فوز ليكود: التطابق مع هذا الواقع / نهلة الشهال

إعادة انتخاب بنيامين نتانياهو للمرة الرابعة، تزيل من المشهد الكثير من الالتباسات والثرثرات الفارغة. لا عملية سلمية، ولا دولة فلسطينية. ذلك هو الواقع. وهو جليّ يجرجر نفسه منذ سنوات، بينما لم يكن من مصلحة أحد الإقرار به.

فلو سلّمنا جدلاً بأنه في لحظة ما من أواخر ثمانينات القرن الفائت، وبينما كان يعلَن عن «نهاية التاريخ» بانتصار الرأسمالية نهائياً، كنمط اقتصادي يجدد نفسه ويتمكن كل مرة من تجاوز أزماته، وكنمط فكري وقيمي وثقافي يبسط هيمنته، ويحلم به أبناء الفييتكونغ والشبيبة في الاتحاد السوفياتي المتداعي، كما آخر ابن فلاح في مجاهل موريتانيا أو الفيليبين… فقد بدا لذلك ممكناً أن تُقترح تسوية تاريخية للمسألة الفلسطينية، التي مضى عليها ما يقرب من نصف قرن وقتها كجرح مفتوح يتأجج بين حين وآخر… تسوية تكرس أولاً وباعتراف الضحية الخاسرة، إسرائيل كمعطى نهائي، وتترك للفلسطينيين الذين لم يغادروا الضفة وغزة إلى مجاهل الكون، إمكانية إدارة حياتهم اليومية، مع الإقرار بأن مسائل الأمن تبقى بيد إسرائيل، وأن السيادة منقوصة مهما جرى تدوير الزوايا. لعل تلك الاحتمالية بدت في إحدى اللحظات إطاراً ممكناً لإعادة تدوير منظمة التحرير المهزومة، التي أخرجها الاجتياح الإسرائيلي والتوافقان الإقليمي والدولي من قاعدتها في لبنان، وبعثرها في معسكرات صحراوية ومقار مضجرة، بعيداً من كتلة اللاجئين ومن أرض فلسطين. لعلّها كانت إطاراً يوجّه الاستنفار الإسرائيلي كواقع استثناء (بدل الحرب الدائمة) نحو المشاريع الاقتصادية ـ التكنولوجية التي يمكن الاشتغال عليها في المنطقة، بينما لا يقف في وجه تحقّقها أي عائق: إيران الثورة الإسلامية خرجت مهزومة منهكة من حربها مع العراق، الذي خرج منتصراً ربما، وإنما مدمراً ومفلساً ومنفلت العقال، بحيث لم يمض أكثر من أشهر حتى دخل في مغامرة بررت سحقه نهائياً مثنى وثلاثاً ورباعاً.

يكاد لا يوجد فارق على صعيد التعامل مع الموضوع الفلسطيني تحديداً، بين بوش الأب وكلينتون والمحافظين الجدد الذين تعاقبوا على الرئاسة الأميركية… عدا في نبرة الخطاب والمفردات، وهي كلها تقع أهميتها في المستوى المعنوي، ما يمكن الاستغناء عن ترفه!

… لو سلّمنا جدلاً إذاً بأن تلك الاحتمالية لاحت فعلاً في لحظة، فهي كانت خاطفة. وقد أمضى الفلسطينيون سنوات وهم يصطادون تلك اللحظة ويحاولون تثبيتها، عساها تتقدم بأحوالهم خطوة الى الأمام. وكانوا في كل حين يحصدون الخيبات فيراجعون سقف آمالهم ويخفضونه ويرتضون بما يتوافر، ويعاودون الكرّة. وهي مسرحية سمجة يتكاذب فيها الجميع على الجميع، في تفاهم ضمني على الاستمرار في هذا الدوران البائس خشية مواجهة الفراغ. نُسي اللاجئون بالطبع وقد كانت منظمة التحرير «دولتهم»، ثم جرت حروب غزة المريعة، وهي إلى حد بعيد حالات من انفلات الإجرام العبثي، ولعل وظيفتها الوحيدة كانت تكريس استثناء القطاع من الخارطة السياسية لما تجري إدارته، شيء من قبيل رميه في البحر ولو مجازاً. وفي هذا السياق، لم يكن بروز كتلة فلسطينيي 1948 مصادفة. فقد عادت الأسئلة المثارة إلى أسسها: هل يمكننا أن نصبح حقاً مواطنين في دولة منحتنا جوازات سفرها وحداً أدنى من الحقوق المدنية والاجتماعية؟ جاء الجواب صافعاً: لا! وتبلورت منظومة التمييز القائم على أساس الدِين أولاً مما لا يمكن تجاوزه، وعلى أساس الولاء لإسرائيل متمثلاً بالخدمة العسكرية التي تستند إليها معظم الحقوق… والتي حصرت بقطاعات محدّدة من الفلسطينيين ممن افترض أن هامشيتهم الاجتماعية العالية تجعلهم مأموني الجانب إلى حد ما (الدروز والبدو)، ولأنها توفر وظيفة تشتيت وحدة الشعب الفلسطيني على أساس مكونات بعينها تتغلب على الهوية المشتركة (ما يجري العمل عليه اليوم تجاه المسيحيين الفلسطينيين)، وأيضاً توفيراً لوظائف أمنية واختراقية متعددة.

مضت منذ أوسلو خمس وعشرون سنة. وهي كافية للتبصّر. لم يكن خلالها حزب العمل أفضل من الليكود في شيء ولا في أي وقت. وإذا كانت الحصيلة في انتخابات البارحة انتصار نتانياهو وليس هرتزوغ، فلأن المسألة الأساسية في إسرائيل لا تتعلق بالمشكلات الاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والعنصرية حيال شرائح من اليهود أنفسهم، وليست في تراجع الخدمات العامة المجانية (الصحة والتعليم) ولا في أزمة السكن… ذلك كله قائم كما في كل اجتماع بشري. ولكنه في إسرائيل، ومهما تأزم، فهو ليس عصب الموقف. ولو كان كذلك، ولو كان هو ما يحدد للناس محفزاتهم، لكان المجتمع الإسرائيلي مجتمعاً «عادياً». وهو ليس كذلك! لذا يمكن للكاتب جدعون ليفي أن يتفجر غضباً قدر ما يشاء بسبب التصويت الإسرائيلي الأخير، وأن يشتم الإسرائيليين ويقول (في نص يصعب الوقوع على ما يعادله عنفاً) أنهم «أمة لا بد من استبدالها» (بالفعل، ولكن كيف؟!) وأنهم «يستحقون نتانياهو كما هو يستحقهم»، وأن «اسرائيل لم تطلّق العملية السلمية وإنما طلّقت العالم»… فهو في العمق ما زال يروّج للوهم ويتأسف على العجز عن القبض على الريح: لم يكن هناك كل ذلك مما تمناه. ونعم، هذه لحظة تُعلن استئناف الصراع حول وجود إسرائيل وليس أقل، وما كل فصولها، سواء كانت حملات المقاطعة العالمية (التي تهدف فعلاً الى نزع الشرعية عن هذا الكيان وإدانته) أو الصراع في الهيئات الدولية وعلى رأسها محكمة الجزاء، إلا تعبير عن إشكالية الوجود الأصلية والتأسيسية هذه.

يبقى أن أطرف ما يقال في التحليلات الشائعة، أن التصويت الإسرائيلي «نابع من الخوف»، وأن نشوء قائمة عربية مشتركة (تمكنت من انتزاع 13 مقعداً معبّرة بذلك عن وزن ناسها ليس إلا، وبلا أوهام ستكون قاتلة وانتهازية ـ بل تؤدي دوراً عميلاً ـ لو تغلبت نظريات حول «أهمية» دورها في الكنيست نفسه)، هو ما أخاف هؤلاء فهرعوا إلى نتانياهو. يا سلام! هل كانوا قد نسوا إلى هذا الحدّ أن هناك فلسطينيين بين أضلعهم (إضافة الى جنباتهم)، فذعروا من «الاكتشاف»؟ ولو صحّ ذلك، فهو إعادة للأمور إلى نصابها. يبقى أن على أوباما الذي تحدّاه نتانياهو في عقر داره في شأن خياراته السياسية الكبرى، وعلى العالم بأكمله أن يسجّل الواقعة: تلكم هي إسرائيل.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق