أثر القوانين التمييزية في تعميق الهوّة الجندرية (قانون الأحوال الشخصية نموذجاً)

مقدمة البحث:


فكرة الموضوع تعتمد على قضايا للنساء والتساؤل كيف يمكن للقوانين والاجتهادات التمييزية أن تساهم في تفاقم مشاكل النساء و تعميق الهوة الجندرية؟ وكيف يمكن للقوانين أن تساهم في دعم وحماية النساء عندما تضع حقوق المرأة بشكل مساو للرجل وبشكل يضمن مواطنيتها مع الرجل، وكيف يمكن للقوانين غير التمييزية إشراك النساء في مختلف الأدوار الاجتماعية (الانجابية، الانتاجية والمجتمعية).
طريقة العمل من خلال البحث في القوانين والاجتهادات التميزية وكذلك العادات والتقاليد وأثرها على النساء وإسقاطها على حالات واقعية لقضايا النساء والبحث في أثر التمييز ضد النساء.
نظراً لكثرة القوانين التميزية سـأتناول في بحثي قانون الأحوال الشخصية وكيفية سيرها بالمحاكم، وسأخص المواد التميزية ضد النساء، وأثرها في تعميق الهوة الجندرية على أن أتابع في بحث آخر باقي القوانين التمييزة وهي في (العقوبات، المدني، الجنسية).
ـ قانون الأحوال الشخصية: الارث، الطلاق ، النفقة، تعدد الزوجات، الولاية والوصاية، العقد، الشهادة
ـ قانون المحاكم الروحية و قانون المحاكم المذهبية (الدرزية)
 ـ الاجتهادات القانونية
 ـ العادات والتقاليد:عدم توريث النساء، النوع الاجتماعي
عرض للقوانين التميزية، وكيفية السير بالمحاكم و ربط القوانين التميزية مع حالات واقعية أثرت عليها تلك القوانين .

البحث:

ما إن تدخل – في ردهة قصر العدل بدمشق حتى تلتقي بآلاف القضايا العالقة من هنا وهناك، لكن أكثرها ستجده أمام غرف المحاكم الشرعية، تلك المحاكم التي تمتلئ بقصص وحكايات لا تنتهي عند الطلاق أو فسخ الزواج أو التفريق بين الزوجين، بل المسألة تتشعّب لتمتد إلى الحضانة والنفقة والتعويض والإراءة والمهر وطلبات لا تنحصر بالمصوغ الذهبي للزوجة أو بحقها بالمفروشات أو بما ساهمت به في بناء المنزل أو شرائه دون أن يكون هنالك ورقة ملكية..الخ
هذا عدا عن مشاكل تعدد الزوجات وكذلك الأزواج، والعنف بمختلف أنواعه الذي لا يفيد الإثبات في وجوده سوى تسريع قرار الانفصال بين الزوجين فلا عقوبة ولا اعتراف بذنب ارتكبه الزوج عندما عنّف زوجته..
وتطول مدّة التقاضي من تبليغات وترحيل إلى جلسات متباعدة تؤدي الى تعطيل حق الزوجة بالتفريق عن زوجها الذي بدوره يمكنه العيش دون انتظار لنتيجة القاضي فيمكنه الزواج والسفر وإنجاب الأطفال، أما تلك المرأة فستتوقف حياتها الجسدية والجنسية والعاطفية إلى أن يبتّ القاضي بقراره الذي قد يمتد لأكثر من عام على أقل تقدير إن أراد الزوج المماطلة ومكايدة زوجته.
و(تيماء) إحدى النساء اللواتي مضت أشهر على طلبها التفريق في المحكمة ولم تنته بل لم تبدأ بعد مرحلة تدقيق الأوراق بالمحكمة فهي لا تزال قيد التبليغات التي تأخذ وقتاً طويلاً وخاصة في المرحلة التي تعيشها سورية في الحرب، حيث الأماكن والعناوين تغيّرت لكن مدد التبليغات لا زالت على حالها وهي التي تعتبر الآن حجر عقبة أساسي في القضايا القانونية، ولتيماء ذات الأربعة والعشرين عاماً حكاية تجمع بها مشاكل عدد كبير من النساء فهي تزوجت بعمر الخمسة عشر شخصاً أحبته وبدأت معه الحياة من الصفر، تتحدث تيماء عن زواجها المبكّر بإرادتها وبموافقة المحكمة التي لم تهتم بسنواتها الخمس عشر بل كان الأمر طبيعياً بوجود ولي أمرها، وتتحدث عن معاناتها بالحياة حيث عاشت في بيت للإيجار فترة إلى أن ساعدها أهلها في شراء بيت صغير كتبه الزوج باسمه حيث لم تكن تحسب حساباً لأيام قادمة ، ولم تهتم بتوثيق أي ورقة، وهكذا كانت حياتهم تمرّ بشكل عادي إلى أن أنجبوا طفلهم الثالث فالزوج بلا عمل ثابت وهي تعمل بالخياطة وتحاول دعم أسرتها التي بدأت تشعر بانهيارها بعد خمس سنوات من الزواج عندما بدأ زوجها يتغيّب طويلاً خارج المنزل و قرر السفر الى مصر بقصد البحث عن عمل وهرباً من الحرب التي بدأت تتصاعد في سورية وبعد أن تهدّم بيتهم نتيجة القصف.
وفي مصر بدأ يعاملها بعنف لم تشهده بدمشق من تأنيب وضرب وحرمان إلى أن وصل لمرحلة تركها بالبيت لوحدها مع الأطفال لأيام طويلة، وفي أحد الأيام دخل إلى البيت وهو بحالة متغيرة معاملاً إياها بطريقة محبّة اشتاقت لها بعد حرمان طويل، وهنا أقنعها بالعودة إلى دمشق على أن يلحق بها بعد فترة مع الأولاد وكانت بأثناء ذلك حاملاً بالشهر الثالث، وهكذا عادت الى دمشق دون أولادها وبحبل مدّته ثلاثة أشهر، وما إن وصلت حاولت الاتصال بالبيت والأولاد في مصر لتجدهم قد رحلوا الى مكان آخر بحثت أشهراً لتعلم أن زوجها تزوج امرأة مصرية وأخذ الأولاد معه مانعاً إياهم من الحديث مع أمهم ليولد أخاهم الجديد بعيداً عنهم وفي ظروف صعبة للغاية حيث تهدّم أيضاً بيت أسرتها واضطرّوا للإيجار مع توقف عمل أبيها ما أدى بها للبحث عن عمل في البيوت لتربي طفلها وتساعد والدها الذي خسر كل ما يملك في الحرب الدائرة في سورية..
وبعد كل هذه المعاناة قررت الالتجاء الى المحكمة التي حفظت اليوم كل ردهة فيها من كثرة الروحة والمجيء إليها مع مسيرة طويلة منذ العام الماضي ولا تزال فقط في مرحلة التبليغات تلك الإجراءات الروتينية التي تحرمها من حياتها بينما زوجها يعيش مع امرأة أخرى وينجب طفلاً ويعيش مع أبنائه فلا اتفاقيات دولية تحميها ولا اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية بين الدول أيضاً تساعدها في ظل الحرب وعدم وجود سفارات ما يجعلها في دائرة الخوف من فقدان أبنائها إلى الأبد أن قرر الهجرة إلى مكان لا تعلمه ولا يمكنها متابعته أبداً..
قضية (تيماء) هي من بين 7121 قضية تفريق سجّلت عام 2013 هي تعتبر عدد وسطي للقضايا منذ بدء الحرب في سورية إلى الآن بحسب ما ذكر القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي حيث أكد أن عدد قضايا التفريق في 2013 بلغ 7121 قضية ، منها 6500 حكم طلاق، و365 وثيقة طلاق إداري، و700 حالة طلاق تعسفي، كما شكلت نسبة 60% منها قضايا بأحكام مخالعة رضائية أي طلاق بالتراضي، والبقية تتوزع في حدود 25% أحكام تفريق للشقاق أو للغياب، و 15% أحكام تثبيت طلاق”، وهذا ما ذكرته صحيفة “تشرين” الحكومية.
وهي من بين عشرين حالة وثقت قضاياهن بنفسي منذ 2011 إلى الآن لسيدات مسلمات (سنية ، علوية، شيعية) ومسيحيات ودرزيات، اضطررن للتنازل عن حقوقهن من أجل التفريق بينهن وبين أزواجهن، وذلك لما يعلمون من المماطلات الممكنة والتي تقف حياة المرأة بكاملها مقابل أن الرجل يعيش حياته دون أي نقصان فيمكنه بناء أسرة جديدة دون انتظار للمحكمة، وبالنسبة للأديان التي تمنع تعدد الزوجات فانّ المرأة تضطر أن تتنازل عن حقوقها كي يوافق زوجها على طلب الطلاق دون مماطلة لأن الحياة لا تفسح لها المجال بإنجاب أطفال أو الزواج مرّة أخرى إن تأخرت في جزم أمورها عدا عن ضغوط اجتماعية ونفسية لا يمكن حصرها، لنقف أمام قوانين أحوال شخصية دينية ومذهبية تختلف بالعناوين الكبرى وتتفق بتمييزها ضد المرأة إن كان بالقانون أو بالتطبيق..
وبالتذكير بأن سورية قد صادقت سورية على اتفاقية الغاء جميع أنواع التمييز ضد المرأة (السيداو) وعاهدت على تنفيذ بنودها إلا أنها تحفّظت على أربع مواد (2-9-15-16) أهمها المادة (2) التي في التحفّظ عليها يعني تقويض للاتفاقية برمّتها ورغم ذلك أصرت الحكومة على هذا التحفّظ رغم الحراك النسوي الذي بدأ في سورية منذ 2003 إلى اليوم لإزالة التحفّظات ووعود الحكومات المتعاقبة لكن للأسف لم يتغيّر شيء بل زادت الهوّة الجندرية بين النساء والرجال بسبب تعنّت الحكومة على مواقفها تجاه القوانين المتعلقة بالمرأة وما أتت على ذكره المادة الثانية من الاتفاقية هو “الالتزام بضمان المساواة في الحقوق بين النساء والرجال في التشريعات الوطنية وحظر التمييز وتوفير الحماية القانونية للنساء”. وهذا ما توقفت عنده الحكومة عند تصديقها على الاتفاقية بحجة مخالفته للنظام العام والشريعة الاسلامية!!
أما الدستور الجديد فلم يضمن حق المساواة بين النساء والرجال وحظر التمييز والعنف ضد المرأة وتجريمهما. وعلى العكس من ذلك تضمن الدستور، ولأول مرة منذ الاستقلال، ذكرا للطوائف على حساب حقوق النساء، بحسب المادة (3 الفقرة 4) التي نصت على أن “الأحوال الشخصية مصونة ومرعية للطوائف كافة”! وتنص المادة الثالثة ذاتها على أن دين رئيس الجمهورية الإسلام وأن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع. ما يعني “دسترة” التمييز ضد النساء، الذي يتجلّى في قوانين الأحوال الشخصية الستة للطوائف كافة وفي قانوني الجنسية والعقوبات وبعض القوانين والتشريعات الأخرى. وتنعكس الآثار التمييزية لهذه القوانين على القوانين المدنية. وهذا يؤكد استمرار وجود الفراغ القانوني في مجال الحماية القانونية للنساء. وبذلك تستمر الحكومة في تخليها عن مسؤولياتها في تنظيم وضمان حقوق أفراد الأسرة، وبخاصة النساء، وتحيله إلى المرجعيات الدينية! وهذا يتناقض مع تأكيدات رئيس الدولة على “علمانية” الدولة السورية في أكثر من مناسبة.
كما لم يتضمن الدستور الجديد (2012) مادة واضحة تحدد مكانة متقدمة للاتفاقيات الدولية بالنسبة إلى القوانين الوطنية بما فيها الدستور. مما يحرم النساء من الفرص القانونية المناسبة لتعديل القوانين التمييزية استنادا إلى أحكام هذه الاتفاقيات. وإن استمرار العمل بالقوانين التي تتضمن تمييزاً صارخاً ضد النساء هو عنف بحد ذاته، كما أنه يولد العنف ضدهن ويبرره.
وبالعودة الى قضية (تيماء) فهي تعاني من عدّة انتهاكات لحقوقها:
الزواج المبكّر :


الزواج المبكر بعمر ال(15) وهو الذي لم يعلن القانون صراحةً على تجريمه بل كرّس الزواج المبكر لقد أعطت القوانين السورية ضمن قانون الأحوال الشخصية الضوء الأخضر أمام الزواج المبكر، حيث منعته بيد ووافقت عليه بيد أخرى فلم يكن المنع صريحاً فقد جاء في قانون الأحوال الشخصية في المرسوم رقم 59 لعام 1953 المادة( 15 ) ما يلي: 1 ـ يشترط في أهلية الزواج العقل والبلوغ.
وأكملت المادة( 16 ) ما يعنى بكلمة أهلية الزواج:
“تكمل أهلية الزواج في الفتى بتمام الثامنة عشرة وفي الفتاة بتمام السابعة عشر من العمر”. وهنا تأتي المادة( 18 ) التي سمحت لزواج الأطفال بتقدير القاضي لاكتمال نموهما ووجود الولي فتقول:
1 ـ إذا ادعى المراهق البلوغ بعد إكماله الخامسة عشرة أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشرة وطلبا الزواج يأذن به القاضي إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما.
2 ـ إذا كان الولي هو الأب أو الجد اشترطت موافقته.
وهنا تتفق جميع المذاهب الدينية في الموافقة على الزواج المبكّر وبنفس الفكرة المتعلقة برؤية القاضي المصادق على الزواج باكتمال جسد الفتاة، وهذا اختراق لاتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها سورية 1993 والتي تعتبر الطفل في المادة الأولى منها هو بحدّ أدنى 18 عاماً والزواج ينتهك حقوق الطفل-ة بكامل جوانبه لأن الحقوق لا يمكن تجزئتها فإن انتهك حق من حقوق الطفل فإن جميع تلك الحقوق ستتضرر كحق التعليم، الصحة، المشاركة، البقاء والنماء….الخ
هذا عدا عن الزواج الذي يتم خارج المحكمة والذي يتم تثبيته فيما بعد أحياناً بعد سنوات وأحياناً لا يتم تثبيته أبداً وتخلق الكوارث بأولاد مكتومي القيد وما ينجم عن ذلك من مشاكل لا حصر لها.
وهنا يشار إلى أن عدد معاملات زواج القاصرات دون سن أهلية الزواج، بلغت أكثر من نصف معاملات الزواج في دمشق وريفها، وذلك وفق ما أكده القاضي الشرعي الأول بدمشق محمود معراوي بحسب 2013 وبين أيضاً أنّ نسبة زواج القاصرات في “المحكمة الشرعية” بلغت 10% ما يعادل 2100 عقد من أصل 17 ألف عقد زواج في 2013، وعدد حالات طلاق القاصرات لم يتجاوز 75 من أصل 4845 حالة طلاق في ذات العام، مؤكّداً أنّ عدد معاملات زواج القاصرات دون سن أهلية الزواج، بلغ أكثر من نصف معاملات الزواج في دمشق وريفها.
وتجدر الإشارة إلى زيادة حالات الزواج المبكر، لا سيما في صفوف اللاجئين حيث ارتفع عدد اللاجئين السوريين من حوالي 000 600 في كانون الثاني/يناير 2013 إلى أكثر من 1.85 مليون في آب/أغسطس من عام 2013. وتشير تقارير “لجنة التحقيق الدولية المستقلة” في سوريا إلي أنه “في مخيمات اللاجئين، النساء والفتيات عرضة للاستغلال الجنسي، والزواج القسري، والاتجار بالبشر”. ورغم البيانات المحدودة لكن هناك مؤشرات على أن نسب الزواج المبكر قد زادت نتيجة للصراع الدائر وهنا ذكر نائب ممثل اليونيسيف في الأردن إلى وسائل الإعلام أنه في عام 2012 ، أن 18 % من الزيجات المسجلة من السوريين في الأردن تشمل أفراد دون سن 18 سنة، مسجلة ارتفاعا بنسبة 12 % عن العام السابق. فحصت الأمم المتحدة للمرأة قضية الزواج المبكر في أوساط اللاجئين السوريين في الأردن، ووجدت أن معدل الزواج المبكر بين السكان مرتفع نسبيا ، وعلى الأرجح يتأثر بالصراع ، إلا أنه ينبع من “الممارسات التقليدية والريفية في المقام الأول التي تنشأ في سوريا”. ووجد التقرير أيضا أن الظروف الاقتصادية الصعبة هي عامل مهم في معدل الزواج المبكر بين اللاجئين السوريين. لجنة الأمم المتحدة للمرأة وجدت أن نسبة الزواج المبكر بين اللاجئين السوريين الذين شملهم الاستطلاع في الأردن كان 51.3 ٪ بين اللاجئين الإناث ، مما يجعل متوسط معدل الزواج دون السن القانونية 33.2 ٪ .

لا معلقة ولا مطلّقة:


تنطبق على قضية تيماء حالة (لا معلقة ولا مطلّقة) التي لا نجد لها مصطلحاً في اللغة الفصحى، فقد تركها زوجها دون أن يبتّ رسمياً بعلاقته معها، فهو لا يريد تطليقها ولا يريدها زوجة، وهي هنا تعيش بحالة أنه لا يمكنها الزواج ولا حتى رؤية أبنائها الذين يعيشون في بلد آخر ضمن ظروف النزاعات التي تعيشها عدد من الدول العربية والتي تنال منها المرأة القسط الأكبر، فالزوج يستطيع السفر بأبنائه بحرية بينما لا تستطيع المرأة ذلك إلا بقرار من القاضي الذي لا يمكن أن تأخذه إن لم تثبت أن الزوج مفقود أو غائب مع شهود مع عدم وجود أب أو أخ له يأخذ مكانه الولاية على الأولاد، ولا يمكنها بكل تأكيد الزواج أو حتى أن تعيش حياة طبيعية فهذا يجعلها ضمن نطاق ما يسمى جريمة الشرف التي لم تلغ المواد المتعلقة بها بل فقط تمّ تعديلها بأن تعطي القاتل عذراً مخففاً بدل العذر المحل من العقوبة أو تعاقب بعقوبة الزنا وهنا سنشير إلى كلتا المادتين.
وفي حالات أخرى تعيش النساء تحت وطأة الطلاق التعسفي (الطلاق بالإرادة المنفردة ودون سبب مشروع )
حيث بلغ عدد حالات الطلاق التعسفي في المحكمة الشرعية بدمشق خلال العام الماضي، 700 حالة، من بين 7121 دعوى تفريق، حيث تنظر محكمة دمشق الشرعية في قضايا بعض مناطق ريف دمشق وبعض المحافظات الأخرى بسبب الظروف الحالية وتوقف عمل المحاكم.
واستناداً لإحصائية تربط سن الزواج بالطلاق التعسفي، التي بينت أن عدد دعاوى طلاق القاصرات بكل الأنواع (مخالعة – تفريق – تثبيت الطلاق) هي 75 حالة طلاق، أي بنسبة لا تتجاوز 3% من أصل 6865 حالة، فسرها المعرواي قائلاً: “إنّ القاصرة إذا كانت متناسبة سناً مع زوجها فإنّ هذا الزواج يدوم، أما الزواج من غير القاصرات أو من كانت فوق سن اكتمال الأهلية، يكون الطلاق فيه أكثر، خاصة في السنة الأولى للزواج”، مبيناً أن حالات الطلاق التعسفي على الأغلب تحدث بين أزواج مضى على زواجهما 25-30 سنة ولهم أولاد.
وبيّنت الإحصاءات التي أجرتها المحكمة في عامي 2009-2010 أن عدد دعاوي الطلاق خلال هاتين السنتين متقارب مع عدد دعاوى الطلاق في الوقت الحالي، علماً أنّ سكان دمشق فقط كانوا قبل الأزمة يرفعون دعاوى تفريق أو طلاق في محكمتها، بينما سكان الريف يرفعون الدعاوى في المحاكم الموجودة في مناطقهم, أما الآن ونتيجة الأحداث والهجرة التي حصلت من الريف إلى دمشق، إضافة إلى بعض المحافظات الأخرى، أصبح هناك اكتظاظ سكاني في المدينة، ما يعني أنّه لو بقي عدد سكان دمشق كما كان سابقاً، كان ممكناً تحديد ما إذا كان للأزمة دور سلبي في هذا الموضوع، بسبب الضغوط والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تؤدي كلها مجتمعة إلى زيادة حالات الطلاق التعسفي.
والطلاق التعسفي هو الطلاق الذي يقع من دون سبب مشروع إما أمام القاضي الشرعي أو داخل المحكمة، لكن هذا لا يعني أنّ كل واقعة طلاق حدثت في هذا الطريق تعد تعسفياً ويكون ذلك عندما ترفع الزوجة دعوى تطالب بالتعويض حيث تحرم معظم النساء من التعويض بسبب القانون الجائر للتعويض في الطلاق التعسفي والقيود التعجيزية فينص القانون السوري في المادة (117) من قانون الأحوال الشخصية “إذا ظلم الرجل زوجته وتبين للقاضي أن الزوج تعسف في طلاقها دون ما سبب معقول وأن الزوجة سيصيبها بذلك بؤس وفاقة ؛جاز للقاضي أن يحكم لها على مطلقها بتعويض لا يتجاوز مبلغ ثلاث سنوات لأمثالها فوق نفقة العدة ؛ وللقاضي أن يجعل دفع هذا التعويض جملة أو شهرا بحسب مقتضى الحال”
لكن المشكلة في هذا التعويض المرهون بإجازة القاضي؛ واجتماع عدة شروط معا ومنها البؤس والفاقة ما جعل هذا التعويض شبه مستحيل.
يشار إلى أنّ مصادر قضائية قدّرت عدد حالات الطلاق التعسفي في سورية خلال عام 2013، بأكثر من 40 ألف حالة، ووصلت إلى ما يقارب 120 حالة يومياً، مشيرةً إلى أنّ محافظة دمشق وريفها احتلتا المرتبة الأولى بعدد حالات الطلاق التعسفي ليصل فيهما إلى ما يقارب 60 حالة يومياً.
ضرب الزوجة


لا يعاقب القانون على ضرب الزوجة استنادا إلى الأحكام الشرعية التي وضعها قدري باشا التي تعد “ولاية الزوج على المرأة تأديبية” (المادة 206) ويباح للزوج “تأديب المرأة تأديباً خفيفاً على كل معصية لم يرد في شأنها حد مقدر” حسب نص (المادة 209) من هذه الأحكام.
فالقانون بشكل صريح لم يجرّم ضرب الزوج لزوجته بل يمكن للزوج (أو محاميه) أن يستند إلى الأحكام الشرعية التي وضعها قدري باشا حوالي عام 1866 والتي سمحت بذلك والتي لم يلغها أي قانون بل لازالت تعتبر اجتهادات يمكن الرجوع اليها في حال لم يوجد نص صريح في القانون.
فلا يمكن ل (تيماء) وكثيرات غيرها الإدعاء على الزوج بأنه ضربها أو نهرها أو عنّفها بأي وسيلة كالعنف النفسي والإكراه، فالقانون لا يرى الا العنف المفضي الى إيذاء وهو يحتاج لطبيب شرعي وأوراق طبية فور وقوع الحدث وهذا يمكن التلاعب عليه كثيراً باستطاعة الزوج حبس زوجته دون أن تصل لأي طبيب..
في الولاية والوصاية

في الولاية والوصاية لا يحق للمرأة أن تكون ولية على أولادها الا في حال عدم وجود ذكور في العائلة كأب أو جد أو عم وذلك لأن الأولوية للذكور وهذا ينطبق على الوصاية والقوامة.
ومن هنا لا يمكن ل (تيماء) حتى لو ذهبت إلى مصر أن تمنع سفر أولادها أو تهريبهم من قبل الزوج لأن الولاية للأب ، وعلى العكس تماماً لا يمكنها السفر حتى بابنها الرضيع الذي معها حالياً إلا بإذن الزوج، أو بموافقة القاضي الشرعي الذي يحتاج لإثباتات كثيرة تؤكّد عدم وجود عم أو جد ليكون وليا..
مواد أخرى في قانون الأحوال الشخصية للطوائف الإسلامية تمنع زواج المرأة دون موافقة ولي أمرها وفق ما يلي: لا يجوز للمرأة أن تتزوج دون موافقة ولي أمرها وإن كانت راشدة، ويمكن لولي الأمر (الأب، الأخ.. إلخ..) طلب فسخ عقد الزواج في أي وقت بحجة عدم الكفاءة استناداً لأحكام المادة (27) من قانون الأحوال الشخصية السوري والتي تنص على: “إذا زوّجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي فإن كان الزوج كفؤاً لزم العقد وإلا فللولي طلب فسخ النكاح”. وتختلف درجات الكفاءة في الزواج حسب الدين والأصل.
ولا يؤخذ بشهادة المرأة كالرجل في المحكمة، بل تعتبر شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد وفق نص صريح وواضح في المادة (12) من قانون الأحوال الشخصية “يشترط في صحة عقد الزواج حضور شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين مسلمين عاقلين بالغين سامعين الإيجاب والقبول فاهمين المقصود بهما.”
وطبعاً هذا في المحاكم والقضايا الشرعية أما في القضايا المدنية فتعتبر شهادة المرأة كشهادة الرجل، لكن هذا فقط في القانون أما في التطبيق فهنا الكارثة الكبرى حيث لا تقبل أي مؤسسة حكومية (كالنفوس مثلاً) بشهادة المرأة كمعادلة لشهادة الرجل رغم أن القانون يسمح بذلك لكن الأعراف تتحكم بهذه القضايا وتعتبر شهادة وزيرة كشهادة نصف رجل!!
المرأة الناشز


أما مفهوم المرأة الناشز فهو يتعلق بالمرأة التي تذهب للعمل دون موافقة زوجها وهي تسمى بالقانون ناشزاً يحقّ لزوجها عدم دعمها مالياً..
كثيرة هي المواد القانونية التي تضع النساء في مرتبة ثانية في الأسرة لا بل تضع مفهوم الزواج ضمن خانة معيّنة فيطلق على عقد الزواج ((عقد نكاح)) فيعتبر القانون أن الهدف من الزواج بشكل أساسي هو النكاح، (أي ممارسة الجنس) ويطلق على المرأة منكوحة أو موطوءة وتختلف معاملتها في العقد حسب إن كانت ثيبا (تمّ الدخول عليها وفض غشاء بكارتها) أم بكرا (عذراء)، ما يعطي انطباعات دينية اجتماعية قانونية متأثّرة بحالة المرأة (كبيرة، مطلّقة، ثيباً، بكراً) ويضعها ضمن مفاهيم تحدد هويتها بأنها تابعة للرجل الذي لا يطلق عليه أيّ من التسميات التمييزية والتي تتعلق بحريته الجنسية ..
أما فيما يتعلق بقانون الارث في الأحوال الشخصية للمسلمين وللمذهب الدرزي، فإن للمرأة نصف نصيب الرجل، وقد كان قانون الأحوال الشخصية للمسيحين يتبع للأحوال الشخصية للمسلمين فيما يتعلق بقانون الإرث لكن تمّ تعديله لتعطى الأنثى كالذكر بشكل متساو وهذا بحسب مرسوم رقم (7) عام 2011 …لكن الأعراف والتقاليد تغلب القانون الذي بدوره لم يدعم نفسه حيث أن الكثير من العائلات تحرم بناتها من الارث وخاصة في الملكية الزراعية والعقارات كي تورّث فقط للذكور وهذا يظهر بوضوح في الأرياف، ما يخلق ما يسمّى الفقر المؤنّث فتبتعد النساء عن الملكية ليظهر الرجل هو المالك وهو بالتالي صاحب القرار الرئيسي كونه المتحكّم بالاقتصاد، متجاهلين دور المرأة الانتاجي ما يحصرها فقط بالأدوار النمطية المتعلقة بدورها الانجابي، فقد كانت المرأة، بخاصة الريفية والبدوية، لا يعترف بدورها الإنتاجي، علما أنها كانت تؤدي أدوارا عدة (ربة بيت، عاملة منزلية، عاملة زراعية) ويغطي العمل الأسري تدبير شؤون الأسرة ورعاية أفرادها وإنجاب الأطفال وتربيتهم وتحضير الطعام وإدارة المنزل وغيرها. ومع أن العمل الإنجابي أساس لبقاء الإنسان إلا أنه لا ينظر إليه كعمل حقيقي في الوقت الذي يتطلب جهدا كبيرا ووقتا ومسؤولية، ويتم استثناء أعمال النساء المنزلية غير مدفوعة الأجر من الإدخال في حسابات الناتج القومي وبالتالي حسابات الدخل من أول الثغرات التي تشوب مؤشر الدخل كمقياس للتنمية فيقول “يستبعد الإنتاج بقصد الاستهلاك الذاتي للأسرة وكذلك الأعمال التي تؤديها ربات البيوت من حسابات الدخل، علماً أن الاعتراف بدور المرأة الإنتاجي هو من عوامل التغيير في المجتمع، لا بل هو ضروري في عملية التنمية التي لا يمكن الوصول إليها دون أن تأخذ المرأة كافة أدوارها بالتساوي مع الرجل (الانتاجية، الإنجابية، المجتمعية) ومن هنا يمكن الحديث عن الجندر (النوع الاجتماعي) وهو الذي يؤثر في الأدوار الاجتماعية وفي علاقة المرأة مع الرجل ، ما يعني أن مفهوم الجندر – الذي لا يزال مفهوماً محظوراً في بلادنا – يرتبط بالقوانين والعادات والتقاليد والاقتصاد، وتزداد الهوّة الجندرية بين النساء والرجال بازدياد التمييز بينهم في كل ما سبق عادة ما تقلل المرأة من قيمة عملها العام بسبب الأسرة أو العكس إهمال الأسرة بسبب العمل العام، وذلك يعود لأسباب كثيرة أهمها عدم توفّر الخدمات المعينة للنساء العاملات وتكريس فكرة أن العمل المنزلي متعلّق بالمرأة بشكل أساسي وعدم اعتبار الرجل شريكاً في هذا العمل المنزلي ومن ضمنه تربية الأطفال، مما يبعد المرأة عن الدور الإنتاجي والمجتمعي لصالح الدور الإنجابي والعكس بالنسبة للرجل الذي يحتلّ الدور الإنتاجي على حساب الدور الإنجابي، ولا يخفى أن لهذا الدور الإنتاجي علاقة مباشرة بسيطرة الرجل على الموارد الاقتصادية وبالتالي عملية صنع القرار ما يمنع التوازن ويعمّق الفجوة الجندرية، فعندما يسيطر الرجال بحسب قانون الإرث على أكثر العقارات والأراضي الزراعية، وعندما يتحكّم الرجل بالأسرة فهو الآمر الناهي فبيده الطلاق بالإرادة المنفردة وله الحرية بالزواج كما يشاء، وله الولاية والوصاية ، وهو المتحّكم بكل حياة المرأة التي قد تترك التعليم وتضطر لترك عملها أو اختيار أعمال نمطية كي تفرّغ الوقت الأكبر لأسرتها التي هي مسؤوليتها أولاً لكن القرار في الأسرة ليس لها بل للرجل ، ما يعمّق الهوّة الجندرية بين النساء والرجال ويبعد النساء عن عملية المشاركة في صنع القرار..
من خلال القوانين السابقة والتي تتعلق فقط بالتمييز في قوانين الأحوال الشخصية نرى عمق المأساة التي تعيشها النساء السوريات (ومعظم الدول العربية) ولا حلّ لها إلا الزواج المدني وفصل الدين عن الدولة وعن القوانين بشكل خاص وهذا العقد المدني ينظّم الحقوق ولا يربط مسائل الولاية والوصاية والإرث والشهادة وغيرها بالأديان. وبالتالي تتيح للنساء مجالاً لأن تأخذ دورها من خلال مساواتها مع الرجل بالقوانين وهذا بالتالي يعيد مكانة المرأة والرجل معاً كشركاء حقيقيين في عملية التنمية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق