المجتمع السعودي الأصول الثقافية لنظرية المعرفة (ج2)

سأكتفي بهذا الوصف التقريبي للأفكار الأساسية من وجهة نظر موضوعي، وما يثير الانتباه هو أن فكرة خلود الآلهة ( الله ) ما زالت سارية. ورد في القرآن الكريم ـ “كل نفس ذائقة الموت ( آل عمران، 185 ) و”كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( الرحمن، 26،27 ) و “وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ( الأنبياء، 34) و” إنك ميت وإنهم لميتون“( الزمر، 30 ).
غير أن الموت المُشْكلة سيفضي إلى الخلود السعيد ( الجنة ) إذا ما استسلم الإنسان لله وأفرده بالطاعة والعبادة. وكما نلاحظ فقد تحول الخلود في الجنة إلى إغراء ؛ هناك حيث سيموت الموت. سأكتفي هنا بالحديث الذي يروى عن أبي سعيد قال: قال رسول الله” يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح- زاد أبو كريب فيوقف بين الجنة والنار، واتفقا في باقي الحديث- فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. قال: ثم قرأ رسول الله ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ) وأشار بيده إلى الدنيا.


لابد من أن يقترح هذا التصور الديني نظرية للمعرفة التي تتضمن وجهين: البنية الأساسية للعالم وأدوات المعرفة . وفي نظرية المعرفة التي اقترحها الإسلام خسرت العقلانية والتجريبية لصالح الإيمان. وما يهم موضوعي هو أن مصدر المعرفة الأساسي هو الوحي وليس العقل أو الحس. وما اُعتيد على قوله من أن المعجم اللغوي في القرآن يتضمن التعقّل والتفكّر والتأمّل في الطبيعة لا يحيل إلى العقلانية إنما يحيل إلى العقل الذي يخدم الإيمان.
نعت محمد عابد الجابري هذا النوع من العقل بالعقل الميتافيزيقي؛ ذلك أن الطبيعة من وجهة نظر هذا العقل يجب أن تعين العقل على أن يكتشف الله ويبيّن حقيقته، وهو ما ينطبق على العقل في الثقافة العربية الإسلامية الذي يتأمل الطبيعة ليتوصل إلى خالقها.
حين يتأمل العقل الطبيعة ليصل إلى خالقها فاحتمالات الوقوع في الخطأ والوهم كبيرة مما يعني أن العقلانية تحولت إلى تبرير عقلي. وفي الواقع فإن “التبرير العقلاني يدعي العقلانية عندما يتصور أنه يبني نظاما منطقيا كاملا قائما على الاستنباط والاستقراء. والحال أن التبرير العقلاني يقوم على أسس مشوهة أو خاطئة ترفض الاختبار التجريبي.
العقلانية منفتحة بقدر ما هو التبرير العقلاني منغلق. وعلى الضد من التبرير العقلاني فالعقلانية أحسن حماية من الخطأ والوهم” ومع أن التبرير العقلاني يمتح نفس ما تمتح منه العقلانية، إلا أنه يشكل أحد أقوى منابع الخطأ والوهم. إن مذهبا يوظف نموذجا آليا وحتميا في قراءة العالم هو ليس مذهبا عقلانيا ولكنه يلجأ فقط إلى التبرير العقلي.
يعني العقل في العربية الحبس والمنع. تبعا لذلك سمي عقل الإنسان الذي فارق به الحيوان عقلا لأنه يعقله، أي يمنعه من التورط في الهلكة كما يقال العقال البعير عن ركوب رأسه: يعني هذا أن يستعمل الإنسان عقله في حدود؛ فـ “من العبث أن يستطلع العقل أصل الحياة أو نهايتها، ومن العبث ذلك لأن الله قد عيّن الأصل والنهاية على النحو الذي أراد، ثم إنه أوحى إلى رسله ما شاء لنا أن نعرف، ومن العبث أيضا بل من العصيان أن يحاول العقل معرفة غاية الحياة، فالله وحده هو الذي يعرفها، وعمل العقل الإنساني أن يبين للناس العلم الصادق الذي أطلعهم عليه الوحي، وأن يوفق بين الأحداث والوقائع المتنوعة المتنافرة المعلومة لهم بالخبرة العملية وبين النسق العقلي للعالم المسلم به من بالإيمان.
لا تظهر نظرية المعرفة في الإسلام بالدرجة الأولى في سؤال الشروط التي تجعل من الممكن قيام علم ديني فحسب؛ إنما في شكل أعمق من هذا هو أن على الفكر الإنساني كي يبلغ الحقيقة أن يستند إلى الوحي ، وعلى ذلك فإن نظرية المعرفة هذه تعني استبعاد العقل والحس معا.
***
حسب مفسّري هذه الآية” ألست بربكم؟ قالوا بلى“( الأعراف، 172 ). ليس مجازا حين استخرج الله من ظهر آدم ذريته كالذر، إنما هي حقيقة؛ حيث أشهدهم الله البشر على أنفسهم. وقد دلل البعض بهذه الآية على بطلان الفلاسفة الذين قالوا: إن أول ما يجب على الإنسان هو: النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك، أو ما أشبه ذلك .
غير أن الإنسان ينسى. وهنا لا ينبغي أن نستهين بما يمكن أن تنبئنا به كلمة النسيان ؛ لأن اللغة إنجاز سابق من الفكر. يورد ابن منظور أن النسيان ضد التذكّر. وأن آدم أُخذ بنسْيانه فهبط من الجنّة. وأن النَّسْي ما يغفل من الأشياء الحقيرة . 
رُتب على معنى النسيان اللغوي تعريف الإنسان؛ فقد سُمّي الإنسان إنسانا لأنه عُهِد إليه فنسي، (الطبري ) وذهبوا إلى أن النسيان هو أول بلاء ابتُلي به الإنسان على مستوى الفرد. وأكثر من ذلك جعلوا من النسيان شرطا بشريا، وعدم النسيان شرطا إلهيا وعلى هذه الخلفية فُهمت الآيتان الكريمتان”لا يضل ربي ولا ينسى ( طه، 52 ) و “وما كان ربك نسيا ( مريم، 64 ). 
لقد نقّب طه عبد الرحمن في كتابه”روح الدين“عن أصل التذكّر والنسيان فوجده في النور والظلمة ورتب على هذا الأصل أن حضور الذكر أفضل من ذهول النسيان، لا لشيء إلا لأن”نور الوجود خير من ظلمة العدم، والذكر وجود والنسيان عدم ؛ وأن وجود الإنسان العمودي (تذكّر ما يراه تبصّره لا بصره ) أوسع وجودا من جوده الأفقي ( تذكّر ما يراه بصره ) .
هناك درجات للنسيان يصوغ درجته الأعلى ( النسيان الأكبر ) بلغة الدين حيث أصاب هذا النسيان العالم والذي أرخ لحداثته نسيان مزدوج جعل الإنسان الأفقي لا يقدر خالقه حق قدره؛ إذ نسي كيف كان “التدبير” و“العبادة” يأتلفان في حياة الإنسان ائتلافا حيا.
كتب في كتابه آنف الذكر “فلا عجب أن يأخذ النسيان يتداعى(… ) فلا يعود ( الإنسان ) يذكُر أنه مخلوق، فضلا على أنه لم يُخلق عبثا، ولا حتى أنه إلى زوال محتوم إلى حين يأتي أجله على حين غرة. ويا ليته نسي ووقف عند حد نسيانه! بل إنه يمكر ليلا نهارا من أجل أن يرى غيره ينسى مثلما نسي، متوسلا بكل أدوات النسيان، ترغيبا وترهيبا، حتى أنه أضحى يُعلن، بغير حق ولا حياء، أنه لا يطيق أن يُذكر اسم الله ولا إجلاله ولا تكبيره في غير مجلسه، وإذا أحد سواه لم يبق في قلبه التفات إلى غير الله في سراء أو ضراء، فصدح بالتهليل والتكبير، متفانيا في حب ربه، ضج هذا الإنسان الناسي بالشكوى من تهديدات التطرف الديني، مناديا على الإنسانية بالويل والثبور وعظائم الأمور ما لم تحزم أمرها وتعلنها حربا لا هوادة فيها على هذا التطرف، كأن نسيانه حق لا باطل معه وخير لا ضرر فيه، وذكرُ غيره باطل لا حق فيه وشرّ لا نفع معه.
يوجد إنسان ينسى، ومن نسي فلا يجلّ اسم الله ولا يهلّل ولا يكبّر. وأكثر من هذا لا يريد الناسي أن يفعل أحد ذلك. في مقابل هذا الناسي يوجد الإنسان الذي يتذكر، يفعل هذا العكس يجل اسم الله ويهلل ويكبّر. وحين يفعل هذا فإن الناسي يدعو إلى حربه لأنه إنسان متطرّف.
***
على هذه الخلفية أعلاه فالنسيان قدر الإنسان الذي يألفه من غير أن يعرفه؛ ذلك أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي وقع ضحية نسيانه. تعريف الإنسان بالنسيان خطير؛ لأنه رؤية محدّدة قد لا يملك الإنسان التصرف حيالها؛ فالإنسان قد ينسى بسبب ظروف خارجية لا يقوى عليها كالصدمة النفسية وإصابات الدماغ والتهابه، واحتباس الدم ومرض الزهايمر. 
ما يجعله خطيرا هو أن الصراع البشري من وجهة تعريف الإنسان بالنسيان لا ينفصل عن تصوّر أن أحدا ينسى بينما يتذكر آخر. ومن يظن أنه تذكّر فقد امتلك الحقيقة وإن لم يشاركه الآخر في الحقيقة نفسها فيجب أن تفرَض عليه. لذلك من المهم أن نميز هنا بين الناسي الذي يتحول إلى وعاء، وبين الذي يتذكر معتقدا أنه امتلك الحقيقة ويجب أن ينقلها إلى الناسي.


الذين لا ينسون هم أهل الذكر. ورد في القرآن الكريم” وما أرسلنا من قلبك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( النحل، 43 ) وكُررت مع تعديل طفيف “وما أرسلنا قبلك .. ( الأنبياء، 7 ). وقيل في تفسيرها : أنها مديح لأهل العلم، وأن فيها دليلا على أن أعلى أنواع العلم هو العلم بكتاب الله، وهي نهْي عن سؤال الجاهل، ودليل على أن الاجتهاد ليس في كل الناس، لأن الأمر بسؤال العلماء دليل على أن هناك أقواماً فرضهم السؤال لا الاجتهاد، وهذا كما هو دلالة الشرع، فهو منطق العقل ـ أيضاً ـ إذ لا يتصور أحدٌ أن يكون جميع الناس مجتهدين.
لا يستخدم هؤلاء العقل إلا في ما يمكن أن يكون وراء ظاهر القرآن الكريم، وهكذا أمكن لهؤلاء أن يفسروه ويشرحوه. هؤلاء من الرجال ( نظرية معرفة ذكورية ) ؛ ذلك أن” علم القرآن ذكر لا يعلمه إلا الذكور من الرجال. كل علم منتزع من القرآن، ففيه علم الأولين والآخرين ومن أراد العلم “فلثوّر القرآن” بلفظ ابن مسعود.
يحتوي القرآن على ما نسيه الإنسان؛ لذلك يوصف القرآن بالذكر “إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ( … ) ويسمى بالذكر” قد أنزل الله إليكم ذكرا ( …. ) . وقد قيل في معنى الذكر أنه ذكر من الله جل ذكرُه، ذكّر به عباده، فعرّفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائر ما أودعه من حكمه.
إذا اتقى الإنسان الله علمه الله؛ ذلك أن التقوى هي “مفتاح الباب المقفل، لفهم القرآن المنزل” عنوان كتاب الحرالي الذي نقل عنه الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن “ولله تعالى مواهب، جعلها أصولا للمكاسب، فمن وهبه عقلا يسر عليه السبيل، ومن ركب فيه خُرْقا نقص ضبطه من التحصيل، ومن أيده تقوى الاستناد إليه في جميع أموره علّمه وفهّمه.
تشرح هذه العبارة قول الله تعالى” واتقوا الله يعلمكم الله ( البقرة، 282 ) وهي الآية التي فُسرت بأن تحقيق التقوى سبب الحصول على العلم النافع. وهي وعد من الله بأن من اتقاه علّمه؛ أي جعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه.
إن المعرفة هي الحفظ، والحفظ يرتبط بالإيمان
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال بأن العلـــــــــــم نـــــــــــــــــــــــــــور ونور الله لا يؤتى لعاصـــــــي
3
اتخذ تحليلي إلى الآن طابع التجريد، ولعل من المفيد أن أجعل التحليل ذا طابع مشخص أكثر والسبيل إلى هذا هو أن ألخص التحليل أعلاه في الأفكار التالية . الفكرة الأولى هي : أن هناك عالمين هما عالم الشهادة ( عالم الطبيعة ) وعالم الغيب ( عالم الميتافيزقيا ). الثانية هي أن معرفة هذين العالمين ( الشهادة والغيب ) تتبع المعرفة الإلهية . ورد في القرآن الكريم “سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ( البقرة، 32 ) و المعرفة من الله” علمك ما لم تكن تعلم ( النساء، 113 ). تتعلق الفكرة الثالثة بأن الوحي هو مصدر المعرفة بعالمي الشهادة والغيب. يترتب على هذه فكرة رابعة هي وجوب نقل مضمون الوحي إلى الآخرين، ووجوب أن ينقل هؤلاء ما وصل إليهم بصدق وأمانة .
انطلاقا من هذا الفهم فإن أول مصدر من مصادر المعرفة في الثقافة الإسلامية هو العيان. وفي ضوء هذا يمكن أن نفهم معجم القرآن اللغوي الذي يحيل إلى “العيان”و “الرؤية” البصرية وسأكتفي بالآية “لو اطّلعت عليهم لمُلئت منهم رعبا ( الكهف، آية 18 ) . يقول نخبة من العلماء في تفسير هذه الآية: لو أنك أيها الناظر رأيت أصحاب الكهف لأدبرت عنهم هاربا، ولمُلئت نفسك منهم فزعا، فليس من رأى كمن سمع. وهكذا يمثل العيان المصدر الأول للمعرفة في الثقافة.
إذا تعذر مصدر المعرفة الأول ( العيان ) حل الخبر مصدرا ثانيا من مصادر المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية. وما يهم في هذا المصدر هو الثقة التي تُعْطى للناقل. وفي مقدمة الثقات الله الجدير بالثقة فـ” من أصدق من الله حديثا ( النساء، 87 ) و “من أصدق من الله قيلا ( آل عمران، 122 ). القيل والقول واحد والمعنى لا أحد أصدق من الله في حديثه وخبره ووعده ووعيده.
ثم محمد الذي يقول عنه الله” ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ( النجم، 3-4) وقد قيل في تفسير هذه الآية: ليس كل كلام ينطق به النبي يكون وحيًا من عند الله، وإنما معناها أن النبي معصوم من الخطأ فيما يبلغه عن الله، بخلاف غيره من الكلام الذي يحتمل الاجتهاد.
جُمع العيان ( المشاهدة ) والخبر في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن الرسول أن الله قال : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ( البخاري ) وهو الحديث الذي يورد في سياق وصف الجنة؛ حيث يوجد فيها ما لم تره أعين ٌ من قبل ( العيان ) ولم تسمع به آذان من قبل ( الخبر ) ولم يخطر على قلوب البشر؛ أي ما لم ياتخيلوه.
***
كيف يكون الخيال مصدرا من مصادر المعرفة؟ في أن البشر لا يمكن أن يتخيلوا شيئا من دون أن يكون لهذا الشيء خلفية من واقع عاينوه أو سمعوا به؛ فالخيال لا يعني الابتكار ولا الخلق إنما يعني تحويل الأشكال الحسية إلى أشكال حسية أخرى. وهل يستطيع الخيال أن يضفي شكلا معينا على ما ليس له شكل في الواقع ( ديسويفسكي، 1984، جـ2/168 ).
إذا تعذّر العيان وتعذّر الخبر تأتي الكتابة. وسأدرج هنا نتيجة – تهم موضوعي – من النتائج التي توصل إليها الدكتور محمد سعيد ربيع الغامدي في تحليله حكايات الكتابة في تاريخ الثقافة العربية. فقد “تشَكّلَ في التراث العربي منظومة من المفاهيم وبعض العبارات والجمل الثقافية التي أمكن للدراسين تسويغ القول فيها بأنها وما يشبهها تنبثق من تصورات قارة للإنسان والكون، وأسهم في تشكلها أساس ثقافي ما. 
بالفعل هناك منظومة ثقافية عربية إسلامية يمكن تحديدها من خلال تعيينها وانتقائها المفاهيم؛ ومن حيث فرضها ومنعها، ومن حيث مراقبة العمليات المعرفية. يقع في قلب هذه المنظومة مفهوم جوهري هو النظام وهو بالمناسبة مفهوم يوافق التصورات الحتْمية كتصورالإسلام.
في هذا السياق يجب أن أشير إلى أن المنظومة المعرفية الكبرى في الإسلام كما صيغت في عصر التدوين قامت على الفرق بين العلوم الدنيوية والعلوم الدينية؛ حيث تحظى العلوم الدينية بالمرتبة العليا لأنها نتجت عن الوحي، وعينت هذه المنظومة مفاهيمها في النقل وليس في العقل.
لقد أُجيب في معرض تأسيس العلوم الدينية عن سؤال : ما المعرفة بأن وُجهت توجيها دينيا فالمعرفة هي معرفة الله وما يصدر عنه، وعن سؤال: بم أحصل المعرفة بأن حصرت أصل المعرفة في الوحي والنقل وفي سؤال: هل يمكن تحصيل المعرفة بأن شدّدت على أن صحة المعرفة تنبع من صدق قائلها وعدالته ودينه وأمانته وقد” وضع “علم لهذا هو علم الجرح والتعديل أو علم الرجال .


إن أهم ما ترتب على تأسيس العلوم الدينية هو عدم اهتمام العلماء العرب القدامى بوضع نظرية معرفة تتعلق بالعلوم الطبيعية إنما كرسوا جهودهم في وضع نظرية معرفة تتعلق بالعلوم الدينية. تتعلق هذه النظرية ببحثهم في إمكان المعرفة، والشروط التي تصير بها الأحكام ممكنة، وتحقق معرفتها من المصادر. بدؤوا في ذلك بعلوم الدين الإسلامي تحت عناوين مختلفة أكتفي هنا بذكر المشهور منها كتعارض العقل والنقل ( ابن تيمية ) و كتاب العلم ( الغزالي ).
***
هناك علامات كثيرة تكشف نظرية المعرفة المتعلقة بالعلوم الدينية في المجتمع السعودي . تتجلى هذه النظرية في أن المعرفة تتمحور حول النصوص وحفظها؛ أي استظهار المعرفة بشكلها الأصلي الذي وجدت عليه. يتبع هذا بطبيعة الحال نشوء جماعة ( طبقة ) تحترف حفظ النصوص (المعرفة ) وتضطلع بمهمة توضيحها للناس . تحتكر هذه الجماعة ( طبقة ) المعنى، وقد نتج عن هذا اللّبس الذي نعرفه لكلمتي عالم وعلم، وحلول البيئة الدينية بدلا من البيئة العلمية.
تحتاج هذه العلامات أن يعاد تحديدها في نتائجها المباشرة في الواقع؛ فالحقيقة ليست موجودة في الواقع إنما هي موجودة في النصوص، والمعرفة لا تتأتى بملاحظة الواقع وتصنيفه واكتشافه؛ إنما تتأتّى بقراءة النصوص، الانشغال بالمعاش زمن ضائع بالنسبة للمعرفة بالنصوص، وخضوع الواقع للنصوص وهيبتها، والبرهان الأقوى الذي يمكن أن يعرض هو الاستشهاد بالنصوص.
تحتاج هذه العلامات إلى أن تُكتشف في الواقع؛ فبدلا من أن يتبع المجتمع سياسة علمية بإنشاء مؤسسات علمية وتعليمية تدرب على العلوم الطبيعية يتبع سياسة دينية تجعل من الدين هو الهدف الأول للسياسات التربوية والتعليمية والثقافية حيث ينشئ مؤسسات تدرب على الدين.
أشاعت هذه المؤسسات التلقين ( الحفظ ). صحيح أن المحفوظ له دور في تحصيل المعرفة الجديدة ، لكن في غالب الأحيان يندمج بشكل تعسفي في البنية المعرفية للشخص من غير أن يتفاعل مع ما هو موجود لديه فعلا؛ لذلك فهو لا يؤدي إلى معرفة حقيقية ، إنما يظل معلومة سطحية.
من الممكن أن يعيد الإنسان ما يحفظه ، لكن في الوقت نفسه ربما لم يفهمه؛ ذلك أن الحفظ لا يجعل الإنسان يعرف بالمضمون الأكثر تعقيدا لكلمة ( يعرف ). وهو لا يناسب عملية بناء المعرفة الجديدة، لكنه مفيد في حالة الرغبة في تعلم ما يعتقد بأنه حقيقة في نظر شخص ما .
سهلت نظرية كهذه فكرة تقديس الدين ؛ أعني تقديس زمانِه، ومكانِه، ومدنِه، ورجالِه، ومؤسساته من توظيف الدين في إعطاء رجال الدين أفرادا ومؤسسات شرعية وقداسة تخولهم أن يتدخلوا في حياة الناس الاجتماعية بذريعة تمثيل الدين، وقد ترتب على ذلك أن برزت مفاهيم العصيان والعقاب والجزاء، والتمرد، والتكفير، مما يجعل من فكرة تقديس الدين ورموزه موضع سؤال .
بسبب نظرية كهذه يقبل المجتمع السعودي ما لا يُعقل كحدوث الكوارث الطبيعية، وشح المطر بسبب أعمال الناس. وأكثر من ذلك تساعد على أن يتقبل المجتمع السعودي مفهومي الاستبداد والعبودية المضادين لمفهوم الحرية؛ ذلك أن النصوص الدينية تفهم الحرية على أنها الضد للطاعة وبالتالي فالحرية على أنها عصيان وتمرّد، وهو المعنى الذي لا يفهم من كون الحرية مضادة للعبودية مما جعلها محركا من أكبر محركات التاريخ البشري .
لقد حللت في مكان آخر أن الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودية هو سبب الأزمة، والواقع أن جزءا كبيرا من هذه الأزمة يعود إلى نظرية المعرفة التي يقترحها الدين كما يًفهم؛ فالمعنى يُعطى، ولا يُبنى. وهو كامل ونهائي، ولا يُعترف بأن المعنى مؤقت ولا يعدو أن يكون تأويلا ، ونتاج عقل تعامل مع ما يقرأ في ضوء معارفه وتجاربه. وأن هناك قيما للمعرفة كالشك الذي يعارض قبول التفسيرات التقليدية ، ويقود الفرد إلى أن ينفر من قبول الأشياء كما هي مقررة من قبل. وأكثر من هذا تتحفظ هذه النظرية في المعرفة على حب الاستطلاع ( الفضول ) وتصنفه في إطار أخلاقي وديني يترتب عليه عقوبة، وتقترح أن يكون عمل المثقف اليومي يتركز على القراءة والتحدث، وليس الاستماع إلى الموسيقى، أو مشاهدة مسرحية، أو فيلم أو ممارسة الرقص ؛ و بهذه الكيفية تنشغل العقول بما يعتبره” نافعا ” لا يضيع الوقت ؛ ولا يضعف روح الأمة وتذبل الهوية.
ما الحل إذن ؟ من وجهة النظر التي نتبناها في هذه الورقة فإن تعليم وتعلّم الفلسفة ضرورة ملحة لمعرفة المعرفة من حيث هي سلاح في مواجهة الأخطار الدائمة للوقوع في الخطأ والوهم اللذين لا يتوقفان عن بلبلة الذهن الإنساني وتشويشه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق