دقوا طبول الفرح .. دقوا أعناق الغول

نزل الغول من الجبال وقد استشاط غضبه وتعطشت ديدان عيونه إلى التمرغ في أوحال الدماء. ومضى إلى الحاضرة يجر خلفه أذيال عباءة سوداء تستر شوهه ويسدل لحية كثة تمتص لعابه القذر، وكان شبق القتل عاصفا لا يشبعه إلا قطع معين الحياة وقطف أكمام الأمل، شبق ينهش روحه ويكشط جلده وبرديه ميتا لا ينعم بسكينة الموت إلا متى حصد رؤوس المرتوين من ذاك المعين وسفح أرواح المنتشين من تلك الأكمام.. وفي رحاب يؤم التاريخ المسكون بثقافة الحياة أشهر الغول سلاحه ضاغطا على الزناد دون هوادة راقصا على إيقاع رصاص جنوني، انتشى لحظات بمرأى العيون الجاحظة والشفاه المرتجفة والوجوه الممتقعة والأجساد المتهاوية وتشرب هنيهة عطن الدم الذي غطى فرجيل وربات الفن وضرج وجه ديونيزوس .. كل الأنام يرمقون مسرح الأحداث بقلب واجف وهم يسترجعون جريمة الغول في حق الحضارة الإنسانية في تكريت والموصل ، متى ينهار ويهمد؟؟
علمنا التاريخ أن الغيلان تهلك مهما كانت وحشيتها وأن آثار الدمار يعفو رسمها مادامت شجرة الحياة صامدة. خمدت الديدان وقد أغرقتها الدماء المتخثرة في أوصال الغول المحتقنة وجف اللعاب المسموم على اللحية الشعثاء. وبين نفير نصر الأبطال وتهليل الحشود الراجية الأمن والنعماء تتبدد تلك العجاجة الخانقة وترفرف أرواح الشهداء مودعة عالمها الحبيب وترين الهيبة على متحف باردو العريق من جديد..غير أننا صرنا على يقين من أن مفرخة الغيلان واحدة مهما اتسعت دوائرها وأن الشر دينهم والإرهاب ديدنهم ولن تنكسر شوكتهم إلا إذا استمر تطعيم الحياة بإكسير الفكر والإبداع.. وشتان بين حرب نجوم كنا نعتقدها عتبة النهاية وبين حرب عقول هي خط بداية، فلن يتشح المتحف بالسواد ولن تفرّ أخيلة حسناوات قرطاج ولن تصمت سمفونية السلم ولن يتوقف موشح الحب.. بمراهنة على ثقافة السعادة وحب الحياة غنوا ورقصوا وعزفوا وناجوا عشتروت وتانيت وعليسة والكاهنة فكانت نفحات وفاء وعطاء تذكي نسغ الأمل وتكسح أدران الغول المخبول. سلاح غريب عن معجم الحرب يفتك بالوحوش في هدوء ودون إراقة دماء ويجعل من ساحة الوغى مرقصا ومسرحا تتعانق فيه القرائح المبدعة فتتقرح مآقي زبانية الموت لافظة عصارة سوداء كريهة من ماء الكره ورحيق الجهل .. فليستمر دق طبول الفرح وزف أيقونات الجمال والحب نكاية في أعوان البشاعة والكآبة والخساسة.. وليكن حفل افتتاح متحف باردو استهلال ترنيمة الخلود والصمود لتونس الأنس، تلك الترنيمة التي هتف الأطفال فيها “نحن قلب تونس”، وفي صدى هتافاتهم يرن أصدق اعتراف عشق عرفته ذات الأعين الخضر:
أَنَا يَا تُوْنُسَ الجَمِيلَة َ فِي لُجِّ الهَوى قَدْ سَبَحْتُ أَيَّ سِبَاحَهْ ** شِرْعَتي حُبُّكِ العَمِيقُ وإنِّي قَدْ تَذَوَّقْتُ مُرَّهُ وَقَرَاحَهْ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق