فاكلاف هافل : المثقّف الذي أذلّ السياسة واعتنق البطولة / جهاد الترك

في الذكرى الخامسة والعشرين لـ»الثورة المخمليّة» التي أدّت إلى فكّ الارتباط بين تشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفياتي سابقاً، يطلّ فاكلاف هافل، من خلف هذا الحدث التاريخي، ومن أمامه، إلى واجهة التحوّل السياسي الثقافي في اوروبا الشرقية والعالم. لعلّ هذه الفترة التي قد تبدو «سحيقة» في عمر الزمن المتسارع على وقع الألفية الثالثة، قد ارخت بثقلها على الإرث الانساني الكبير الذي خلّفه الرئيس الأوّل للجمهورية التشيكوسلوفاكية، هافل. الأغلب ان هذه الشخصية المدهشة، المتمردة في الأساس، التي لم تجبن أمام الجبروت السوفياتي، ولم تلق برهاناتها على النموذج الرأسمالي، قد خفت وهجها، قسراً، غير أنها لا تزال صامدة في عالم بات يفتقر إلى الابطال.

ربع قرن على الذكرى المشار إليها، واربعة أعوام على غياب هافل، مناسبتان لا تتقاطعان «مصادفة» في إصدار هو الأهم، قاطبة، عن حياة هذا الرجل الذي كُرِّس «زعيماً» برؤيته السياسية الثقافية من دون أن يسعى إلى ذلك. الكتاب بعنوان: «هافل.. حياة» عن دار «غروف برس» الأميركية، لسكرتيره الصحافي الذي رافقه طويلاً ثم غدا واحداً من أقرب المقرّبين إليه، مايكل زانتوفسكي. والأرجح أنّ المؤلف لم يختر، اعتباطاً، الانكليزية، لغة للكتاب بدل التشيكية. اراد بذلك أن ينتقل بهافل من دائرته المحلية الصغرى، إلى امتداداته العالمية. كان حرياً به أن يسلك هذا المسلك دلالة على النموذج الحيوي الذي ينطوي عليه هذا الرجل أثناء إعادة تشكيل المجتمعات وهي تخرج من طور «الإذلال» الى الحرية المنشودة».

ابن لمقاول بورجوازي

وُلد هافل، وفقاً لسيرته الذاتية المدوّنة في الكتاب، في العام 1936. ابن لمقاول من براغ عُرف بتطلعاته البورجوازية. ترعرع في ظلّ رئاسة توماس غاريغ ماساريك، وهو مثقف ليبرالي سعى إلى قيادة بلده نحو مسار ديموقراطي. يرى المؤلف أنه لولا هذا الأخير لما تكونت شخصية هافل على النحو الذي أصبحت عليه في مقبل الايام. إذ تشرّب منه ميوله الأولى في الجرأة على التمرد والتعبير عن قيمه الفردية. لم يتملك اليأس من عائلته في أعقاب الاستيلاء الشيوعي على تشيكوسلوفاكيا. وحالت الأصول البورجوازية لهافل دون أن يتمكن من الحصول على التعليم الرسمي في تلك الاثناء. بدا هذا الاستبعاد مؤلماً ومريراً، من دون ان يتمكن منه في الصميم. لعلّ من حسنات ذلك، ان هافل حافظ على استقامته. لم يضطر الى التلوث بالفساد المستشري على المستويين الحزبي والعقائدي. يتعذر إدراج هافل في بوتقة من قُيّض له، بشكل أو بآخر، أن يرث مثالب النظام الشيوعي. يضاف إلى ذلك، ان نشأته البورجوازية المتميزة ساهمت في تعزيز منحاه الأخلاقي الذي اشتهر به، واحساسه الدائم بالعجز والارتباك والارهاق واليأس. ولكن سمات كهذه حملته على الامتلاء بالقوة الناتجة من الضعف، الأمر الذي حفز اكثرية مواطنيه على التزاحم لنجدته في أوقات الشدة. كان يخيّل اليه، أنّه قادر على فعل المستحيل من خلال إظهاره أنه أضعف من القيام بذلك.

يميل المؤلف إلى الاعتقاد بأن البطولة تستبطن في داخلها، سحراً غامضاً. غير ان الحياة التي دأب عليها هافل، توحي بأن هذا الغموض هو فضيلة، في حدّ ذاتها، تغذيها ولاءات الناس والاستعداد للدفاع عنهم إذا ما ابتغى المثقف ان يحيا بسلام مع نفسه. بناء على ذلك، وفي الإطار عينه، وقع هافل في حبّ «المسارح المتمردة» وكواليسها، والفرق الاستعراضية والمطاعم والمقاهي. في ذلك العالم، صنع ولاءاته وكتب مسرحياته، من بينها «حفلة الحديقة» التي جعلت منه رمزاً وطنياً وأوروبياً وكاتباً مشهوراً. واعتبره الجمهور الذي تقاطر على أعماله في المانيا والنمسا، نسخة متقدمة من الحداثة الاوروبية العليا. وكان قال قبيل وفاته عن الجماهير الخائفة من الأنظمة التوتاليتارية: «أليست هذه لحظة الشك العميقة التي تُولد منها الحقائق الجديدة؟ لعلّ اليأس هو التربة التي تغذّي الأمل. ولربما يصعب على المرء العثور على معنى للحياة ما لم يختبر، أولاً، فحواها العبثي».

ربيع براغ

وقعت الواقعة في العام 1968، سحق الجيش السوفياتي، بدباباته، ما سمّي «ربيع براغ». رفض هافل التواصل مع الرئيس، وقتئذ، الكسندر دوبتشك. وجه اليه تعنيفاً صارماً، قال: الافضل للناس ان تواجه واقعاً خبيثاً، من ان تنغمس في أحلام عقيمة. في العام 1969، اقدم طالب يدرس الفلسفة، هو جان بالاك، على حرق نفسه حتى الموت. ثارت ثائرة هافل، قال في مقابلة تلفزيونية: ثمة طريق واحدة أمامنا، هي ان نعلن حربنا حتى النهاية. لا ارى في موت بالاك سوى إنذار للجميع بأنّ الانتحار السياسي يطاول الكل. شكلت تلك الفترة، البدايات الأولى التي راح هافل، من خلالها، يتحول ببطء، لكن بثبات، نحو تصدّر المقاومة في تشيكوسلوفاكيا. ورغبة منه في دحض مزاعم النظام بأنه محكوم بميوله البورجوازية، لم يتردّد هافل في قبول وظيفة لا تتلاءم مع شخصيته. إذ راح يعمل في دحرجة البراميل في أحد مصانع الخمور. كان يمضي ساعات طويلة وسط الصقيع برفقة البراميل باذلاً جهداً لا يتناسب وجسمه الضئيل. غير أنه أنقذ نفسه بالكتابة. أنجز مسرحية بعنوان «حضور»، افتتح عرضها الأول في فيينا 1976. سبق ذلك، توجيهه رسالة إلى رئيس الحزب الشيوعي، غوستاف هوساك، قال فيها إن إحباط «ربيع براغ»: لم يسفر إلا عن هدوء في القبور والمشارح. ان محاولة بث الشلل في الحياة، هي عينها بث الشلل في السلطات الحاكمة. وفي المدى الطويل ستصبح هذه الأخيرة عاجزة زله عن مسارح المدينة وإبعاده عن أصدقائه في تلك الأثناء التي لم يكن أحد ليحلم بكسب التحدي ضد النظام. قال هافل تصوره الذي يؤثر عنه: ليس الأمل ذلك القناعة بأن الأمور ستنقلب نحو الأفضل، الأمل هو اليقين الذي يضفي معنى على الحياة بغض النظر عما ستؤول إليه الأوضاع.

في العام 1977 أقدم هافل وجماعة من المنشقين على تأسيس «منظمة حقوق الانسان، الفصل 77». غضّ النظام الطرف عن هذه الخطوة متذرعاً باعتراف الغرب بالسلطة المطلقة للهيمنة الشيوعية على أوروبا الشرقية. كان من شأن هذه المنظمة ان تتضخم الى الحد الذي تمكنت في نهاية المطاف، من إجبار النظام على أن يجثو على ركبتيه. في كانون الثاني من العام عينه، اعتقل هافل. وبعد ان أُخضع للتحقيق عشرين مرة، تعهد بالانصراف إلى نشاطه الأدبي، فأُطلق سراحه. ولأن هافل أعلن هذا التعهد على الملأ، فقد امتعض من نفسه حتى الخجل الشديد. علق مؤلف الكتاب على هذا الموقف بالقول: غادر هافل السجن مكسوراً يحتقر نفسه. أدرك أنه على الرغم من اندفاعه نحو مقاومة الشر، لم يرتق في نظر نفسه الى مستوى البطولة. بقي شخصاً هشاً يواجه قوى بدت خارج قدرته على مقاومتها. اعتقل من جديد في العام 1979 وحكم عليه أربع سنوات سجناً. رسائله إلى زوجته أولغا من وراء القضبان تفيض معاناة، أحالته رجلاً أكثر تماسكاً. كان يتوجب عليه ان يقول وداعاً لتلك الأجزاء من شخصيته التي حملته على اقتراف فعل «الخيانة».

في السجن

في السجن، تكونت لديه القناعة في التزام العمل السياسي. أُفرج عنه في العام 1983. خرج أكثر تصميماً على منازلة «النظام الفاسد». علق المؤلف على ذلك قائلاً: القدرة الانسانية تكمن في أن يعيش المرء في قلب الحقيقة لتأكيد هويته الاصيلة. هذا هو «السلاح النووي» الذي يمنح القوة لمن يفتقرون اليها. خلال عقد الثمانينات، تعاظم احساس هافل بأهميته السياسية. بدءاً من شهر آب 1988، تفاقمت الصدامات بين الشرطة والطلاب. بدا الجميع مدركاً ان هافل هو رجل المرحلة. فبعد عشرين عاماً من التجاذب مع النظام، أصبح بمقدوره ان يتجاوز هفوات المثقفين «ونقائصهم» في المجال السياسي، مستحوذاً على ما يعتبره مؤلف الكتاب «حاسة سادسة» جعلته قادراً على استيعاب نقاط القوة والضعف لدى النظام الرسمي، ولدى حلفائه على الساحة المحΩية في آن. في 22 تشرين الثاني 1989، انفجر الوضع برمته. تجمهر الناس في ساحة «ونسيسلاس» في العاصمة براغ. مئات الآلاف يهتفون بإسقاط النظام ورموزه. ومن على إحدى الشرفات المطلة على المكان، خاطب هافل الحشود بنبرة مفعمة بالبطولة: «نحن لسنا مثلهم». وسرعان ما تحول هذا القول شعاراً للثورة. لم يذعن هافل لغريزة الانتقام، كما حصل في رومانيا، على سبيل المثال. وابدى نفوراً عميقاً من ان يفتتح عهده في الحكم بسياسة البطش من أعدائه «القدامى». وفي أول خطاب ألقاه بعد تنصيبه رئيساً للبلاد، قال لأنصاره: ان اسوأ ما نواجهه اليوم، هو اننا نعيش في بيئة ملوثة أخلاقياً. ارواحنا مرضى لأننا نقول شيئاً ونتصرف نقيضه. تعلمنا الا نؤمن بشيء. ان يتنكر بعضنا لبعض، ان نهتم بأنفسنا فقط.

قدم هافل استقالته في تموز 1992 احتجاجاً على انفصال سلوفاكيا. باتت هناك دولتان. تمزقت تشيكوسلوفاكيا على وقع الاحساس المفرط بالانسلاخ عن منظومة الاتحاد السوفياتي. خيّل الى هافل ان صدقيته واستقامته امران يمكنانه وحدهما من الترشح ثانية لموقع الرئاسة في تشيكيا. وفي هذا يرى مؤلف الكتاب، أنه، بعد انفراط عقد الدولة الواحدة، خيمت عليه حالة من الإحباط الشديد والشك المؤلم بقدراته الذاتية. وما زاد في الطين بلة، ان رئيس الوزراء الجديد، فاكلاف كلاوس، عدوه القديم في النظام الشيوعي السابق، راح يذيقه الأمرين. بدا أنه يصفي حساباته القديمة معه. لم يقو هافل على التصدي له. ولم يشأ، في الوقت عينه، ان يتخلى عن أخلاقه النبيلة وفرض احترامه على الآخرين، من بينهم اعداؤه الألداء. كان كلاوس نموذجاً فريداً من السياسيين المناوئين للسياسة. كان هافل سياسياً محترفاً حتى النخاع. بقي هافل رئيساً حتى العام 2003. اعتلت صحته. قضى عامين في المستشفى، لم يبرأ من الاحباط الذي الم به. لفظ أنفاسه الأخيرة في العام 2011. بكاه مئات الآلاف. لعلّ هؤلاء فاجأتهم الصدمة بعد فوات الأوان، بأن الحظ ابتسم لهم ذات يوم فمنحهم رئيساً أكبر من الرؤساء، ومثقفاً اكبر من المثقفين.

آخر العنقود

هل كان هافل «آخر العنقود» من أولئك السياسيين الذين تعاقبوا على السلطة في أوروبا بعد تقهقر الامبراطورية السوفياتية سابقاً؟ الأرجح نعم. كان في حدّ ذاته لحظة امتلأت اشراقاً ثقافياً إنسانياً، قل نظيره. كان «بطلاً» متفرداً، في هذا الإطار، أبت عليه فضائله الأخلاقية، ممارسة السياسة بجوانبها المظلمة. من أجل ذلك، ينتمي الى سلالة «منقرضة» من المثقفين الكبار الذين اجتهدوا في تجيير السياسة للقيم والمبادئ الانسانية الشاملة وواظب على ذلك، وقضى في سبيل ذلك.

اليوم، يستعاد هافل من غياهب «التاريخ» القديم الحديث، مثالاً واقعياً على ما ينبغي ان يكون. ومن اسف، لن يكون. بالمقارنة، هبة «الربيع العربي»، انطوت مبكراً كصفحة مهترئة من كتاب العقد الثاني من الألفية الثالثة. وفي الغرب، على سبيل المثال، توحي المستشارة الالمانية، انجيلا ميركل، بقدرات استثنائية على ممارسة الادارة الرشيدة اكثر منها الشجاعة. رئيس وزراء بريطانيا، ديفيد كاميرون، يستميت ليكتسب شخصية موقعه. غير انه يبقى ظلاً لمنصبه لا اكثر ولا أقل. رئيس جمهورية فرنسا، فرنسوا هولاند مهتم فقط، بتسليم موقعه لمن يخلفه، بسلاسة. الرئيس الأميركي، باراك أوباما تناسى شجاعته الأولى وهو مرشح للانتخابات. بات همه مقصوراً على ما يعتبره مصالح الولايات المتحدة. المثقفون في روسيا والصين وبورما وسواها، يعدون ايامهم في السجون أو على الضفة النائية للتهميش السياسي. أمثلة من هذا القبيل اكثر من ان تُحصى. لم يحاكِ أحد من هؤلاء نموذج «البطولة» الذي اقتبسه ونفذه فاكلاف هافل. زمن البطل السياسي المثقف قد ولىّ، على الأرجح. ضاع في المتاهة. خرج ولم يعد.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق