في نقد الروحانية الرثّة

 

يختزل الخطاب المهيمن روحانية مسلمي اليوم في كاتالوج وصايا فقير يقدّمه في شكل مفاضلات بين أزواج متضادّة : إسلام/كفر، جنة/جهنم، فائزون/خاسرون، ناجون/معذبون، توحيد/شرك، عادة/بدعة…ففضلا عن كونها نظرة ثنائية تبسيطية عاجزة عن قراءة العالم المعقّد ومقاربته موضوعيا، فهي بعيدة كلّ البعد عن عالم الروحيّات. فالروحانيّة حوار هادئ وصامت مع الكون. الصلاة، كما يقول الماهتما غاندي، هي أمنية الروح ومبتغاها وليست استجداء للسماء. 

حاول المتأسلمون ومن لفّ لفّهم إيهامنا أنّ هناك تخلّفا في كلّ شيء إلا في الروح، في حين أنّ الواقع يبيّن أنّ التخلّف يضرب كلّ مناحي الحياة بما فيها مجال الروحيّات. يعرف الدين في الغرب، فضلا عن عزوف الناس المتصاعد عنه، ظاهرة المؤمنين غير الملتزمين بتطبيق التعاليم. أمّا في بلدان الإسلام فيمكن ملاحظة العكس. يسهل العثور على ملتزمين بالتعاليم وهم غير مؤمنين أصلا وإن بدا عليهم فائضٌ من الإيمان! لا لشيء سوى لأنّ التديّن بات مفروضا.
 
 
يُفرَضُ الدّين ولا يُختار طواعية. إذا تديّنّا فإنّ المجتمع هو الذي يتديّن فينا. إنّه إيمانٌ ميّتٌ ذلك الإيمان الذي لا يشكُّ أبدا، كما يقول ميغال أنامونو. بمعنى، أنّه يتحوّل إلى حركات روتينية. اللهمّ اعطِنا إيمان العجائز، كان يقول أحد أكبر متصوّفة المسلمين، بعدما فشل في عقلنة إيمانه وطرْد الشكّ نهائيّا من قلبه “المؤمن”. جوهر كلّ إيمانٍ هو صموده في وجه صرامة المنطق. إنّ عدم أخذ الدين كلاعقلانيّة هو الذي يدفع الناس إلى عقلنته ومن هنا تأتي كلّ الأخطار والتي تبدأ مع الجنون الجماعي الذي يحلم بتكييف الواقع مع تصوراته الدينية وينتهي بقيام الدولة الثيوقراطية أو القتل والذبح من أجل إقامتها. 
 
 
يسمّى هذا العصابُ الجماعيّ “إسلاما سياسيا”، أو “أصولية” في حين أنه ليس في واقع الأمر سوى ما يعتقده ويصبو إلى تحقيقه معظم المتدينين وخاصة المتعلّمين منهم. 
كلّ ما في الأمر أنّ هناك أصولية ثورية تطبيقية وأصولية إصلاحية نظرية. تمثّل الأولى أقلية ككلّ الحركات الثورية، تريد دولة الشريعة حالا. والثانية إصلاحية تمثّل الأغلبية، تهدف إلى إقامة الدولة الإسلامية بالتدرّج وعن طريق الانتخابات حينما تكون متأكّدة أنّ الفوز سيكون حليفها.
 
يمكن الحديث عن “تدجين الإنسان”، عندما تتغلّب القواعد الفقهية المتعارف عليها مجتمعيا على رغبات الفرد الذاتية. إنّه ترويضٌ حقيقيٌّ لـ“الأنا”، بتعبير الفيلسوف نيتشه. يعتبر “الأنا الأعلى” في البلدان الإسلامية من أقسى “الأنوات” على الإطلاق. تبذل الأقلية مجهودات جبارة لتتملّص من مراقبته وتجنّب الانقياد له، وتبذل الأغلبية نفس الجهد مقابل تحمّل ثقله وطاعة أوامره. 
 
كيف لا نتساءل عن عدم اكتراث السلطات الدينيّة التي تدّعي أنّها غير أصولية بمفهوم “الردّة” و محاولة إعادة فهمه ليتناسب مع قيم العصر؟ لماذا لا يفعلون شيئا من أجل تحرير الفرد من هيمنة جماعته؟
 تحت الفقه التوتاليتاري المتشدّد، لا تكون الأخلاق تسهيلا للحرية وإنّما تيسيرا للإرغام والإجبار عن طريق العنف. كان الدين دوما قضية جماهير أو حشود أمّا الروحانية فقضيّة الفرد المفرد. فهل للإيمان المرفوع فوق كلّ السطوح علاقة بالروحيات؟ أم هو مجرّد ماكينة لصنع الخوف وإفراز الندم حتى على الأفعال التي لم ترتكب بعد؟ يقول برنارد شو إنّ الناس العاديين لا يصلّون وإنّما يتوسّلون! أمّا الروائيّ رشيد بوجدرة فيتحدّث عن دين أفرغ من مضمونه الروحيّ والصوفيّ واختزل في مجموعة من السلوكات الدوغمائية البعيدة كل البعد عن حبّ الغير، تتمحور حول توسّلات وتسوّلات كطلب الفوز بالجنة على وجه الخصوص دون فعل أدنى الأشياء لاستحقاقها.
 
لا تلتزم أغلبية الناس بالشعائر الدينية طواعية للارتفاع روحيّا، والتحرّر من عالم المادة والأنانية وإنّما تفعل كأنها مضطرة اضطرارا. “رأس الحكمة مخافة الله”. لا هدف روحاني وراء شهية التعبّد الاستعراضية سوى تحاشي لهيب جهنّم والنجاة بالجلد من عذاب القبر.فهل الروحانية خيار بين جنة تسيل اللعاب وسعير تقشعرّ له الأبدان؟ 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق