الخوف من الجار (غير) المسلم في الولايات المتحدة / حسن منيمنة

كريغ هيكس، الرجل الذي اعترف بقتل ثلاثة من جيرانه في مدينة تشابل هيل في ولاية كارولاينا الشمالية مطلع هذا الشهر، وهم طبيب الأسنان المتدرب ضياء بركات وزوجته يسر وشقيقتها رزان أبو صالحة، قد يكون بالفعل ما يتفق الإعلام وجمهور المعلقين في الولايات المتحدة على توصيفه به، أي رجلاً متناطحاً يتجاوز حقوق الجميع من دون تمييز، ارتكب جريمته في فورة من الغضب. وهذا التوصيف يريد منه العديدون في الولايات المتحدة أن يطمئن الجالية المســـلمة من خلال افتراض تفنيد استهدافها للاعتداء، على رغم أن الضحايا من المسلمين، بل كذلك انتقاد التعليقات التي صدرت عن ناشطين في المنظمات الإسلامية الأميركية والتي اعتبرت الحادثة نتيجة لكراهية المسلمين، وإسقاط هذه التعليقات على أنها انتهازية.

والواقع أن المتابعة الدقيقة لسجل حضور هيكس في وسائل التواصل الاجتماعي، تكشف بالفعل عن صورة مركبّة لناشط إلحادي يثابر على الطعن بالأديان، ويخصص معظم إساءاته للتهجم على المسيحية، بل يلجأ وإن سجالياً بين الحين والآخر إلى التنديد بالمواقف النفاقية للجهات المسيحية في تضييقها على الإسلام والمسلمين. أي أن كريغ هيكس ليس نموذجاً فاضحاً للمجموعة غير النادرة من المعلقين الذين يستهدفون الإسلام والمسلمين بتعليقاتهم النابية والتمييزية. ولكن بدلاً من أن يطمئن ذلك القلقين من المسلمين، فإنه في حال جرى تطبيق المعادلة التي يعتمدها الكثير من الإعلام الأميركي وإن ضمناً في إثارة المخاوف من «الجار» المسلم، على هذه الحادثة، فإن ثمة دواعي جدية للقلق في الوسط الإسلامي.

فثمة من يرى، في الولايات المتحدة، أن الخوف من جميع المسلمين يبرره خطر أن ينحدر الجار المسلم، والذي يبدو ظاهرياً مشابهاً لعامة المواطنين في نمط حياته، ليمسي إرهابياً من خلال انحدار غير ملحوظ نحو التشدد، فيُنزل الألم والموت والدمار بمجتمعه. وقد لا يكون هذا الطرح شائعاً في العلن، إلا أن انتشاره في الثقافة الشعبية أصبح قائماً، بل إنه الخلفية التي تعتمدها التغطية الإعلامية كلما جرى اتهام أحد المسلمين بالإرهاب. فيبدو أن الإعلام في الولايات المتحدة، انطلاقاً من معايير اللياقة القائمة، يتجنب الإفصاح ويفضل الإشارات غير المباشرة إلى قناعة تترسخ تدريجياً في كافة الأوساط وتعتبر أن المواجهة في نهاية المطاف هي بالفعل مع الإسلام.

والإعلام يذخر بالخبراء المزعومين، وجلّ خبرات هؤلاء في اقتطاع تسطيحي للنصوص لأغراض سجالية، ما حضّر الأرضية الصالحة لتسويق وهم التناقض المبدئي بين المعتقد الإسلامي والديموقراطية، بما ينسجم في واقع الحال مع جهود الإسلاميين القطعيين المتشددين في السعي إلى تأصيل هذا التناقض. وتطفح الثقافة الأميركية كذلك بقراءات تصف نفسها بالجديدة والشجاعة في مراجعاتها للتاريخ والسياسة، تدعو إلى كشف النقاب عن جرائم المسلمين عبر التاريخ والتخلي عن الأصدقاء – الأعداء منهم اليوم. ومن هذه القراءات ما يطنب في تحليله الأهوائي للعقل العربي، ومنها ما يعيد تصوير التاريخ فيجعل منه مواجهة مستمرة بين الغرب والإسلام.
وفي حين أن هذه القراءات بمجموعها لا تأتي بجديد من الناحية العلمية، إلا أنها ساهمت فعلياً في التضييق على المسلمين وفي تطبيع الإساءة إليهم. فمن المستحيل أن يتجرأ أحد في الولايات المتحدة اليوم على منع دخول السود أو اليهود مثلاً إلى مؤسسته أو متجره، من دون أن يتعرض للإدانة الشاملة أو أن يلاحق قانونياً، غير أن منع دخول المسلمين لا يحظى بالدرجة نفسها من الشجب، بل تصدح بعض الأصوات المتعاطفة مع من يجاهر به.

فإذا كان يعقل أن يخاف المواطن الأميركي من أن يفتتن جاره المسلم بالتيارات الإرهابية فيصبح خطراً عليه، فهل يصبح من المعقول كذلك أن يخشى المسلم أن يتحول جاره غير المسلم، نتيجة انهمار التوصيفات الجارحة في الإعلام، إلى القيام بأعمال تجسد الحاجة المزعومة إلى اجتثاث العدو الكامن في الداخل؟ يتحمل كريغ هيكس طبعاً كامل المسؤولية عن تغييبه لثلاث نفوس واعدة. غير أنه كما تجري دعوة المسلمين، في أعقاب أية عملية إرهابية تجري باسم الإسلام إلى التبرؤ والتنصل والاعتذار والتلطيم، هل المطلوب اليوم من جميع الأميركيين أن يبادروا بالمثل، بعد أن ساهمت ثقافتهم، بغض النظر عن درجة تشويهها، بقتل الأبرياء؟

والأصح اعتبار أن المسؤولية الجماعية، وما يترتب عنها من اعتذارات متوجبة، ليست متحققة لا في حالة الأميركيين إزاء جريمة كريغ هيكس (ولا غيرها من الحوادث المتكررة من قتل للأبرياء في حروب الولايات المتحدة)، ولا هي متحققة كذلك في حالة المسلمين إزاء الإرهاب المرتكب باسم الدين. غير أن مسؤولية الشرائح الفكرية، وهي قاصرة ومتأخرة في أدائها في العالم الإسلامي، ومطالَبة بأداء أفضل لا تحققه في الولايات المتحدة، لرفع الحوار العام وتبديد خطر العصبيات المتعامية عن مصاب الآخرين والتي غالباً ما تكون المعيار في تقييم المظلومية.

ومعظم ردود الفعل حول حادثة تشابل هيل كانت في إطار تأكيد المظلمية الجماعية لطرف والتبرؤ من المسؤولية الثقافية لطرف آخر، وصولاً إلى رسم خطوط التماس بين سرديتين، إحداهما تشدد على الثراء التعددي داخل الموروث الإسلامي وتدين التسطيح الغربي له، والأخرى تمعن في إظهار السلبيات داخل هذا الموروث وتعتز بالتفوق المعنوي والأخلاقي للغرب.

وفي السرديتين ميل واضح إلى الركون إلى مقولة استحالة التوافق، ما يعمّي التناقضات الداخلية في كل منهما بين مزاعم الاستثنائية والإقرار بالقيم الإنسانية المشتركة، ويفعّل الخوف من الجار المختلف، مسلماً كان أو غير مسلم. وكلا الجانبين يعلن رفضه واستهجانه أي طرح يجعل منه مكافئاً للجانب الآخر، إلا أن الجانبين يشتركان من دون شك في رفع مستوى العصبيات التي تتأصل بالتساوي بينهما. أما أن كل حياة ثمينة، سواء كان صاحبها مسلماً أم غير مسلم، أميركياً أو غير أميركي، غربياً أو غير غربي، فهي حقيقة بسيطة تكاد تكون غائبة في زمن العصبيات.

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق