عن “أكاديمية” الجهاد / سلام كواكبي

بعد الإفراج عنهم بطريقة أو بأخرى، جرت العادة أن يصدر الرهائن الغربيون كتباً عن تجربة الاختطاف لدى هذه الجماعة الإرهابية أو تلك. وقد حفلت المكتبات الغربية عموماً، والفرنسية خصوصاً، بمؤلفات من هذا النوع “الشيّق”، والمطلوب بشدّة من الناشرين. وحققت الكتب من هذه النوعية نسب مبيعات عالية، خصوصاً إن ترافق إصدارها مع حدثٍ معين، يتعلق بالجهة الخاطفة على شكل عملية اختطاف جديدة، أو تعرض الخاطفين إلى هجوم مسلح أو مقتل أحد قياداتهم… وأصبح من شبه المؤكد أن تتواصل دور النشر مع هؤلاء الضحايا، فور إطلاق سراحهم، “للتوصية” على مخطوط يستعرض أيام الاختفاء، ويُفضّل أن يكون فيه صفحات كثيرة من الشخصي والحميم. نوع “أدبي” يجذب قرّاء ملحقات الصحف الحافلة بالحوادث المتفرقة، لما تسمح به من “استراق النظر” إلى تجارب صعبة من الناحية الإنسانية، وإن كانت دموية بشكل جزئي، فهي أكثر “جاذبية”.

خرج الصحافي الفرنسي، نيكولا هينان، عن هذه القاعدة الذهبية لدور النشر ولقراء الحوادث. فبعد أن أمضى عشرة أشهر مخطوفاً في ريف الرقة المحتل من تنظيم داعش (من يونيو/حزيران 2013 وحتى إبريل/نيسان 2014)، وبعد أن تم الإفراج عنه، وعن صحافيين آخرين، في صفقة لم تتبين معالمها المالية والسياسية، كما مجمل المبادرات الناجحة في هذا المجال، تواصلت معه دور نشر عدة لسرد وقائع الاحتجاز. ولكن هذا الصحافي المُستعرب، والمُتخصص بقضايا المنطقة منذ سنوات، اختار أن يتابع نشاطه التحقيقي في
“كتابٌ”ممتع“ومفيد، يصدر في الوقت المناسب، حيث تلعب شخصيات عدة، وبلبوس مختلفة، أدواراً تشويهية للواقع القائم في سورية. تواضعٌ جمّ لم نعهده في كثير مما كتب عن المقتلة السورية”
مجاله، وبعيداً عن استدراج الاستعطاف الشعبي على تجربته الشخصية. وبلا شك، مجرد سرد ما لاقاه، كما زملاؤه، في “حضن” الإرهابيين كفيلٌ بإملاء مئات الصفحات المثيرة، والتي تهم القارئ المتطفل على الشخصي من الأمور، وكما تهم الناشر الباحث عن نسبة مبيعات عالية.

وبعد نقاشٍ مُجدٍ مع دار نشر عريقة، أصر فيه على موقفه المبدئي والمهني، صدر للصحافي المجتهد، نيكولا هينان، كتابه “أكاديمية الجهاد ـ أخطاؤنا في مواجهة الدولة الإسلامية”. وفيه، يحاول الصحافي الخبير بالشؤون السورية والعراقية تقديم وسائل واضحة لفهم الظاهرة /المصيبة التي حلّت بهذه المنطقة. وبالطبع، من المفترض أن تساعد محاولة الفهم هذه على استيعابٍ أقل سطحية ومباشرة لظاهرة الإرهاب القائمة والمتمددة. كما أنه يُصر على التنبيه إلى جزئية حالته، كما حالات آخرين من المختطفين الغربيين، حتى من تعرض منهم للقتل البشع بيد الوحوش البشرية، أمام شناعة الجرائم المرتكبة يومياً ضد أهل البلد من جهات عدة ليست داعش أشدها دموية. وهو يُحاول أن يُنبّه القارئ الغربي إلى أن تركيز وسائل إعلامه الرئيسية على إرهاب الجماعات المتطرفة يُخفي إرادياً، أو لا إرادياً، مئات الجرائم القائمة على قدمٍ وساق والتي ترتكبها قوات حكومية وشبه حكومية ومليشيات أجنبية تحتل الأراضي السورية، إلى جانب هذا التنظيم الإرهابي، مدعية محاربته.

وعلى الرغم من إبراز تعاطفه الكامل وحزنه العميق على مصير زميله الأميركي، جيمس فولي، والذي أعدمته هذه العصابة بوحشية، إلا أنه لا يُغفل إدانة عدم عدالة التعاطف الذي برز غربياً مع هذه الحالة، مقارنة بالصمت القائم أمام موت مئات، بل آلاف المدنيين السوريين، على “الهامش”. وفي مواجهة الجهل الطبيعي، أو المتعمّد، بأبعاد الأحداث القائمة في سورية، والذي ساهمت في تطويره جهات عدة بنشاطاتها، أو من خلال عجزها عن القيام بنشاطات توعوية، يُجيب هينان، بطريقة شبه مدرسية، ويستند إلى منهجية تبسيطية غير متعالية على القارئ، ليشرح أصول تكون هذه المجموعات والعوامل الذاتية والموضوعية التي ساهمت في تعزيز قواها البشرية والعسكرية والمالية.

عميلة بيداغوجية مفيدة لمن يبحث عن فهم “الأحداث المعقدة”، كما يقولون في الغرب، الجارية في هذه المنطقة الساخنة من العالم. وهي، أيضاً، عملية إدانة واضحة لمن لا يريد أن يفهم، أو لمن يفهم، وينشط في تشويه الفهم لدى الآخرين، عبر ارتباطات مهنية أو زبائنية مع نظام أو جهاز أو جهة. كما أنه يُجري ربطاً ذكياً وواضحاً مع ما عرفته الأراضي الفرنسية من هجمات إرهابية، مُنبّهاً إلى السذاجة (أو سوء النيّة) في الطروحات المنتشرة بكثرة في أوساط اليمين المتطرف الفاشي، كما اليسار المتطرف البافلوفي من جهة، ولدى سُذّج اليمين “العادي” ومراهقي اليسار “العادي”، والتي تقول بضرورة إعادة التواصل مع الأنظمة المسؤولة، جزئياً أو بشكل كامل، عن نشوء هذه المجموعات الإرهابية وتطورها.

كتابٌ “ممتع” ومفيد، يصدر في الوقت المناسب، حيث تلعب شخصيات عدة، وبلبوس مختلفة، أدواراً تشويهية للواقع القائم في سورية. تواضعٌ جمّ لم نعهده في كثير مما كتب عن المقتلة السورية، وابتعاد عن ادعاء البطولة، على الرغم من وقوعها، وعلى الرغم من التجربة المريرة لهذا العارف بشؤون المنطقة، وبلغتها وبعاداتها وبثقافاتها، منذ زمن. هل يُترجم إلى العربية؟ من المفيد جداً، لكن فائدته الأولى بلغته الأم، وفي وضع أصابعه العشرة في عمق الجرح الذي لا يندمل، صارخاً في وجهنا إن هذا الوحش من نتاج أخطائنا جميعاً. 

عن جريدة العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق