فلورانس هنري: مرايا الطليعة الفنية / جوزف الحاج

يقدّم عرض أعمال فلورانس هنري (1893-1982) Florence HENRI (جو دو بوم باريس حتى أيار المقبل) مساراً شاملاً لواحدة من أبرز وجوه الطليعة الفنية، في فترة ما بين الحربين العالميتين في أوروبا. تميزت أبحاثها التشكيلية في المجال الفوتوغرافي بالأصالة، والقدرة على نقل الأفكار البنائية، وتلك الممهِّدة للتكعيبية، مستغلة ما تقدّمه إمكانيات اللغة الفوتوغرافية لتيار «النظرة الجديدة».

ولدت فلورانس هنري في نيويورك سنة 1893، من أب فرنسي وأم ألمانية. بعد وفاة الوالدة المبكر اضطرت للترحال الدائم والعيش في بيئات مختلفة، في ألمانيا ثم في فرنسا، في مدرسة داخلية حيث درست الموسيقى. إثر وفاة والدها في 1907، حصلت على ثروة ضخمة وفّرت لها الرفاهية. في التاسعة عشرة من عمرها، عادت إلى برلين التي قررت البقاء فيها رغم اندلاع الحرب الأولى في 1914. حُرمت طوال الحرب من عائدات ثروتها المودعة في إنكلترا، ما أضطرها للعمل كعازفة بيانو في صالات السينما في زمن الأفلام الصامتة. إلى عملها هذا، تابعت دروساً في الرسم، وتعرّفت على وجوه مثّلت الطليعة الفنية: هانس ريختر، جان آرب، جون هارتفيلد، كارل أينشتاين ولاسلو موهولي- ناجي.

في 1924 أقامت في باريس حيث درست الرسم في «أكاديمية مونبارناس» بإدارة الرسّام أندريه لوت، ثم انتقلت إلى «الأكاديمية العصرية» وكان فرنان ليجيه أحد أساتذتها. في 1926 شاركت في أول معرض طلابي. صيف 1927 كان حاسماً في توجهها الفني، إذ تابعت إحدى دورات الـ «باو هاوس» في ألمانيا. لم تكن الفوتوغرافيا قد أدرجت في مناهجها بعد، لكن موهولي- ناجي وجوزف ألبرز وغيرهم من الأساتذة كانوا يلمحون إلى مشروعية استخدام هذا الفن. بعد عودتها إلى باريس انصرفت فلورانس إلى الفوتوغرافيا وحدها. شكّلت تجاربها نتاجاً كبيراً اختلف عن أعمال معاصريها. مزجت أفكار التكعيبية والبنائية بحثاً عن شكل تعبيري يلائم إمكانيات وقدرات الفوتوغرافيا. في تكويناتها الأولى أدخلت عنصراً سيثبت أنه شكّل أساساً لبحثها الفني: المرايا. من عناصر قليلة، التقطت صوراً بالغة التعقيد تميزت بتشظية الفضاء والأبعاد المتعددة. نجد بينها أحد أعمالها الأكثر شهرة: صورتها الذاتية من خلال المرآة وصورة الكرات المعدنية، التي عكست مناخاً من الحرية ساد في تلك الحقبة، قدّم صورة فنانة عصرية متحرّرة، لا تتطابق مع وضع اجتماعي تقليدي خُلع على المرأة.

الطبيعة الصامتة، بأشيائها المتنافرة، الصناعية، شكّلت مجموعة أخرى من الأعمال الأساسية التي عنونتها «تكوين». في عملها الآخر «تكوين تجريدي» استندت فلورانس للتعريض الضوئي المتكرر لحظة التصوير، أو لجمع سلبيات مختلفة تُطبع دفعة واحدة ما ينتج صورة تجريدية. إنتاجها الفوتوغرافي، كان حتى هذه الفترة، حصيلة مكتملة بين الفن التجريدي الهندسي والتجديدات الفوتوغرافية. «ما أريده من الفوتوغرافيا هو تكوين الصورة مثلما أفعل مع الرسم. يجب على الأحجام والخطوط والظلال والضوء أن ترضخ لإرادتي وتعبّر عما أبوح لها به. ذلك تحت مراقبة صارمة لتكوين الصورة، لأنني لا أدّعي تفسير العالم ولا تفسير أفكاري.» قالت.

في مطلع 1929 شاركت في معارض كبرى، في متاحف إيسن وشتوتغارت التي جمعت مشاهير المصورين من تيار «الطليعة» و»النظرة الجديدة» و»الموضوعية الجديدة». نشرت مجلة «فوتو أوغو» الألمانية التي يديرها فرانز روه أهم أعمالها المشاركة في تلك المعارض ومن بينها: «بورتريه عبر المرآة» و»كرتان معدنيتان». إنتسبت إلى جماعة «دائرة ومربّع» الفنية.

اضطرت، إثر الأزمة الاقتصادية في 1929، إلى تحويل منزلها إلى أستوديو، ومارست التدريس في بعض المعاهد. من بين طلابها أسماء برعت في ما بعد: ليزيت موديل، جيزيل فرويند… تعتبر صورها الإعلانية امتداداً لتجاربها الفنية السابقة إذ لم تستغن عن استخدام الأشياء غير المألوفة والمرايا. في 1931 شاركت في معارض إعلانية، في نيويورك وفي باريس. ومثلما تطرقت نساء مصورات من قبلها لموضوع العري والجسد، تناولت فلورانس هذا الموضوع حتى لغايات إعلانية «فتمثيل الجسد لم يعد وقفاً على الرجال.» إعجاب النقّاد والجمهور بأعمالها، شجعها على الاستمرار في أبحاثها الفنية، فبعد استخدامها قطع المرايا والأشياء المصنّعة في تصويرها للطبيعة الصامتة، أدخلت أشياء طبيعية، واستعانت بأسلوب اللصق، واللقطات الفوتوغرافية القريبة من هذا الأسلوب، ما أوضح أكثر غاياتها المفاهيمية. في ربيع 1930 أقامت معرضها الفردي الأول في باريس. بعده، تخلّت عن تصوير الطبيعة الصامتة لتنصرف إلى البورتريه الخلاّقة. مجموعتها «تكوينات الوجه» تميزت بتأطير ضيّق للوجه الذي إحتل مقدمة الصورة. في حالات أخرى، استخدمت الظل العابر المعيق للصورة كأحد عناصر تكوينها. بانتقالها للسكن في مكان آخر، توفرت لها إمكانية التصوير في الخارج مستغلة الإضاءة الطبيعية، لتستمر في تجزيء الصورة، وتصدعها بين الظلال والانعكاسات.

في مطلع 1931 صوّرت شوارع روما وجمعتها في تكوينات. في 1932 شاركت في معرض «الحركة الفوتوغرافية الجديدة» الذي نظمته «الجمعية الملكية الفوتوغرافية» في لندن، وآخر في نيويورك. في 1933، أقامت في ألمانيا معرضاً فردياً لبورتريهاتها. في باريس عادت إلى تصوير الأمكنة لتنشئ تكوينات عبر انعكاسات واجهات المحال التي وجدتها شبيهة بمناخات المرايا التي كانت تصورها في الأستوديو.

بين 1937 و1940، صورت الريف الفرنسي، من دون أن تتخلى عن جمع صور الانعكاسات والبحث بروية عن زوايا نظر مُبدعة. مع ندرة مواد التصوير بسبب الحرب العالمية الثانية، لجأت فلورانس من جديد إلى الرسم، متخلية عن الفوتوغرافيا قسرياً. مثل كل الفنانات اللواتي اشتهرن في العشرينات والثلاثينات، غمر النسيان أعمالها حتى منتصف سبعينات القرن الماضي، عندما كشف باحثان إيطاليان هما جيوفاني مارتيني وألبرتو رونكيتي عن إبداعاتها، لتحتل المكانة التي تستحقها. توفيت فلورانس هنري في 1982.

الأداء الذاتي الذي فرضته على نفسها لتحقيق تكوينات صورها الشخصية، شكّل قصصاً شاعرية حميمة وأخاذة. جمعت بورتريهاتها جمالية التكوينات الخادعة للبصر والتجارب الشكلانية، التي ميزت حقبة كانت في حمى البحث عما يقلب الفوتوغرافيا التقليدية، بالإضافة إلى نقد المعايير الاجتماعية التي تؤطر الهوية الفردية. في هذا المعنى، تستحضر البورتريهات التي التقطتها لأصدقائها ولمعارفها، قوة صورها الشخصية ذاتها وهشاشة التعرّض لنظرة الآخر. بدقة، وسّعت أبحاثها الشكلانية لتشمل مواضيع كالعمارة والطبيعة وعالم الأشياء، بدافع من رغبتها إبداع علاقات جديدة بين الفضاء والشكل والضوء والأحجام.

يندرج عملها في مناخ إبداعي، في زمن كانت فيه التكنولولوجيا والمُدنية والسينما والفوتوغرافيا، عبر التجريب والبحث عن طرق أخرى جديدة في النظر وفي معرفة العالم وتمثيله، تشكّل روحية الحداثة والتقدم للنظم البصرية السائدة. تجارب فلورانس حول أواليات الإدراك البصري والأبعاد والعمق والتأثيرات البصرية، أصبحت مرجعيات مسلّماً بها دخلت تاريخ الفوتوغرافيا الحديثة.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق