الذكورات المنبوذة: أبوسعدية وأمثاله (ج3)

لمن تدق أسئلة أبو سعدية الأجراس؟


ونحن نريد التفكير نقديا في خطاب الذكورة كمنظومة فكرية ثقافية سياسية تعبر عن رؤية محددة للذات والآخر والعالم نجد أنفسنا أمام مجموعة من التساؤلات الملحة والمحرجة ألا يمكن اعتبار هذا المفهوم “الذكورات المنبوذة” من المسكوكات التي أنتجتها استراتيجية التسمية لخطاب الذكورة كسلطة سيطرة وهيمنة، فالقدرة على التسمية هي قدرة سلطة ذات هيمنة أو تسعى إليها؟ بمعنى أين يكمن العجز في إنتاج المفهوم المناسب لنقض الذكورة كممارسة سياسية اجتماعية وفكرية ثقافية؟ أ ليس في القبول بهذا المفهوم كما هو اعتراف بالثنائية الضدية المفتعلة بين الذكورة والأنوثة إلى درجة الحساسية من خوف وصف خصوم الذكورة تبعا للمضمون الذي حددناها به بأي لفظ أو تعبير قد يحيل بشكل أو بآخر إلى ما هو أنثوي؟ فما سر هذا الخوف من رهاب الخصاء اللغوي والمعنوي في حق الذكورات المنبوذة كممارسات إيديولوجية وسياسية نقيضة للذكورات الصراطية كممارسات إيديولوجية وسياسية و فكرية ثقافية ؟ وإذا كنا على وعي بتجاوزنا للمنطق الايديولوجي السياسي البيولوجي للذكورة الصراطية كأساس للتفكير والتحليل والنقد فما الذي يجعلنا أسرى استراتيجية سلطة التسمية هذه؟ وهل يعود سبب هذه الالتباسات إلى استعمالنا المجرد للمفاهيم بمعزل عن ربطها بالممارسات الإيديولوجية السياسية أي بالصراعات السياسية والاجتماعية والثقافية كواقع تعيشه المجتمعات؟ كيف يمكن لنقد ونقض الذكورة أن يكون ذكورة منبوذة؟ وهل الذكورة شرّ لا بدّ منه أم أن إنتاج المفهوم البديل صعب إلى هذا الحد إلى درجة تجعل الفكر النقدي للذكورة مكرها على الانطلاق من التربة الايديولوجية نفسها كما لو أن اللغة الذكورية شاملة وشمولية بحيث لا مفر من استعمال عدتها اللسانية والمعرفية والثقافية ؟


أولا أبوسعدية وشم في ذاكرة المحجب والبغيض = إرادة النساء وإرادة الشعب
هل يمكن أن تكون الكتابة إزاء التحدي الذي يطرحه أبو سعدية سهلة ومبتذلة وفي متناول الجميع، و تسمح بنوع من حق التأويل انطلاقا من قراءة معينة للألوان والأشياء والعلاقات والرموز والعلامات والدلالات، قراءة يمكن ان تؤسسها المقاربات السميائية والسوسيولوجية وانتروبولوجية المتخيل الثقافي والاجتماعي..؟
بمعنى هل نستطيع وبثقة كاملة في النفس، انطلاقا من معرفة مدرسية أكاديمية تجهل حرقة أسئلة البعد النقدي في الفكر والحياة، التجاسر وبوقاحة مسحة الصوفي المقنعة بخدعة الورع الديني الأخلاقي على خدش المحجب والبغيض، ذلك القبح المزدوج لإرادة النساء وإرادة العامة أو الشعب الذي يستميت المقدس الخليفة بشراسة على حجبه وإخفائه وقهره، بالخنوع والسمع والطاعة، في وقت يصر أبو سعدية على حمل عبئه الثقيل؟ أين يختفي المهمش ويتمظهر السائد بلغة ناجية الوريمي؟ أو بالتعبير المؤرق لناصر حامد أبو زيد في كتابه الخطاب والتأويل كيف يسود خطاب المركز للغزالي ويبتلع خطاب الهامش ابن رشد؟ أي كيف يحكي ويعيد أبو سعدية إنتاج سيطرة المركز على الهامش؟ ما الذي يخفيه أبو سعدية من سيرورات تاريخية اجتماعية سياسية ثقافية، ومن صراع حول المعاني والأفكار والدلالات، ومن تعدد أريد له الحجب والفناء؟
نريد أن نفكر في “تلك الأسئلة التي من شأنها أن تدخلنا في تاريخ آخر يقذف به البحث عن التفسير إلى الجانب الآخر من المرآة”. حيث يختفي التاريخ الصامت والمسكوت عنه وراء الإبداع السحري للتراث الحي المتحرك والدينامي الذي يمثله أبو سعدية وهو يتحايل في أشكال مقاومته للمقدس والسلطة.
وهل نحن في غنى عن منهجية “رونيه جرار” في العنف والمقدس الذي سيفيدنا في الكشف عن الأسس والآليات المعرفية والمعنوية السياسية والدينية والثقافية التي عملت على حصر الشر في الأنثوي والعامة، أي في المحجب والبغيض بتعبير فاطمة المرنيسي، والوقوف بالمرصاد في وجه الحنان المتولد من صراع الحب والجنس، أي من صراع الأنثوي والذكورة المنبوذة التي تجرأت على رد الاعتبار للنساء والعامة ضد الأسياد والارستقراطية، ومن ثمة الوقوف على ما أريد له أن يكون كبش الفداء أو الأضحية البديلة التي أنتجت السلطة روايتها بعنف القهر في إطار مربع “المقدس، السلطة، الجنس والحقيقة” وأسست لها تقاليدها الإسلامية بدءا من تلك الثورة المغدورة لصراع الحب والجنس المتمثل في احتجاج نساء النبي، حيث كان للمقدس وللسلطة الذكورية الكلمة الفصل فكيف يمكن الحديث عن الروحانية النسائية في ظل النظام الأبوي الذكوري الذي مثله الخليفة عمر؟ “لم تكن صدفة أن يصبح الناطق الرسمي للمقاومة الذكورية ضد مشروع المساواة النبوي فبالنسبة له كما بالنسبة لكل الصحابة الكثيرين الذين يمثلهم كان ينبغي أن تقتصر التغييرات التي يدخلها الإسلام على الحياة العامة والروحية، أما الحياة الخاصة فيجب أن تبقى محكومة بعادات الجاهلية، العادات التي كان محمد وربه قد رفضاها منذئذ بأنها غير متماسكة مع النظام الجديد للقيم الإسلامية الذي يؤكد على المساواة للجميع بما في ذلك المساواة بين الجنسين”.
لكن وللموضوعية، ألا يمكن الحديث عن ذكورة منبوذة حاول الرسول تأسيسها في اعترافه بالنساء، وفي تكسيره لحواجز المجال بين الخاص والعام، وبين البيت والمسجد، وبين حضور النساء والرجال، إلى جانب إنصاته لمطالب النساء، مثل إلحاح أم سلمى على المساواة بين الرجال والنساء في الدنيوي والأخروي؟


ومن جهة أخرى ألا يذكرنا أبو سعدية بنص هام حيث “ينقل الطبري شهادة رجل حضر تشييع الخيزران إلى مقرها الأخير سنة 173 ه” قال رأيت الرشيد يوم ماتت الخيزران وذلك في سنة 173 ه وعليه جبة سعدية وطيلسان خرق أزرق قد شد به وسطه وهو آخذ بقائمة السرير حافيا يعدو في الطين حتى أتى مقابر قريش فغسل رجليه ثم دعا بخف وصلى عليها ودخل على قبرها“. هكذا أريد لذاكرة المقدس والسلطة أن يسخر من الذكورة المنبوذة، من خلال تبخيسه لإنسانية المرأة واحتقارها إلى أبعد الحدود واعتبارها كائنا ما دون خط البشر فتم الانتصار لتأويل واحد ضيق في خلفيته المعرفية، وفي قيمته الدينية، وفي رؤيته السياسية الكونية لمفهوم المجال الخاص السلمي الحريم، والعام الحربي الذكوري، وفي نظره للاختلاف الجنسي كهندسة اجتماعية، كما تم اختلاق أحاديث نبوية عدائية في حق النساء وفي حق الرجال الذين رفعوا من شأن المرأة، ومن قيمتها الإنسانية وليس هارون الرشيد وحده من كان ضحية هذا الخطاب الذي تحالف في إنتاجه وتشكيله عبر أحادية في التفكير وفق تصورات ومعتقدات تحجب كليا الحقيقة التاريخية والتعدد الفكري والسياسي والقيمي والمعنوي الذي عاشته المجتمعات العربية والإسلامية. وهذا ما يوسع من إشكالية أركون في تناوله لـ”الحقيقة، العنف، المقدس“التي لم تعد ثلاثية الأبعاد بل رباعية الأبعاد” الحقيقة، السلطة، المقدس، الجنس“إنه بعد الرهاب النسائي والشعبي، أي الرهاب من النشوز عند النساء والعامة وهو في لسان ابن منظور مرادف للإرادة في أوسع معانيها الوجودية والإنسانية وهذا البعد المكبوت والمخفي والمحجب كانشطار عاطفي ووجودي يعيشه الرجال في علاقتهم بالمرأة بين المقدس والمدنس، حيث المقدس مسطح لا عمق له إلا المدنس. فأية روحانية مذهبية أو طائفية أو صوفية يعيشها الرجال وتعيشها النساء بخشوع ابن آوى؟
أما الضحية الثانية فقد مثلها يزيد الثاني الذي لم ينصفه المؤرخون القدماء والمحدثون في حبه وفي تجربته السياسية مع المعارضة حقنا للدماء بل تحاملوا عليه بسبب حبه للجارية”حبابة“هكذا عوقب بالنسيان والسخرية كل الذين تقاسموا السلطة مع النساء، الشيء الذي يجهله الكثيرون، حيث هناك في تاريخ الإسلام نساء مارسن الحكم بجدارة تضاهي حكم الخليفة كشجرة الدر وست الملك وأسماء وأروى وغيرهن كثيرات.
إن هذا الارتباط الأمومي بالخيزران المرأة الحرة التي حكمت من وراء زوجها وأبنائها، خاصة هارون الرشيد الذي لم يكن يرى في ذلك أي نقص يهين رجولته، يدل على حاجة المجتمع لنسائه ورجاله ولكل الإرادات الحية والفاعلة.
إن ذاكرة الأشراف والملأ الارستقراطية التي تكن الحقد والعداء والعدوانية للمرأة والعامة والعبيد أخذت في التشكل والتبلور كمقاومة للمساواة والعدل واقتسام الفضل والسلطة بمعيار الكفاءة والتقوى. هذه الرؤية العدائية تطورت حتى سادت صورتها النمطية الوحيدة حول موقف المجتمعات الإسلامية من العامة الشعب والنساء وحاولت بكل ما أوتيت من جهد المعرفة والسلطة الدينية والدنيوية، من حكام ومؤرخين وفقهاء وقضاة تشويه التجربة الإسلامية التاريخية للنبي في علاقته بالنساء والعامة أو الشعب، كما عملت على اغتيال تاريخ ذاكرة الشعوب وهي تسدل الستار على عبيد وجوار، نساء ورجال حكمت عليهم بالحجب والنسيان والإقصاء والتهميش، في وقت أسسوا دولا رائعة في الحكم وتجاوزوا ضعف الخليفة وهشاشة مؤسسة الحجابة، وفقه الحجاب مثل انهيار الخلافة في وجه الغزو المغولي الذي قتل الآلاف من الناس بما في ذلك الخليفة المستعصم الذي سخر من شجرة الدر حاكمة دولة المماليك، أي العبيد الذين استطاعوا وقف الزحف المغولي وتصدوا له ببسالة بفضل تضافر جهودهم بقيادة امرأة، بل أكثر من ذلك هزمت الغزو الصليبي الفرنسي وأسرت ملكهم.
إن سخرية ووقاحة العداء إزاء المحجب والبغيض الذي أراد أعداؤهما تأسيسه في وجه الذكورات المنبوذة هي التي يحمل أبو سعدية سياقاتها الدينية والسياسية والتاريخية والثقافية، فمن يزيح هذا العبء عن كاهل وروح أبوسعدية؟ إنه عبء ليس من المزق والخرق والأقنعة والاستعارات المؤلمة والمتخيل المسرحي، والفكاهة بإيقاع أكل اللحم البشري الحي، عبر السخرية والضحك وإسقاط الكراهية والعدوانية والعنف الداخلي للذات على الشبيه والنظير. فمن يزيح هذا العبء حيث تبلور تراث من الهزء والسخرية اللاذعة في حق كل ذكورة ناصرت والتحمت بالتفاعل المخصب للقيمة الإنسانية بين الرجل والمرأة من خلال قبول ندية حق الكلام و حسن الإنصات لإرجاع الأثر في صراع الحب والجنس في إطار السلطة والمقدس ؟
 فلا بد من العمل بطريقة الفريق لأن الورشة ورشات تتجاوز قدرة الفرد على حمل هذا العبء القريب من صخرة سيزيف، أو على ابتلاع هذا الكم الهائل من الألم والعذاب التاريخي، من هنا ضرورة البحث والتنقيب والحفر في الطبقات المعتمة لذاكرة الفقدان والنسيان والحجب والحجابة.


لا أعتقد أنني تعسفت في قراءة وشم الذاكرة الحي، حيث انقلب السحر على الساحر، وظل أبو سعدية ذاكرة حية عصية على الفقدان والنسيان، كفوهة بركان تاريخي مكبوت ومسكوت عنه ومغيب بآلاف أشكال الحجاب، منها السخرية والقدح والقبح. فما الذي يعجبنا فيه، قامته، شكله، رموزه، علاماته، أقنعته، غرابته، تضاريس جسده وتشخيصه الحي للشر والقبح والمحجب والبغيض؟ ما الذي تخفيه الأسطورة حسب مقاربة رولان بارت؟ هل هو عبء التاريخ المنسي لإرادة النساء والشعب؟” آن الأوان لكي نشرع في وضع تاريخ المسلمين وأن نذهب أبعد من إسلام الإمام أو الخليفة أو رئيس الجمهورية وأن نتجاوز إسلام السادة وعلينا من أجل ذلك أن نخترق المستنقعات المظلمة حيث التهميش والاستثناء، أي أن نكتب تاريخ الحركة والضغوط والنظام الذي يضاد تاريخ الرفض والمقاومة تلك هي القراءة الوحيدة القادرة على أن تعيد للمسلم إنسانيته العظيمة حيث تظهره لنا كائنا مسؤولا قادرا على الرفض إذا ما أمر بتشويه ذاته أو التخلي عن قدرته في التفكير بشأن حياته وليس مجرد آلة“.
لم نضخم من أبي سعدية، فهو ليس موضوعا، بل ذاتا حية حقيقية تمثل إرادة مكفوفة ، مقيدة ومحجبة الوجود والقيمة الإنسانية، كما أنه ليس ظاهرة تاريخية معزولة وخرافية كبهلوان” بلدي أصيل “يعبر عن خصوصية ما، بل هو قضية سياسية تاريخية مرتبطة موضوعيا بأسس نظام استراتيجية التحكم والهيمنة الذكورية الأبوية في جدلية الانتباذ والانجذاب الحاكم لتفاعل” الحقيقة ، السلطة ، المقدس والجنس“. وبالتالي فحرية وتحرر هذه الذات الإرادة المخنوقة مرتبط بزوال ذلك الفهم للسلطة والمقدس إزاء الحقيقة حقائق والجنس والشعب، أي ببروز ذلك العري الجميل الأخاذ الذي جعل قاضيا محافظا يقدم تنازلا قانونيا شرعيا فيما يخص الحجاب إزاء الجمال الذي تتمتع به نساء المالديف” يلاحظ ابن بطوطة بأن نساء المالدييف يبدين أجمل وهن نصف عاريات “وكان لي جوار كسوتهن لباس أهل دلهي يغطين رؤوسهن فعابهن ذلك أكثر مما زانهن إذ لم يتعودنه”، والعري هنا لا يقف عند سقف الجسد فقط بل يتخطاه نحو أفق شاسع لانفتاح الروح بنوع من الخشوع والتوحد الناذر الأقرب إلى التجلي والكشف الصوفي لقيمة الحب وسيادة الشعب وخصوبة إرادة النساء.
ما يزال سؤال التحدي مطروحا كما أن أسئلة أبي سعدية وهو يدق الأجراس لا تكف عن الصهيل مثل خيول جامحة فهل أدعي الآن سهولة الكتابة لا أتصور ذلك. الكتابة مهنة صعبة كما يقول ناظم حكمت لأن الأمر لا يحتاج في مثل هذا الموقف إلى القول والبحث والخطابة والذكاء فقط بل أيضا وبالدرجة الأولى إلى ممارسة ليست فقط جندرية وإنما إنسانية شاملة كنمط تفكير وأسلوب حياة وجودية ورؤية للعلاقات والعالم بكلمة واضحة قضية النساء والشعب تحتاج إلى الإرادة “إن ما يزعج هو قرار امرأة بأن توجد كإرادة حرة وهناك فرق كبير بين الذكاء والإرادة، إن ذكاء امرأة يمكن أن يوضع في خدمة من يملكها أما الإرادة فلا تخضع لأحد أبدا الإرادة توجد أو لا توجد وإذا ما كانت موجودة فإنها تدخل حتما في منافسة مع إرادة أخرى وخاصة مع إرادة الشخص الذي علينا طاعته”.


هذه الأسئلة المطروحة هنا هي مجرد استراتيجية توجيهية إرشادية تسمح لنا بتناول :
– الجزء الثاني الذكورات المنبوذة
– الجزء الثالث الحرة أو بلقيس الصغيرة والخليفة
هذه المحاور اعتمدنا فيها بشكل خاص على كتب فاطمة المرنيسي ونأسف لعدم اطلاعنا على كتب أخرى قد تسلط الأضواء على هذه المحاور وفق طموحاتنا وما نرغب إلى الوصول إليه من تشكيل لوعي وفكر نقدي.


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق