوقي) الفيلسوفين.

لتقارب الثاني :العبدالرحمن كلاهما يفضحان الفرق الباطنية ويشهران بها:

يقول الدكتور حسن حنفي إن هدف الدكتور بدوي من نشر (فضائح الباطنية) للغزالي كان من أجل التعرف على المذهب من مصادره والرد عليه، فلقد لعب المذهب دوراً خطيراً في التاريخين السياسي والروحي للإسلام، منذ القرن الثالث الهجري، ولا يزال حياً حتى اليوم. ونظراً لأهمية المذهب فقد عقد المؤلف العزم على الكتابة عنه، وهو – بالفعل – ما صدر في الجزء الثاني من (مذاهب الإسلاميين) عن الإسماعيلية والقرامطة والنصرية والدروز. وبيّن ارتباط فرق الشيعة بالتيارات والأهداف السياسية والاجتماعية، مع التركيز على عقائد الإسماعيلية وآرائهم في الواجبات نحو الأئمة والتوحيد والمبدع الأول وعالم الدين والأخرويات، وعقائد النصيرية والدروز، والحاكم بأمر الله ،ويعتمد اعتماداً على المنهج التاريخي الفيلولوجي، والتصدير أقرب إلى تاريخ الأفكار دون موقف أيديولوجي، وبدعوى الأمانة والموضوعية.
وإذا كان بدوي لم يتخذ موقفا واكتفى بفضح ألاعيب الباطنية من خلال السرد التاريخي، فإن الأمر يختلف مع طه عبدالرحمن الذي تعمد ايضا الى فضح ألاعيبهم .وفي هذا يقول الدكتور عباس أرحيله: «وقف الدكتور عبدالرحمن طه في وجه ما استبطنته الحداثة الغربية من (باطنيات)، في العصور الحديثة. وإذا كانت الباطنية في القديم تسعى إلى إبعاد تعاليم الإسلام لتحُل محله تعاليم الإمام! ورسم خطة من تجربته للإنقاذ من الضلال! فإن الباطنية المستحدثة جعلت إمامها الفكر الأوربي الحديث (المتُهَوِّد)، فكشف طه عن زيفها، وكشف عن عورات أهلها، وأصبحت أعمله اليوم صرخات إنقاذ لما أصاب الأمة الإسلامية من بوار وضياع وخنوع واستسلام».

*التقارب الثالث : كلاهما يكتب عن الغزالي في مؤلفاته

والهدف من إعداد مؤلف عن (مؤلفات الغزالي) هدف علمي خالص، وهو تقديم الأداة الضرورية الأولية لحصر مؤلفات الغزالي والتحقق من صحة نسبها إليه، ومن أجل نشر ما لم ينشر منها، وإعادة نشر ما نشر منها غير محقق، ثم تأتي الدراسات بعد على هذا المفكر العظيم.
فقد أعد الكتاب في الذكري المائوية التاسعة لميلاده، ويخصص المحقق تصديراً عاماً عن مؤلفاته الصحيحة، حسب تاريخ التأليف، والشكوك فيها، والمنحول، شكاً أو يقيناً، وبعض كتبه التي لها عناوين مغايرة، والمجهولة، والمخطوطات المنسوبة إليه والملاحق، ومقارنة بينه وبين أرسطو في الحضور الفلسفي في التاريخ، على مر العصور. كما يذكر التصدير تاريخ الدراسات الاستشراقية عن الغزالي، وفترات حياته ووضع مؤلفاته فيها، مع الرموز والاختصارات العربية والأجنبية، والفهارس، وفهرس عناوين المخطوطات والكتب ذات العناوين اللاتينية والعبرية .
إذا كان بدوي يكتب عن الغزالي كأحد أعلام الفكر الصوفي والإسلامي، فإن طه لا يكتفى بمجرد الكتابة وإنما يقارب بينه وبين فكره، فأجاب طه عبدالرحمن عندما، سُئل يوما هل عاش التجربة العرفانية كما عاشها الغزالي، فقال: « لا يجمعني أنا وإياه إلا خوض غمارها؛ فلم أدخل فيها فارّاً ولا شاكّا كما دخل فيها؛ ذلك أن الغزالي فرّ إلى التصوف اضطرارا، بينما أقبلتُ عليه اختياراً».
وقديماً كان أبو حامد الغزالي أشهر من دافع عن التصوف والأخلاق في مؤلفاته، لما رأى المهزلة الأخلاقية التي طرأت على الناس، والترف والبزخ الذي عاشه الملوك منفصلين عن حياة شعوبهم والمعاناة التي يعانيها أبناء القطر العربي الإسلامي، بينما الحاكم ينعم بكل وسائل الرغد والعيش الهنيئ. قديماً كان ذلك الأمر هو ما حفز الغزالي وأشعل في رأسه الأفكار التي احتوتها مجلدات الإحياء الكثيرة، التي لازالت إلى الآن من المراجع التراثية القيمة التي يقف أمامها المرء مفتخراً ومعتزاً بانتمائه لهذا الدين الحنيف. ثم جاء طه عبدالرحمن معيداً للأذهان هذا مرة أخرى نبأ هذا المجدد الهمام القديم صاحب الإحياء، ولكن العصر الذي جاء فيه طه غير العصر الذي شب فيه الغزالي وإن تشابه العصران في كثير من الأمور كما يقول الدكتور عباس أرحيله في مقارنته ما بين الغزالي وطه عبدالرحمن الذي وصف عن جدارة بغزالي عصره.
يقول د.عباس أرحيله في مقاربته«تميز كل منهما بعقل متمرد على أشكال التقليد، وتغمرهما ثقة بالنفس عارمة، إذ لهما اعتداد بالفكر لا حد له. لا يتهيب أحدهما خوض المعارك الفكرية، جعل الغزالي موكب متفلسفة العرب عبارة عن مجموعة من الفراشات تتهافت على ما توهمته أنواراً، فاحترقت. وواجه طه متفلسفة العصر فسفه أحلامهم ورماهم بالعقم الفكر، واعترض على مناهجهم في قراءتهم للتراث، وسخر من الطريقة التي تناول بها د.العروي مفاهيمه لإخراج العرب من التخلف، واعتبره نموذجاً لمقلدة العصر بامتياز، فكان عنده أكبر مقلد للفكر الغربي في العصر الحديث».
وهكذا، نرى كيف أن أحد أهم أعلام التصوف الإسلامي المعتدل، لم يغيب عن ذهنية الفيلسوفين، فالأول يتناوله من أجل التأريخ والتأكيد على الكتب المنسوبة إليه، فإننا نرى الثاني يتجاوز هذه الحفاوة العلمية والتقدير العلمي لشخصه، إلى التصريح بأن هناك تقارب ما يجمعها، وهذا يؤكد على مبلغ ما وصل إليه الدكتور طه من ترقى صوفي يجعله يقارن نفسه بأكابر الصوفية ومفكريها. بينما بدوي اكتفى بالسرد عنهم والنقل فقط، دون حتى أن يلفت نظرنا إلى بعض آرائه فيهم أو في تجاربهم الروحية الخاصة.

*التقارب الرابع : مناداتهما بفلسفة عربية قائمة على أساس التصوف الإسلامي

يعد الدكتور بدوي أول مفكر عربي ربط ما بين التصوف والوجودية من أجل أن يقيم مذهبا فلسفيا وجوديا يصطبغ بالصبغة العربية، بحيث يمكن أن يسمى بالوجودية العربية، وهو اصطلاح استخدمه بدوي نفسه.
«وإذا كان بدوي، بهذه المحاولة، يعد من الرواد الأوائل في الفكر العربي المعاصر الذين حاولوا إقامة مذهب فلسفي عربي معاصر، أياً ما كان هذا المذهب، فإنني أتجاسر على هذا وأثبت ملاحظتين على هذه المحاولة:
*الملاحظة الأولى: مؤداها أنه إذا كان الدكتور بدوي قد دعا إلى إقامة مذهب فلسفي عربي معاصر يسمى بالوجودية العربية، وإذا كان قد أشار إلى وجود أصول لهذا المذهب لدى صوفية الإسلام وخاصة المتأخرين منهم، وقد عرض هذا الفكرة في محاضرة له بعنوان «أوجه التشابه بين التصوف الإسلامي والمذهب الوجودي» والتي نشرها في كتابه «الإنسانية والوجودية في الفكر العربي» (الذي صدر في القاهرة عام 1947)، فإن من الملاحظ أنه على الرغم من مواصلة الكتابة عن التصوف الإسلامي وعن المذهب الوجودي، فإنه لم يتوسع التوسع الكافي الذي كان منتظراً منه في تدعيم هذا المذهب الفلسفي العربي المعاصر.
*الملاحظة الثانية: مؤداها أنه إذا كان بدوي قد تصدى لبيان الأصول «التراثية» المستمدة من التصوف الإسلامي للمذهب الفلسفي العربي المعاصر الذي يريد إقامته والذي يسميه الوجودية العربية، وذلك بتقديم قراءة وجودية لبعض النصوص الصوفية الإسلامية أو فهم وجودي لبعض قضايا التصوف الإسلامي، فإن ما فعله هذا المفكر العملاق لا يعدو أن يكون «استيراداً» لمذهب فلسفي أوروبي في جميع جوانبه وجعله قالباً يصب فيه ما وجده ملائماً من أقوال وأحوال الصوفية المسلمين [..] إن القول بوثاقة الصلة بين التصوف الإسلامي والمذهب الوجودي، وما يؤدي إليه من القول بإمكان أن تكون الصوفية الإسلامية مصدراً يصدر عنه المفكر الذي [..] يريد إقامة فلسفة شاملة في هذا العصر».
وبمعنى أكثر وضوحاً يبقى لبدوي السبق في تنبيه عقول مفكرينا الأفذاد إلى إمكان وصلاحية التصوف الإسلامية أن يكون أرضية وفضاء تسبح فيه فلسفة عربية خالصة، تنهل من معارفه وأحوال أهله، وأذواقهم. وسوف تكون هذه الفلسفة إذا تحققت فلسفة عربية إسلامية خالصة وأصيلة، وليست مستوردة لأنها نابعة من عقلانيتنا وتراثنا وحداثتنا المرتقبة.
وهنا يثار السؤال الأهم: هل يصلح التصوف أن يكون مصدراً من مصادر المعرفة للفلسفة عربية معاصرة؟
هذا الاشكال استطاع الدكتور طه عبدالرحمن الإجابة عليه بحنكة ومهارة شديدة، مستوعباً فيها الدرس جيداً، ومستبدلاً المذهب الوجودي عند بدوي، بمذهب صوفي إسلامي”خالص“، وتعود إمكان صلاحية التصوف كمصدر لفلسفة عربية إسلامية معاصرة في وجهة نظر الدكتور طه عبدالرحمن إلى عدة أمور هي :
أولاً : إن دور العقل المجرد في مجال التصوف محدود إلى حدّ كبير، لأن التصوف في جوهره تجربة ذوقية وجدانية، ولذلك لا يتخذ الصوفية من العقل المجرد مصدراً للمعرفة وإنما المصدر الأساسي للمعرفة عنده هو الكشف القلبي، والقلب كما هو معلوم في عقلانية الدكتور طه هو محل الإدركات العقلية.
فالعقل – عند الدكتور طه عبدالرحمن – فعل من أفعال القلب أو بالأحرى أداة القلب، وقياساً على ذلك تكون نقطة البدء الحقيقة للفلسفة الإسلامية عند الدكتور طه، هي القلب باعتباره حامل للعقل، فحق للحامل أن ينهض بالمسألة خيراً من المحمول.
ويضع الدكتور طه عبد الرحمن مجموعة من المعايير لهذه العقلانية القلبية وهي: الفاعلية والتقويم والتكامل، حتى تكون مصفاة لكل عقلانية لا يتبعها عمل،وتقويم لكل عقلانية لا تتطلع الى النظر الملكوتي.
ولا أحد يعترض بأن نظرة المسلم إلى سائر الأشياء والموجودات تختلف عن نظرة غير المسلم. فالأصل عند الأول هو”النظر الملكوتي“، والأصل عند الثاني هو” النظر الملكي“. أو قل” إن للمسلم نظرين اثنين إلى الأشياء لا ينفك يزاوج بينهما: نظر أصلي يتدبر به الأشياء هو “النظر الملكوتي” الذي يوصله إلى الإيمان، ونظر فرعي يدبر به الأشياء وهو “النظر الملكي” الذي يوصله إلى العلم“. ويعني هذا أن القيم العملية والأخلاقية هي التي تسهم في اجتماع الأمة، بل وخروجها من ضيق العقلانية المجردة إلى رحابة العقلانية الأخلاقية. فالعمل عند هذه الأخيرة هو الذي يلقح ويخصب الممارسة الفكرية العقلية حتى تفسح أمامها أفاق جديدة من النظر والتأمل والاعتبار.
ثانياً : إذا كان التصوف يشكل البعد الجواني للدين، لأنه يهتم بالجانب الروحي في المحل الأول، ويعتمد على التربية الخلقية للفرد، وربط الأخلاق النظرية بالتطبيق العملي، وعلى هذا يمكن القول بأن التصوف جزء مكمل للدين باعتماده مبدأ التزكية أو العمل التزكوي بتعبير الدكتور طه عبدالرحمن، لأنه التصوف تعمق مبالغ في الجانب الروحي للإنسان وماهيته الأخلاقية، مع الأخذ في الاعتبار أهمية الجانب الجسدي حتى يحدث التعادل المنشود للإنسان.
لذا فالدكتور طه عبدالرحمن عندما يتحدث عن التربية الخلقية المنشودة للفرد، يقر بأنه يجب أن تقوم على جانبين من الأهمية بمكان ذكرهما، وهما :
جانب جلالي: بمعنى البحث عن القوة في الأشياء، فالعقل يريد إرادة القوة، أي يريد أن يصل إلى ماهية الأشياء إلى جانب القوة فيها لتسخير الكون له.
جانب جمالي: أي إرادة الرقة في الأشياء أو بمعنى أوضح التحبب للكون بإقامة علاقة ود، علاقة حب مع العالم، ومع الكون. وعندما يتم تربية الفرد على هذين الجانبين، ويصبح لدينا أفراد أسوياء يسهمون في نهضة مجتمعاتهم، وفي تجديد النظر إلى تراثهم وحاضرهم.
ومن هنا رأى الدكتور طه عبدالرحمن أن التصوف في جملته وتفصيله يصلح مصدراً لقيام ونهضة فلسفة عربية معاصرة، ففي التصوف يترقى الإنسان بالتربية من نظرته للأشياء، فلا يهتم بالنظر المجرد ولا يشغله العمل المسدد وإنما يلجأ إلى الجمع بينهما في بوتقة واحدة داخلية، تأتي نتاج التجربة المفعمة بالتأييد الصوفي.
وإذا نحن لم نقبل التصوف ككل، كمصدر أساسي لقيام فلسفة عربية معاصرة، فلا أقل من أخذ أفضل ما فيه واعتبارها مصدراً ثانوياً وهو منهج التربية على الطريقة الصوفية. وهذا ما أكده الدكتور طه باعتبار أن التصوف في حد ذاته كظاهرة روحية هو نمط سلوكي وأخلاقي يعتمد ويستند إلى التربية والتزكية بالأساس.
ونخلص من ذلك، قائلين في حق الفيلسوفين العربيين، بشأن مناداتهما بقيام الفلسفة العربية خالصة. فإذا كان الأول الدكتور عبدالرحمن بدوي، نادى بفلسفة وجودية تعتمد على إعادة قراءة تاريخ التصوف كأساس لقيامها، وهنا يثار التساؤل الأهم: هل يمكن قيام فلسفة عربية إسلامية تعتمد على قراءة جديدة لمبحث التصوف الإسلامي؟ فإن الثاني الدكتور عبدالرحمن طه قدم فعلياً ونسقياً فلسفة (أو على الأقل تنظير) لقيام فلسفة إسلامية خالصة لا تشوبها شائبة الوجودية أو غيرها من الفلسفات المنحولة، وإنما قدم عقلانية مؤيدة بـ«يقين صوفي» لينشأ بذلك الحداثة الإسلامية العقلانية الأصيلة. 
من هنا، يتلاقى الفيلسوفان العربيان في بعض غايات مشاريعهما ألفلسفية على أساس الرؤية العميقة التي تقرب بينهما. فبينما الأول ينادي بإتخاذ مبحث التصوف كمصدر لقيام فلسفة عربية إسلامية معاصرة، راح الثاني مستخدماً تجربته العرفانية كطريق لتأسيس وترسيخ هذه الفلسفة. فالأول فضل السبق في الإشارة، والثاني فضل القيام ببناء العبارة! والفلسفة الخالصة على السواء، أو بالأحرى التنظير لذلك من خلال تأسيس الفقه الفلسفي اللازم والضرب بمطارق من حديد لتفكيك المرجعيات الفلسفية المستوردة، وحث المفكرين على الخروج من عبارة التبعية والتقليد إلى فضاء الإبداع والاجتهاد والتجديد.
ودلالة المقاربة بين الفيلسوفين العربيين تأتي في المقام الثاني من تأكيدهما على أهمية وضرورة استيعاب الدرس الصوفي الذي ينأى بنفسه عن النظرة البرانية للأشياء ويلجأ إلى التعمق في الذات، ونجد مردودا لهذا الكلام واضحاً في التقسيم أو التدرج العقلاني الذي أبدعه طه، والذي يبدأ من التجريد وينتهى إلى التأييد واليقين الصوفي!.
وهكذا، نعود لاستذكار قول حسن حنفى الانفة الذكر:”والحقيقة أن بدوي بما قدمه من كتابات، إنما يؤسس ليس فقط للدراسات الفلسفية، وإنما لخلق وعي عربي معاصر، أو ما أسماه في أول دراساته ثورة روحية». 
ولا شك أن الفلاسفة العرب عموماً، سواء كانوا من المشرق ام من المغرب، ليسوا دوائر منعزلة، ومنفصلة عن بعضها، بل يحدث بينهم سواء بوعي أو عن لا وعي، تلاحق فكري، نتيجة لتجلى روح الحضارة فيهم، باعتبارهم مظهراً لعقل جمعي كلي واحد.

*التقارب الخامس: العبدالرحمن كلاهما يدافع ويذود عن الإسلام

يدافع العبد الرحمن عن الإسلام، كل حسب طريقته ومنهجيته، ومشروعه، وما يمتلكه من أدوات منهجية ومكتسبات نظرية حدثية. فإذا كان عبدالرحمن بدوي أفتتح دفاعه عن الإسلام بشكل صريح بكتابه المعنون باسم «دفاع عن القرآن ضد منتقديه»، وكتاب دفاع عن النبي ضد الطاعنين فيه»، فإن طه عبدالرحمن، يدافع عن الإسلام دون تصريح أو وضع لافته وإنما يعمل في صمت ليهدم الشر المقيم والبلاء النازل على المسلمين في شتي بقاع الأرض فيهدم أول ما يهدم الحداثة الغربية ويقوض دعائمها بالدليل والاستدلال والحجة من اجل ليبني حداثة إسلامية خالصة، قوامها الأخلاق الأسلامية وتجديد النظر في النص القرآني.
كل من الفيلسوفين يذودان عن حياض الإسلام من جهته، ووفق منهجيته، فهذا الذي تخصص في الاستشراق وأبحاثه جاء دفاعه في معظمه في سياق الرد على المطاعن التي دسها المستشرقون وأشهروها سيوفاً، يبيّتون في أنفسهم ونواياهم قطع دابر الإسلام، فيشهر بدوي سيفه، ويُسخر نفسه وعقله وجهده، ويشحذ عدته الفلسفية والعقلية من أجل رد هذه المطاعن والذود عن الحضارة الاسلامية. إذن،يختم بدوي حياته بالدفاع عن الإسلام، والروحانية الإسلامية، ويدافع عن القرآن، والنبي محمد محاميا رائعاً ومنهجياً. كما يلي:
*أولاً : دفاعه عن القرآن وعن رسول الله إسلام
ففي السنوات الأخيرة لحياة الدكتور بدوي من باريس مجموعة كتب إسلامية باللغة الفرنسية يدافع فيها عن الإسلام وعن نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، وقد صدر الكتاب الأول سنة 1989 تحت عنوان «دفاع عن القرآن ضد منتقديه» (Defense du Coran contre ses Critiques) وصدر الكتاب الثاني في العام التالي تحت عنوان : «دفاع عن حياة النبي محمد ضد المتقصين لقدره» (Defense du la vie du Prophéte Muhammad contre ses Detracteurs) وفي مقدمة الكتابين اللذين صدرا أوضح بدوي سبب تصديه لهذا العمل ليصحح به الفكر المغلوط عند كتاب الغرب والمستشرقين، وليبين لهم الحقائق التاريخية التي أعمى تعصبهم ضد الإسلام رؤيتها، وحجب عن أعينهم جهلهم بالتاريخ الإسلامي معرفتها.
يقول د.بدوي في مقدمة كتابه (دفاع عن القرآن) ما نصه (القرآن، وكونه الأساس الجوهري للإسلام، كان هدفاً رئيسياً لهجوم كل من كتب ضده، في الشرق مثلما في الغرب، وذلك منذ قبيل النصف الثاني للقرن الأول الهجري/السابع الميلادي، حتى الآن، ولقد بدأ يوحنا الدمشقي (حوالي 650 – 750م) هذا الهجوم بتوجيه عدة انتقادات على النسق العام للقرآن، ثم تبعه إثيوميوس زيجابنيوس، ثم نيكيتاس البيزنطي في مقدمة كتابه [نقص الأكاذيب الواردة في كتاب العرب المحمديين (المسلمين)].
واختتم بدوي في مقدمة كتابه هذا بقوله : «إننا سوف لا نعالج في كتابنا هذا كل القضايا التي بحثها المستشرقين عن القرآن، ولكن سوف نتعرض لأكثرها أهمية، متقيدين بفترة زمنية تنحصر ما بين منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف قرننا العشرين، ومنهجنا في بحثنا هذا هو المنهج الوثائقي والموضوعي الواضح، وهدفنا كشف القناع عن العلماء الكاذبين الذين قدموا الضلال والتزوير لشعب أوربا ولغيره من الشعوب، وبإبراز الحقيقة الواضحة سيحرز القرآن النصر على منتقديه».
ففي مقدمة كتابه «دفاع عن حياة النبي محمد» يعبر د.بدوي عن مدى خيبة الأمل التي اكتشفها في بعض المستشرقين ومدى الصدمة التي صدمها حيال من كان يكن لهم الاحترام الكبير فيما سبق أن كتبوه في الأدب والفلسفة فيما كتبوه عن الإسلام وعن نبي الإسلام، فلقد اكتشف سذاجة معلوماتهم عن الإسلام وجهلهم المطبق عن نبي الإسلام وعن التاريخ الإسلامي عموماً، وتعصبهم المقيت وتحاملهم الشديد في كل ما كتبوه وقدموه للعالم طوال قرون عديدة.
ولقد صرح بدوي في مقدمته بأنه بعد أن درس هذا الكم الهائل من الكتابات الزائفة التي كتبها المستشرقين عن الإسلام ونبيه بعد أن تكشف له هذا الزيف والتضليل المتعمد والمتحامل، قام بتأليف هذا الكتاب دفاعاً عن نبي الإسلام. وصرح بأنه خاطب من خلاله أولئك الذين يبغون معرفة الحقيقة وتحري الأمانة فيما يتصل بالموضوعات التي تشغل بالهم وتحظى باهتماماتهم. يقول في هذه المقدمة إنه يقدم كتابه لهم يصحح فيه ما سبق أن كتبه كتاب البيزنطيين والأوربيين خلال قرابة اثني عشر قرناً في موضوع حياة النبي محمد. يقول في هذا الصدد «ولهذا رأينا، بعد فحصنا لهذه المؤلفات ودراسة طبيعة وتكوين هؤلاء المؤلفين العلمي، الذين تظاهروا بالأخذ بالتوثيق العلمي، أنهم غالباً ما يكونون متعصبين لمعتقداتهم الدينية وانتماءاتهم القومية والعرقية، وأن أيا منهم لم يرجع إلى مصدر واحد صحيح وثقة عن حياة محمد، رغم تملكهم ووقوع كل مصادر التنوير في أيديهم. لهذا السبب اضطررنا – ها هنا- أن نفضح تجاوزاتهم وأن نكشف أخطاءهم وأن نفند ونرد على افتراءاتهم وأن نقوم أحكامهم المبنية، في غالبها، على وقائع خاطئة وأوهام كاذبة. كل هذا من خلال هدف قصدنا به القارئ غير المسلم نقدم له الإسلام خالصاً ودون رتوش ونقدم له شخصية نبيه من خلال تصور صحيح ومنصف وعادل]. 
ويشير بدوي في تمهيد كتابه إلى أن أول كاتب أوربي كتب كتابة عادلة عن محمد وعن الإسلام، كان الكاتب أدريان ريلان الهولندي (ت : 1718) في كتابه الذي كتبه باللاتينية تحت عنوان (الديانة المحمدية) وترجم بعد موته إلى الألمانية وإلى الإنجليزية.
فالفصل الأول من الكتاب هو يحمل عنوان (صدق محمد فيما نزل عليه من وحي) يدافع بدوي عن حقيقة نزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عند بلوغه سن الأربعين وتلقينه القرآن له. وهو الأمر الذي شكك في حدوثه المستشرقون، بداية من ثيوفان ونهاية بسبرنجر واتهامهم محمد بتأليف محتوى القرآن مما أخذ من رهبان النصارى وأحبار اليهود. وفي الفصل الثاني من الكتاب جاء دفاع بدوي عن دعاوى المستشرقين فيما عرف بنزوات محمد المزعومة، وهو عنوان الفصل الثاني من الكتاب.
أما الفصل الثالث من الكتاب الذي جاء تحت عنوان (سياسة محمد مع خصومه) وفيه يشرح بدوي سياسة سيدنا محمد مع يهود ونصارى الجزيرة العربية، ودفع بعض الشبهات التي أثارها المستشرقين أمثال كايتاني، وجابريللي ووات وغيرهم الذين ذرفوا الدم على قتلى اليهود في غزوة الخندق وغيرها. ونقض بدوي ما ذكره بعض المستشرقين من زعم حرب محمد لليهود بعد أن فشل في استمالتهم إلى الإسلام غداة هجرته إلى المدينة.
وأما الفصل الرابع جاء تحت عنوان (صدق محمد حيال معاهداته المبرمة)، يتحدث فيه بدوي عن صلح الحديبية وعن فتح مكة، وكيف أن نقض هذا الصلح كان سبب فتح مكة، ثم تحدث عن عفو النبي عن أهل مكة بعد تمكنه منهم بقوله : «في كل تاريخ الإنسانية، لم يحدث أن قام فاتح بمثل ما قام به محمد غداة فتحه مكة، لقد عفى عن أعدائه الذين حاربوه قرابة العشرين عاماً وعاملوه بكل منكر وقبيح، لقد عفا عن أبي سفيان، قائد معظم معارك مكة ضده، كذلك عفا عن (هند) زوجة أبي سفيان التي اغتالت عمه حمزة في معركة أحد ومثلت بجتثه، وعفا أيضاً عن قواد مكة: عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو».
وأوضح بدوي أن غالبية المستشرقين من أمثال: وات وبهل ورودنسون لم يقدروا هذا الصفح من صاحب القلب الكبير ولكنهم عزوه لتحقيق أطماع شخصية ومنافع مادية له.
والفصل الخامس الذي جاء تحت عنوان (أصول الفرائض الإسلامية) التي أقرها النبي، يناقش بدوي المستشرقين في ادعاءاتهم بأن الفرائض الإسلامية، من صوم وصلاة وزكاة وحج، ذات أصول يهودية ومسيحية ويثبت بطلان ذلك الادعاء بالبرهان الواضح القاطع.
وفي الفصل السادس والأخير والذي جاء تحت عنوان (التنديد في صحة رسائل وخطب وأحاديث النبي) يتعرض بدوي لطعن بعض المستشرقين في صحة رسائل النبي وخطبه وأحاديثه ويرد على هذا الطعن بما يثبت صدقها وصحتها.
هكذا، نرى دفاعاً فلسفياً يدحض ادعاءات المستشرقين الذين تجردوا من كل قيم الموضوعية والحيادية عند حديثهم عن القرآن ونبي الإسلام، لذلك يتصدى لهم الدكتور عبدالرحمن بدوي بكل ما أوتي من معرفة وحكمة. بينما الدكتور طه عبدالرحمن يدافع عن الإسلام مستخدماً أسلحة فلسفية و منطقية- منهجية كثيرة، يمكننا حصر بعضها كالآتي:
أولاً – دفاع عن التصوف ضد الحركات السلفية
ينطلق موقف الدكتور طه عبدالرحمن في الدفاع عن التصوف الإسلامي (أو العقلانية المؤيدة) من منطلقين أساسين. الأول دحض ادعاءات التيار الإسلامي الحركي ممثل في الجماعة السلفية التي تصدر دائماً مواقف متشنجة تجاه الصوفية عموماً. والثاني في دحض ادعاءات التيار العلماني الجاهل بالممارسات الصوفية الحقة والمعتبرة أساسا في تاريخ التصوف الإسلامي.
ونورد هنا آراء الدكتور طه عبد الرحمن في الدفاع عن الإسلام والتصوف والتي وردت في كتابه القيم (العمل الديني وتجديد العقل) وهذا الدفاع لا يستهدف غض الطرف عن السلبيات والعيوب والنقائص التي تلحق بالظاهرة الصوفية بعامة، وإنما هدفها هو الإسهام في النقد الذاتي وتقديم آلية للإصلاح الصوفي والنهضة الإسلامية بعامة . وهو يقول في مقدمة كتابه العمل الديني وتجديد العقل في هذا الشأن «أن اليقظة الدينية“ـ أو”الصحوة الإسلامية“، على انتشارها في الآفاق وتأثيرها في النفوس، تفتقر إلى سند فكري مُحَرَّر على شروط المناهج العقلية والمعايير العلمية المستجدة، فلا نكاد نظفر عند أهلها لا بتأطير منهجي محكم، ولا بتنظير علمي منتج، ولا بتبصير فلسفي مُؤسِّس”. فهذه الانزلاقات دفعت د. طه إلى المطالبة بضرورة محاسبة “المتكلم في شؤون العقيدة على مدى انطباق ما يقول على سلوكه ومدى استحقاقه أن يكون قدوة فيما يقول”.
ويفكك د.طه آفتين من أعظم الآفات التي سقطت فيها الحركة السلفية الإسلامية عند تقويضها لدعائم التصوف، وهما بالتحديد، آفتي “التجريد” و“التسييس”.
فأما “آفة التجريد”، ويقصد بها قصر التأمل في النصوص على العقل المجرد وحده، فتتجلى في وجهين للممارسة السلفية: وجه “التسلف النظري” الذي يقول بإمكان الإدراك العقلي المجرد للدلالات الحقيقية للنصوص الأصلية وإمكان الانتفاع العملي بها بمجرد هذا الإدراك، ووجه “التسلف النقدي” الذي يقول بإمكان التحليل العقلي المجرد للمعارف والتجارب وإمكان ضبط اقتران النظر بالعمل. ثم “آفة التسييس”، وهي تعليق الإصلاح بالجانب السياسي وحده وصرف الجانب التأنيسي بأشكاله الثلاثة: “اجتناب التطرف” و“الخلو عن التوقف” و“دوام اليقظة”. وكلتا الآفتين “التجريد” و“التسييس” حدَّت من آفاق الممارسة السلفية إن لم تخرج بها عن مبادئها وأهدافها. 
ثانياً – دفاع عن روح الحداثة الإسلامية بعد أن ابتلعتها واقعية الحداثة الغربية.
إن روح الحداثة غير واقع الحداثة عند طه عبدالرحمن، وعلى العرب المسلمين أن يبحثوا لهم عن مخرج من هذا المأزق، وليس الخروج إلا عن طريق الإبداع الفلسفي وامتلاك تلابيب اللغة والإحاطة التامة بمنهجية البحث الفلسفي، ولنترك تفكيك المرجعيات الفلسفية للدكتور طه يعمل فيها معاوله المنطقية من أجل تقويض دعائمها. وقد نادي طه في مؤتمراته وحواراته بضرورة الحداثة الإسلامية الأخلاقية لمواجهة الحداثة الغربية، وبرغم أنه سبق لنا الحديث عن هذا الأمر إلا انه لا يفوتنا التأكيد على عدة نقاط:
– عمل طه عبدالرحمن على التفرقة الحاسمة بين روح الحداثة (الإسلامية) المنشودة وواقع الحداثة الغربية. وفي هذا يقول عبدالرحمن طه «روح الحداثة هي جملة القيم والمبادئ القادرة على النهوض بالوجود الحضاري للإنسان في أي زمان وأي مكان، أما واقع الحداثة فهو تحقق القيم والمبادئ في زمان مخصوص ومكان مخصوص، وبالطبع فإن هذه التحققات سوف تختلف باختلاف الظروف الزمكانية. يترتب على هذا التمييز نتائج من بينها: أن الحداثة ليست تطبيقاً واحداً، بل تطبيقات متعددة باعتبارها روحاً لا تتجلى في مظهر واحد، فهذه الروح عبارة عن جملة من المبادئ ومعلوم أن المبدأ لا يستنفذه أبداً تطبيق واحد، إذ هو بمنزلة القاعدة العامة التي تجري على حالات مختلفة. وأيضاً التفاوت بين واقع الحداثة وروحها، فهذا الواقع الذي يجسده التطبيق الغربي للحداثة ما هو إلا وجه من وجوه التطبيقات الممكنة لهذه الروح، وبالتالي فإن الواقع الحداثي غير الروح الحداثية تبعاً لخصوصية المجتمع الذي يطبقها.
وانطلاقاً من هذه الروح الوثابة التي وضع لها معايير تحدد عملها، ومبادئ يمكن على مقتضاها يتحقق الفهم والاستلهام . لهذا جاء تأكيد الدكتور طه على أن روح الحداثة التي يفترض أن واقع الحداثة يطبقها أو يحققها، تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية هي :
*مبدأ النقد: وهو الذي يخرج الحداثي من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد، وهو بدوره يقوم على ركنين أساسين هما: (التعقيل/التفصيل والتفريق).
*مبدأ الرشد: وهو الذي يخرج الحداثي من القصور واختيار التبعية للغير بمختلف صورها إلى الرشد ويقوم بدوره على ركنين أساسيين هما (الاستقلال وقوة الذات/ الإبداع في الأفكار والأقوال والأفعال).
*مبدأ الشمول: وهو الذي يخرج صاحبه من الخصوص المجالي والمجتمعي إلى دائرة الشمول، وهو بدوره ينبني على ركنين أساسين هما (الامتداد أو التوسع والتعميم). 
وبناء على ذلك، يمكننا القول إن «خصائص الروح الحداثية إذن هي أنها روح ناقدة وراشدة وشاملة». وعمل بهذا المبادئ يمكن قيام حداثة عربية إسلامية أصيلة.
ولأن الدكتور طه عبدالرحمن، يعد بجدارة أحد مفكري الصوفية النابهين، فلم يأت إليه بعقله وإنما ساقه قلبه وذوقه إلى ذلك، من أجل ذلك كان منوطا به أمر جلل، مما أدى إلى توسعة عقله وقلبه على السواء، لاستيعاب العلم اللدوني الذي وهب من القدير لمن أحسن الفهم والتدبير، وتعقل الأمور بيقين. بينما بدوي تدرج في تحولاته الفكرية، وبدا ثائراً تارة على التصوف وتارة مستسلماً له بعد أن حصل لديه، شيء من الهدوء الذي يلاقيه سالكي الدرب الصوفي في مبتدئه. لهذا يمكننا الإقرار بأن طه كان لديه فتوحات نورانية يقينية مؤيدة، بينما الثاني اجتهد قدر الطاقة فحصلت له اجتهادات.

خاتمة :

وفي الختام نقول إن الدكتور عبدالرحمن بدوي، فعل مثلما فعل عبدالرحمن طه، مع الفارق الكبير بن عقلية الرجلين، فالدكتور عبدالرحمن بدوي دافع في كتابه «دفاع عن القرآن ضد منتقديه»، دفاع الفرسان، وقد كان مهموم الفؤاد بأوضاع الإسلام والمسلمين في العالم، فكان «يزعجه كثيرا الكتابات الغربية المتعجلة التي تتناول الإسلام، وكان يقول: لقد كرست كل جهودي في السنوات الأخيرة للدفاع عن الإسلام والتصدي بالتفنيد والتحليل لكل الكتابات الغربية المغرضة، لكن أحدا في عالمنا الإسلامي لا يدري أو يكاد يحفل بما أكتبه، لأني أختلف عنهم في تحليلي ومذهبي وعقلانيتي!!، والمؤسف أنهم – سامحهم الله – لا يحفلون إلا بكتابات ساذجة تضرّ الإسلام أكثر مما تفيده وينفقون في ذلك الأموال الطائلة»، أما عبدالرحمن طه فقد ألف كتباً للتنظير لما يعرف باليقظة الإسلامية التي وجدها تفتقد إلى السند الفكري، وخير دليل على هذا كتابه القيم «العمل الديني وتجديد العقل». فكلا الرجلين دافع الإسلام بطريقته الخاصة ووفق مسلماته نسقه الفلسفي الإبداعي الذي أقامه، لأن يبقى لطه ومشروعه الفلسفي السبق في نعته بالإسلامية والعرفانية الراقية، المحلقة في تجليات العقلانية، بينما الذي يقف على المشروع الفكري لبدوي لا يستطيع إلا تقسيمه إلى مراحل، تكاد تنفصل عن بعضها البعض ولا يربطها رابط، غير أن بدوى أبدع هو الآخر في الشأن الصوفي بدراساته الغزيرة، وتحدث في أمور لم تكن مخصوصة وذات صلة وثيقة بالصوفيات لم يتحدث بها الدكتور طه نفسه، ولعله نأى بنفسه عن ذلك حتى لا يتم إقبار مشروعه في هذه الزاوية الضيقة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق