إيديولوجيا الكائن المستهلك

 … يمكن فرز نوعين من الإيديولوجيا يقاومان إيديولوجيا الكائن المستهلك:

1ـ إيديولوجيا المَعنى، وتتلخص في الدين والفكر؛

2 ـ إيديولوجيا التطرف، وتتلخص في التقنية والمذاهب الدينية المتطرفة والأحزاب والجماعات المتطرفة.
 وفق نظرة تاريخية فاحصة للإيديولوجيات والأفكار التي أثرت في سيرورة التاريخ وفي الناس مباشرة (ل) “الفعل” (= الثورة على الأخلاق السائدة وعلى الأنظمة السياسية) أو الامتناع عنه، نجد أن هناك نوعين احتفظ بهما التاريخ: إيديولوجيا المعنى التي تستنبط أفكارها من إرادات الناس، إرادة القوة بالطبع سواء كانت فكرية وتحولت إلى فعل = براكسيس أو فعلية وكانت تسبقها دائما فكرة، وتوفرت لها شروط اقتصادية وسياسية وجغرافية، ولخصت في أفكار الأنبياء والفلاسفة. يحتفظ التاريخ بدور الفكر الديني في حمل الناس على القيام بأفعال، وساهم الفلاسفة كذلك في إقناع الناس بتغيير فكرهم وحثهم على الشك في ما لا يتطابق ومنطق العقل. ويمكن القول إن الفلسفة خصوصا في زمن سقراط قد أفشت سر ( الخطاب) وكيفما كان، و أخضعته لتقويم منطقي باسم ( اللوغوس)، وهي بذلك قد أشرت على ميلاد السفسطة (= الإيديولوجيا) إذ نجد على أن السفسطة تعتمد جميع أساليب الاقناع، نفس الأساليب نجدها في هذا العصر وقد اتخذتها “التقنية” أو بالأحرى، من أوجدوها. تنشأ إيديولوجيا التطرف غير بعيد عن إيديولوجيا المعنى، فإن كانت الأولى تنزع للوحدة و المساواة والخير الأسمى للبشرية، فالثانية تنزع للتشتيت والنبذ والإقصاء. إيديولوجيا الكائن المستهلك تحث الكائن على “الفعل” بذريعة الإخفاق الاقتصادي، والسير على النموذج الواحد الذي انخرطت داخله جميع الإرادات والقوى سواء كانت عالمة أو حاكمة أو محكومة. ولأن البنى الثقافية تؤثر بشكل مباشر في الناس، استطاعت “التقنية” أن توحد هذه الثقافة. بنفس الحدة التي تكونت بها هذه الثقافة في الأذهان في صورة إيديولوجيا المعنى ( = الحداثة ـ الديمقراطية) استطاعت فئات قليلة أن تقوم برد الفعل المباشر ضد هذه الثقافة الكليانية. ومبرراتها كثيرة: لم تجد نفسها فيها، ولم تجدها أبدا تُمثلها… خاصية الإيديولوجيا المعاصرة أنها اقصائية وفق مبدأ الغلبة للمتفوق، أي مبدأ الصراع والمنافسة. بوسائل “التقنية” ظهرت إيديولوجيا التطرف موازية وأحيانا منقحة وتفاضلية باسم مبدأ مختلف عن إيديولوجيا الكائن المستهلك. ونذكر على سبيل الذكر، الجماعات المتطرفة في أوربا التي تنشط باسم الجنس الآري والجماعات الاسلامية المتطرفة، التي تنظر إلى كونية أخرى بديلة سمتها الاسلام الشامل لجميع بقاع الأرض وباسم إسلام نشأت إيديولوجيا التطرف متى أصبحت تعتقد بأنه لم يعد يكفي التدين والنزوع إلى العزلة، وإنما أن هذه الحرية الدينية أصبحت مهددة تحت سلطة الإيديولوجيا المعاصرة التي ترجمت في التقنية وقدرتها على التشتيت وإمكان تحقق النسيان. المواجهة منافسة على سلطة الحقيقة، فإن تمثلت قوة الأولى في التقنية (= السلاح و العلم و الإعلام) وتهدف لتحقيق السعادة للجميع على الأرض، ومحملة بثقافة الاستهلاك وبقيم الفردانية والمنافسة، فالثانية تهدف لتحقيق السعادة الأخروية وتحضير الكائن للعالم الآخر. الغايتان من الإيديولوجيتين مطلوبتين عند الكائن،هنا مصدر الخلل في إيديولوجيا العصر(= إيديولوجيا التطرف) لأنهما معا يستندان على خطاب مستحيل. الكائن المعاصر مدعو لأن يتعايش وسط هاتين الإيديولوجيتين لا ثالث لهما. وما هو متوفر هو الوعي بهما، قبل كل فعل. الكائن المعاصر يعي هذا القلق الأنطولوجي الذي أصبح يُسهم في تشكيل حقيقته.


تتوسع الإيديولوجيا المقاومة لإيديولوجيا الكائن المستهلك بنفس الدرجة التي تتوسع بها رقعة التقنية، واكتمالها يفيد توسع مفعولاتها. فَحْصُها بدقة يؤكد على أنها “عدمية” وقد تلبست قناع إيديولوجيا المعنى؛ ولأن كل إيديولوجيا أصبحت تتخذ “التقنية” أداة لها للانتشار والكونية كقيم الفردانية و الرأسمالية، فإيديولوجيا التطرف تتخذ نفس السبل و تتوسع لتفقد أصلها وهويتها. ويصبح مسخ الإيديولوجيا “أصلا” يعيش في غير جغرافيته. بهذا تصبح إيديولوجيا التطرف حقيقة وتفرض نفسها على الناس بنفس الدرجة التي تُخضع بها إيديولوجيا الاستهلاك الكائن. حينما تصبح إيديولوجيا التطرف قوة ومسخ مفاهيمي تتوسع بسهولة كمفهوم الرأسمال (( تجاوز حدود أصل منشأه في ألمانيا ليتوسع في غير جغرافيته في أمريكا ..)). يتولد عن تشتيت“الأصول”(= إيديولوجيا المعنى = الدين) والذاكرة، إلى هجرة المفاهيم القديمة والالتحام بالمفاهيم الاستعمالاتية الجديدة التي تدعي دائما أنها بديل ينقذ من حالة الكائن بما هو كائن خاضع لقوى غريبة عنه وكذلك لأجل الاختلاف عن .. في عنف. لذلك كل إيديولوجيا تتوسع، تظهر كذلك في صورة عنف فيزيائي مضاد. اختراع شبكة التواصل الإنترنت أسعد الناس للحظة، وبعدها انقلب بسرعة إلى نقمة كالهاتف المحمول واستعمالاته المتعددة. تحول الشيء إلى نقيضه بسرعة وخاب ظن الانسان في وسائل التواصل، إذ ما إن اكتشفوا سرها حتى باتوا يمقتون أنفسهم وهم يستعملونها. إيديولوجيا الكائن المستهلك تحمل أضدادها فيها، من هنا تتخذ صفتها بأنها ملهاة إيديولوجية ومرحلية وتدعي الإجابة عن جميع الأسئلة وتدعي كذلك أنها تملك جميع الحلول. 


 الاكتمال الحتمي للميتافيزيقا في التقنية، أدى إلى تغيير دلالة الوجود بما هو “شيء عيني في اليد و تمثل مطلق له”. من خلال هذا التغيير الجذري، تتغير الهويات وتتبادل الإنيات التي صارت أقنعة استخداماتية تترجم ثقافة البطل الأسطوري الذي لا يقهر ( إليس .. ). كل شيء متماهي في عصر “التقنية” وليس هناك صوت أو إرادة تخرج عن هذا التطرف إلا إن كان تطرفا جديدا يطوي تحته سلطة التطرف القديم. لذلك فالإيديولوجيا حينما تتحكم في الكائن فإنها تختار وتصنف و ُفاضل بين القيم وتهدم الأخلاق القائمة وتعيد تأسيسها. إن ما استهدفه هايدغر بمفهوم “التقنية” هو أن إرادة الكائن في تحقيق السعادة كغاية من الوجود هو مجرد منتوج قوة، ولكل قوة ميتافيزيقا جديدة، مفعول السطح.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق