الأيديولوجيا الدينية كردّ زائف على مفاعيل التحديث / وفيق غريزي

توجساً من عولمة أخطبوطية وحداثة طاغية، ومن عواقب الإحباطات السياسية الداخلية والخارجية، تلوذ مجتمعاتنا العربية، واعية أو لا واعية، بضروب من السلوكيات التقديسية، والعديد من الظاهرات العبادية والمعتقدات والطقوس الشعبية. وتمثل هذه العودة دلالة عميقة على الانكفاء على الذات الجمعية، وارتداداً الى المقدس الذي يرسي ضروباً من الأصول والأنماط والأعراف العصية على الذوبان والتفتيت.

وفي هذا الكتاب يحاول المؤلف أحمد زين الدين، كشف بعض هذه التظاهرات التي تمثل عودة الى المنظومة الرمزية والأشكال الأولية الأساسية لتحولات المقدس، عبر الزمن. وتسعى إلى تأويله وتعرية دلالاته الشعورية والفكرية في ضوء كشوفات الإناسة الدينية ومفاهيمها وتجاربها الميدانية. علاوة على مقالات تتناول جوانب من التجليات العقلية والفكرية والإجتماعية المنتشرة في الفضاء العربي، في ظل مفاعيل الحداثة وطغيانها.

تعاويذ الجسد الإسلامي

لا تقتصر تعبيرات المد الإسلامي وأنصبته وصوره على الرجوع إلى طرائق التفكير المتوارث، وتداول صيغه اللفظية ومفرداته، إنما يتم تمثل كل الأنماط الأصلية والأعراف السلفية في كل أمر، سواء أكان صغيراً أم كبيراً، بدءاً «من المظهر والزي وانتهاء بأصناف الطعام وأنواع الزينة والعطر، وقائمة المباحات والمحرمات». ويستعيد التختّم كمظهر من مظاهر الزينة الجسدية مكانته بصفته سنة نبوية، ينبغي ان تحتذى في سلوكيات الجسد وصورته، وبعد ان فقدت الأحجار الكريمة التي ترصع الخواتم خطوتها الدينية السابقة، وتداعت دلالاتها الروحية، وابعادها الأسطورية والطقوسية لصالح مواصفاتها الإقتصادية، وقيمها التزينية التجميلية، دون سائر قيمها وخواصها الأخرى. ويقول المؤلف: «هاهي تستعيد عمقها اللاهوتي، وتنفض الغبار في ايدي المتخمين، عن جذورها ورواسبها السحرية الميتافيزيقية، حتى بات التختم إحدى سمات التقوى والصلاح، ومن امارات الإيمان، والحرص عليه من صلب هوية المتشيع، ومن سيمائه ومظهره». هو جزء لا يتجزأ من خطاب ينسب للإمام علي حسب الرواية الشيعية. إذ يقول: «أنا سيد الوحيين، أنا المتختّم باليمين». ويخرج الموروث التختم من مقام الاستحباب الى مقام الواجب والتكليف. ويعد الإجباريون الطعن في رواية التختم كالطعن في الإسلام، والمعرض عنه معرضاً عن الإسلام، وينال الخلق يوم القيامة درجة من درجات الجنة بتختمهم باليمين دلالة على صدق إيمانهم.

النشاط الجسدي من منظار المؤلف ليس نشاطاً ضرورياً للإنسان من حيث هو كذلك، بل يدين لسلطة متعالية لا ينفصل عنها. وتلعب الاستعمالات والسلوكيات المنظمة للجسد دوراً رئيساً في الاستشعار بالأمن والألفة والتكامل مع الآخرين، والإنغراس في الجسم الجماعي ذي الدفء الروحي.

والتعارض الثنائي بين المقدس والمدنس، الطاهر والنجس، الروحي والجسدي، هو الذي يموضع الجسم. «وما تسعى اليه الطقوسية في أدق تفاصيل السلوكية الجسدية وتعبيراتها العنصرية، يقوم على التجميع والمؤالفة بين المختلف لإعادة ترتيبه، وفق رؤية محددة وراسخة».

التختم في الاصل يدل على السلطة والشهرة والثروة. والخاتم في العربية هو الطابع والعلامة والسمة. وفي آشور، بلاد منشأ الأختام، تدل كلمة سمو على الإسم، والخاتم رمز الانتماء إلى الجماعة والإرتباط بقدرها ومصيرها، وعلامة على التحالف والتكافل بين أفرادها.

من تجليات العقل والمداواة القدسية

إن الأدوية صنفت أنواعاً ورتبت فئات محفوظة منذ الأزل، على صورة قارة لا تتحول ولا تتبدل، ولا بد للإنسان في صنعها وإيجادها، «ويقتصر عمل الطبيب حيالها، وهو هنا النبي سليمان الجامع لحكمة البدن والنفس والطبيب النموذجي في المتخيل الشعبي، على العودة الى ما هو مسطور من قبل في كتاب الطبيعة، وما حكم به النظام الإلهي وقدره من موازين وأسباب، فلكل داء دواء، والدواء كائن ولا يكون، وما على المرء إلا الوقوف على موضعه وصفاته».

النباتات الطبية تؤول الى خير انساني، الى قوة ملكوتية مقدسة. ومصدرها السماوي يناظر المنشأ ما فوق الطبيعي الذي صدرت منه العلل والأوبئة. فظهور الأمراض محكوم بتمظهرات كونية، ومسارات فلكية، وعوامل غير طبيعية، كما يتعلق باعتبارات أخلاقية وإيمانية، وبسطوة الارواح والخوافي. ويشير المؤلف الى ان العادة قد جرت ان يسأل الأطباء عهدئذ مرضاهم، قبل ان يباشروا معاينتهم عن اسماء أبراجهم الفلكية تسهيلاً لتشخيص الداء ومعرفة الدواء.

وإذا تمعنا في ذلك، نقع على تصور عام، يؤسس لنسق فكري يقوم على الحد من الخيار الإنساني والفاعلية البشرية. ويرمي الى تقليص حدود العقل، والكف عن صلاحيته وقدرته على استيعاب المتغيرات، والحيلولة دون تعميق طابعه الواقعي ومضمونه الإنساني، ويقول المؤلف: «ليس في وسع الإنسان إزاء هذا النسق المعرفي الطبي الذي يعزو الدواء إلى هبة لدنية، وإلى عالم مفارق يضع الجسد في صحته ومرضه تحت رعايته، إلا الوقوف على ما أقرّته الأعراف، وما أذاعته التقاليد، وما رُوي من الأخبار والمشاهدات، بدل أن يتدبر أحوال الصحة والسقم بحسب ما تقتضيه طبائع الأشياء وجواهرها، وتقلّب الجسد في أطواره وأفرجته وتفاعلاته الخارجية والداخلية.

الولادة النورانية

كثيرة هي المرويات الإسلامية الشيعية التي حفظتها الذاكرة وتداولتها كتبهم التراثية. وأفصحت هذه المرويات، بما حملت من دلالات عن تشكيل الفضاء التخييلي الشيعي وارتباطاته البنيوية بضغوط المحيط التاريخي القمعي الذي واجه تمدد الشيعة، وأحبط سعيهم إلى استرداد حقهم بالولاية على المسلمين. وإذ «يتناول المؤلف طائفة روائية منتخبة من المرويات والأخبار، فإنه يفترق عن الموقف الفقهي الذي يحملها على التأويل والتخريج، ويخوض في صحة الإسناد وشروط الرواية، وعدالة الرواة، وفي تصنيف المحدثين والقصاصين، والتفريق بين الحديث الصحيح والحديث الفاسد».

ويتجه المؤلف إلى دراسة حيّز المعتقدات الشعبية لتعرية نظام الصور المتخيلة التي تتخذ سمات العلامات والآيات والرموز العجيبة والمدهشة والمخالفة للعادة والمألوف، والخارقة لمجاري الطبيعة، فالخيال الرمزي هو خزين من الصور تحمل في ذاتها معنى لا يمكن البحث عنه خارج الدلالة المتخيلة. وتالياً فإن المعنى المجازي لا يقل دلالة عن المعنى المباشر والحقيقي.

وإذ اتخذت الولادة التوراتية أبعاداً صوفية وفلسفية، عند العديد من المتصوفين المسلمين، خصوصاً عند: إبن عربي، والسهرودي صاحب فلسفة الإشراق، فإن الأبطال الصوفيين وأصحاب الكرامات يقول المؤلف: «كانوا يُرجعون أنسابهم إلى النبي محمد (ص) عبر الأئمة إضفاء للصفة النورانية على خلفهم، واستقطاباً للفضائل المنبعثة من هذا النسب».

الشرق باطن العالم والغرب ظاهره

بلهجة نيتشوية النبرة يعلن المفكر الإيراني الفارسي المتفرنس داريوش شايغان إفلاس الفكر الديني الإسلامي، وإخفاقه في القبض على أعنّة العصر. ويرى تالياً وجوب خروج هذا الفكر من السياق غير المتكافئ، مع حقائق وإواليات الفكر الحديث وديناميكيته المتواشجة في نسيج من المقولات والنظريات والمفاهيم. فالمسلمون ينظرون إلى العالم ويتعقلون الوجود والحياة من خلال أنماط حداثوية طاغية، تصهر كل شيء من حولها في قوالبها وأشكالها.

وإزاء ما حملته إشكالية الحداثة من آليات فكرية ومفاهيم ومنظورات جديدة للكون والتاريخ، ومن استحداث تيارات وصور أدبية وفنية. وقف المفكرون العرب والمسلمون وقفات متفاوتة ومتعارضة من هذه الفتوحات العقلية. بيد أنهم أجمعوا، يقول المؤلف: «على أن مسيرة التاريخ آيلة إلى اتساع وشمولية، وإلى تبدلات وتحولات على كل الصعد، وهي لا محالة ستطاول كل الأطر والمعايير والقوانين والمنظومات العقلية. وباتت الحداثة في هذه المجتمعات الإسلامية أمراً مفروغاً منه، ولا رجوع عنه. لكنها حداثة لا تملك لساناً».

المعضلة لم تعد في هذه الآونة الإقرار بهذه الحداثة باللسان أو بالقلب، أو الاعتراف العلني أو الضمني بها. المعضلة من منظار المؤلف هي في اكتشاف الوسيلة والطريق الأكثر نجاعة إلى إنتاج حداثة كونية مشتركة إنسانية الطابع، ومتعددة الأطياف، تراعي الخصوصيات الحضارية لكل المساهمين والمتعاونين في بنائها ومسارها، بدل فرض هذه الحداثة القهرية التطويعية التي يدعو إليها البعض، والمعبّر عنها اليوم بالعولمة المفترسة اللامحدودة القدرة.

في ضوء ما تقدم عن حتمية المسار التحديثي، يصبو البعض إلى فصم سياق الحضارتين التقليديتين اللتين تمثلان الحضارة الإسلامية والحضارة الهندية، عن السياق الحديث للفكر الغربي. وتجري عملية القطع هذه عبر تفكيك المماثلات المتسرعة، والمطابقات الزائفة والتلفيقات المشبوهة التي تتسارع وتيرتها في مجتمعاتنا، مع تسارع وتيرة الحداثة». ومحصلة هذه المطابقات هيمنة فكر أيديولوجي ديني، بكل ما في البنية الأيديولوجية من عيون مثلنة الجماعة التي تعتنقها، وأبلسة خصومها. وفي وعي زائف، لا يقبل النقد أو التمحيص». ويضرب أحد الباحثين مثلاً نموذجياً، بفكر علي شريعتي بوصفه حسب زعمه الترجمان الصادق لهذه الأيديولوجية الدينية.

قطبان يتنازعان التاريخ

غدت تظاهرات الشيعة وطقوسهم البؤرة الإعلامية المفضلة التي ترتكز عليها وسائل الإعلام المرئية وغير المرئية. وكانت عيون العالم قبل عقود مضت، تفتحت على مشهديات بصرية مماثلة لشيعة ازدحمت بهم ساحات طهران الفسيحة وشوارعها.

ويؤكد المؤلف أن المتابعة الإعلامية هذه واكبت صبوات مهنية لصحافيين تساءلوا عن الأغراض السياسية لهؤلاء، واستراتيجيات استيلائهم على السلطة والحكم. وبقيت مناهجهم العقائدية وأدوارهم التاريخية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط في الظل، في حين «تعامل الفكر الاستشراقي مع الشيعة بوصفهم إسلاماً مختلفاً. إسلاماً باطنياً هرطوقياً، منحرفاً عن السوية الإسلامية، وحقائقها الثابتة والمتعارف عليها». وقد احتار الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشال فوكو عشية الثورة الإيرانية من انفجار هذه الظاهرة، فأطلق على السياسة الشيعية الإيرانية تسمية «السياسة الروحية»، وهي تسمية تحمل مفارقاتها وإلتباساتها.

في ضوء هذه الإشكاليات اندفع البعض للبحث عن هوية التشيّع وإزالة الغموض عن بنيته العقائدية.

وقد جاءت وقائع الثورة الخمينية، لتظهر فداحة القصور عن رؤية العامل التاريخي في بلورة الكثير من المفاهيم الشيعية، وقد رفض بعض المفكرين إدخال العامل التاريخي على الموضوع الديني لأنه ليس تاريخه ولا زمنه. «الظواهري كما في كتابه «في الإسلام الإيراني» هو من يترك الموضوع يقول بنفسه تاريخه الخاص وزمانه الخاص بوعيه لهذا الموضوع. وكأنما كتب على الشيعي أن لا يكتشف نفسه داخل التاريخ، وإنما عليه أن ينسحب منكفئاً على المعنى الداخلي الذي يعبّر عن نفسه فيه، من خلال هذه التأويلية الباطنية».

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق