الحروب الإسلامية الجديدة… قديمة / محمود الزيباوي

خرج الإسلام من جزيرة العرب، وضمّ شعوباً عديدة شاركت في صناعة حضارته وتاريخه، وكان في مقدم هذه الشعوب، الفرس ثمّ الترك. على مدى قرون من الزمن، تلاقت أمم الإسلام الثلاث حيناً، وتقاتلت حيناً آخر وفق مجريات الحوادث، وهي اليوم تدخل في صراع جديد يذكّر في كثير من وجوهه بما حصل في الماضي البعيد والقريب.

بدأ تاريخ الإسلام في “العصر النبوي”، وفيه انطلقت الدعوة إلى الدين الجديد بين العرب، وانتشرت شيئًا فشيئًا حتى اعتنقها أغلب سكّان شبه الجزيرة العربية. بعد رحيل النبي، تولّى شؤون المسلمين أربعة من الصحابة عُرفوا بالخلفاء الراشدين. في عهدهم، بدأ التوسع الإسلامي خارج شبه الجزيرة العربية، وتواصل في العهد المعروف بـ“العصر الأموي”. أقامت الخلافة الأموية عاصمتها في دمشق، وامتدّت من حدود الهند وآسيا الوسطى عبر شمال أفريقيا إلى سواحل الأطلسي، وشملت شبه الجزيرة الإيبيرية التي أطلق عليها العرب اسم الأندلس. وُلدت الخلافة الأموية في العام 661، وانقرضت في العام 750، حين ثار بنو العباس بن عبد المطلب عمّ النبي محمد على الحكم، واستأثروا بالسلطة، وأقاموا عاصمتهم في بغداد. ورثت الدولة العباسية جميع الأراضي التي سيطرت عليها الدولة الأموية السابقة باستثناء الأندلس والمغرب، ولمعت خلال بضعة عقود تقدمت خلالها العلوم والآداب تقدمًا لم تعرفه العرب من قبل، وعُرف ذلك العصر باسم “العصر الذهبي للإسلام”.

في منتصف القرن التاسع، ضعفت سلطة الخلفاء المركزية في بغداد وبدأت بالتلاشي، فظهرت في أنحاء مختلفة من البلاد دول وإمارات وممالك تدين لبني العباس بالولاء من حيث المبدأ، منها الدولتان الطولونية والأخشيدية اللتان توالتا على مصر وجنوب الشام، والإمارتان الحمدانية والمرداسية اللتان توالتا على شمال الشام. في ظل هذه التحولات، نشأت الخلافة الفاطمية العام 909، وأقامت عاصمتها في المهدية، في تونس، ثم تمددت إلى مصر، وقضت على الدولة الأخشيدية، وأسست مدينة القاهرة، وجعلت منها عاصمة لها في العام 973، وتابعت توسعها، وسيطرت على الشام. في تلك الحقبة، لمع نجم السلاجقة، وهم في الأصل من زعماء قبائل الغزّ التركية في بلاد ما وراء النهر، وقد بسطوا سيطرتهم على بلاد فارس، وأقاموا فيها سلطنتهم في العام 1058، وجعلوا من أصفهان عاصمة لها. كانت الخلافة العباسية في بغداد على مذهب السنّة، وكانت الخلافة الفاطمية في القاهرة على مذهب الشيعة الإسماعيلية، وكان السلاجقة متمسكين بمذهب السنّة، وساندوا الخلافة العباسية، فاعترفت بحكمهم في أصفهان، وأولت السلطان السلجوقي كامل السلطة الزمنية على دولة الإسلام. في نهاية القرن الحادي عشر، تمدّد الحكم السلجوقي إلى الداخل السوري، وانتزع السلطة من الفاطميين، وجعل من حلب قاعدة لحكمه.

تفتتت الدولة السلجوقية سريعاً، وتحولت دولاً متصارعة. ثبّت تتش بن ألب أرسلان سلطته في حلب إلى أن خلفه ولداه من بعده، فحكم رضوان حلب، وتولى دقاق دمشق، وحدثت بين الأخوين حروب وصدامات عديدة. انتهى حكم السلاجقة على يد قادتهم الأتابكة الذين عملوا على تقويض دعائم أسيادهم وأنهوا سلطانهم في بلاد الشام. اقتسم الأمراء الأتابكة المملكة السلجوقية تدريجا، وشكلوا على أنقاضها دولاً أشهرها تلك التي أنشأها عماد الدين زنكي في الموصل 1127. بعد وفاة عماد الدين، حكم حلب ابنه الثاني نور الدين محمود، ووسع إمارته بشكل تدريجي، وأصبح ملك دمشق وموحد الشام، وسعى إلى ضمّ مصر، فأرسل حملات من دمشق، قادها أسد الدين شيركوه، وكان بصحبته ابن أخيه الشاب يوسف بن أيوب الشهير بصلاح الدين. في العام 1169، أطاح صلاح الدين آخر الخلفاء الفاطميين، وتملّك مكانه باسم صاحبه نور الدين، واحتل دمشق في العام 1174، ثم استولى على حلب في العام 1183، وتلقّب بعد ذلك بالسلطان.

جامع كلمة الإيمان
هكذا غرق العالم الإسلامي في سلسلة من الحروب والفتن المتواصلة في القرون الوسطى. طرد الخلفاء الفاطميون في مصر، الروم من بلاد الشام وسيطروا عليها، بعدها دخل السلاجقة العراق ثم أخرجوا الفاطميين من بلاد الشام، وواصلوا تمددهم إلى الأناضول، وانتصروا على الروم، واضطر أباطرة القسطنطينية إلى الاستنجاد بالغرب، فاستغلّت كنيسة روما هذا النداء، ودعت الملوك الفرنجة إلى تنظيم حملة عسكرية لنجدة ملوك الروم و“تحرير” الأراضي المقدسة. لبّى ملوك الفرنجة النداء، ووجدوا أمامهم عدوّا منقسما على ذاته، فسيطروا بسهولة على أنطاكيا والرها، ثم دخلوا ساحل بلاد الشام، وأنشأوا تباعاً كونتية الرها وإمارة الرها ومملكة أورشليم وكونتية طرابلس. في ذلك الزمان، أسس صلاح الدين يوسف بن أيوب السلطنة الأيوبية في العام 1183، وجعل من القاهرة عاصمة لها، وتعاظم شأنه عندما خاض المعارك المتتالية ضد الفرنجة في بلاد الشام.

وُلد الناصر لدين الله أبو المظفر يوسف بن أيوب في تكريت، وكان والده أيوب بن شاذي واليا عليها، وهو من أسرة كردية، لكن هذه الأسرة لم تكن “قومية” بالمفهوم الحالي، والدليل على ذلك أسماء أعضائها، فمنها العربية، ومنها الفارسية، ومنها التركية. جسّد هذا الاختيار واقع العالم الإسلامي المؤلف بشكل أساسي من ثلاثة شعوب: العرب والعجم والترك. حمل صلاح الدين اسما عربيا. وكذلك أخوه أبو بكر أحمد. وكان له أخوان يحملان اسمين فارسيين: شاهنشاه وتورانشاه، وأخوان آخران يحملان اسمين تركيين: طغتكين وبوري. نشأ يوسف بن أيوب في عهد نور الدين زنكي، وعُيّن وزيرا في القاهرة الفاطمية، وعند موت حاكمها العاضد، أمر العلماء بالمناداة باسم الخليفة العباسي المستضيء والدعاء له في الخطبة، وكان هذا الدعاء إعلانا بنهاية الخلافة الفاطمية.

إثر موت نور الدين، استقل صلاح الدين واتخذ لقب “سلطان”، مؤسسا بذلك حكم الأسرة الأيوبية. من مصر، سار إلى دمشق، واقترن بأرملة نور الدين، ثم بسط سلطته شمالاً، وصولا إلى الموصل، وجنوبا، وصولا إلى الحجاز، مرجئا المواجهة مع الفرنجة حتى توحيد الجبهة الإسلامية. شكلت الحرب مع الصليبيين المرحلة الثانية في مسيرة صلاح الدين، وانتهت بسقوط أغلب حصون “مملكة أورشليم” ومدنها بعد هزيمة الفرنجة في حطّين العام 1187. تراجع السلطان عن مهاجمة صور التي شكلت معقلاً للفرنجة، واضطر إلى توقيع “معاهدة الرملة” بعد انتصار الصليبيين في عكا، الذي شكل حاجزا أمام تقدمه السريع. توفى في العام 1193، ودُفن إلى جوار نور الدين زنكي بالقرب من الجامع الأموي في دمشق. بعد وفاته، تشاجر أبناؤه وخلفاؤه في ما بينهم، فتمكن شقيقه سيف الدين احمد بن أيوب في العام 1200 من خلافته كسلطان في القاهرة حيث استمرت السلطنة في ذريته حتى العام 1250.

مثّل قضاء صلاح الدين على الفاطميين في الذاكرة الإسلامية انتصارا لحقّ الخلافة العباسية على سلطة خلافة “الرافضة” من الشيعة الإسماعيلية. وانتصر دين الحق مرة أخرى بانتصار صلاح الدين على الفرنجة، وبات السلطان، كما وصفه بهاء الدين بن شداد، “الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، وقامع عبدة الصلبان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، منقذ بيت المقدس من أيدي المشركين، خادم الحرمين الشريفين”. غرق خلفاء صلاح الدين في الحروب الداخلية، وقضى المماليك على دولتهم في عام 1250، وكان أول المماليك الذين استولوا على السلطة في مصر، من الرقيق الأتراك الذين اشتراهم آخر السلاطين الأيوبيين ودرّبهم كجنود ليشكلوا الكتيبة الممتازة في جيشه. في تلك الحقبة من التاريخ، أسس المغول دولة في بلاد فارس، وانطلقوا منها إلى بغداد، ودخلوها في 1258، وأطاحوا الخلافة العباسية، ثم تابعوا طريقهم إلى الشام، فواجههم المماليك، وانتصروا عليهم. أعاد المماليك الأتراك تأسيس الخلافة العباسية في القاهرة بسلطات اسمية، وخلفهم المماليك الشركس الذين استمروا في الحكم حتى الفتح العثماني في القرن السادس عشر.

بين العثمانيين والصفويين

كانت الدولة العثمانية في بداياتها، إمارة تركية في غرب الأناضول، توسعت سريعا في البلقان والأناضول، ثم امتدّت إلى الشام في العام 1516. بعدها، بلغ بنو عثمان القاهرة، وقضوا على سلطنة المماليك، وحملوا معهم من هناك إلى اسطنبول رموز الإمامة الإسلامية التي كان يحتفظ بها الخلفاء العباسيون في القاهرة، وأعظمها شأنا البردة النبوية، وبذلك أصبحوا الخلفاء الشرعيين على جميع المسلمين في العالم. بالتزامن مع هذا التطوّر الكبير، بدأ صعود الأسرة الصفوية في إيران. تنتسب هذه الأسرة إلى الشيخ صفي الدين الحلي الذي جاء من الحلة في العراق إلى أردبيل، شمال غرب إيران، وفيها أنشأ طريقته الصوفية التي تحولت إلى حركة سياسية وجدت الكثير من الأتباع. اعتنقت هذه الحركة المذهب الشيعي فى القرن الخامس عشر، وسيطرت على بعض المناطق الإيرانية بعدما كوّنت وحدات من العسكر عُرفت باسم الـ“كزلباشي”، أي الرؤوس الحمراء، نسبة إلى العمامة الحمراء التي يعتمرها رجال هذه الوحدات، وهي مكوّنة من اثنتي عشرة لفة ترمز إلى الأئمة الإثني عشر. أقرّ الشاه إسماعيل الأول هذا المذهب ديناً رسمياً لدولته في مطلع القرن السادس عشر، وبه باتت إيران “شيعية” على هذا المذهب. حكم إسماعيل الأول حتى العام 1524، وخلفه على العرش طهماسب حين كان في العاشرة من عمره، واستمر في الحكم حتى العام 1576.

في ذلك العهد، تأجّج الصراع بين العثمانيين والصفويين، واضطر الشاه إلى نقل العاصمة إلى قزوين. بعد طهماسب، انتقلت السلطة إلى إسماعيل الثاني الذي حاول العودة إلى المذهب السنّي، مما أدى إلى مصرعه على يد جنده. استمر الصراع بين العثمانيين والصفويين في عهد الشاه محمد خوذ بنده، وتواصل النزاع الداخلي في إيران بين التركمان والإيرانيين. في أوائل القرن السابع عشر، عرفت الدولة الاستقرار في عهد عباس بن طهماسب بن إسماعيل بن حيدر الصفوي، وهو عباس الأول، ولقبه عباس الكبير، أو عباس الأكبر. تولّى السلطة في العام 1571، وبدأ عهده بسلسلة من الحروب، فبسط سلطته على كامل الساحل الشرقي من جزيرة العرب، ثم ضمّ أذربيجان وأرمينيا، واستعاد تبريز، وعقد معاهدة صلح مع العثمانيين ليتفرّغ لمحاربة الأوزبكيين شرقاً، فطردهم من خراسان، وهزمهم قرب هرات في العام 1597، وجعل من أصفهان عاصمة لبلاد فارس. نجح الشاه الأكبر في ترتيب شؤون الدولة، فقام بإصلاحات شاملة في الجيش، ونجح في منح رعيته الاستقرار والأمن الداخلي حتى وفاته في العام 1629.

أقام الصفويون دولة تابعة لهم في العراق في العام 1502، استمرت حتى العام 1535. قامت الدولة الصفوية الثانية في العراق في 1620، وانقرضت في 1638 مع إحكام العثمانيين سيطرتهم على البلاد. تحولت بلاد الرافدين خلال تلك العقود إلى ساحة حرب مفتوحة تقاتلت فيها الأمبراطورية التركية السنّية والأمبراطورية الفارسية الشيعية بضراوة، ودفع العراق غالياً ثمن هذا التقاتل الشرس. عاد الفرس وأقاموا دولة صغرى في البصرة العام 1768، وهي الدولة الزندية التي اندثرت سريعاً بعد ثلاث سنوات. سيطر العثمانيون على البلاد حتى بدايات القرن العشرين، ورحلوا عنها مع بزوغ ما يُعرف بـ“الثورة العربية الكبرى”. في العام 1918 هُزمت الدولة العثمانية أمام الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وفقدت أراضيها العربية. ألغت الجمهورية التركية نظام الخلافة العثمانية رسميا في العام 1924، ومع هذا الإعلان، دخل العالم الإسلامي بأقاليمه المتعددة في عصر جديد.

أمم الإسلام

بدأ الإسلام عربيا في شبه الجزيرة، وبات في القرون الوسطى عالما متعدد القطب يتكوّن بشكل أساسي من ثلاث أمم، العرب والعجم والترك، وتعبّر أسماء اخوة صلاح الدين الأيوبي عن هذا الواقع بشكل لا لبس فيه. جمع الفتح الإسلامي بين العرب والفرس، وشكّل تحوّلا جذريا في تاريخ الأمتين. انتقل العرب من طور البداوة، وتبنّوا بسرعة تقاليد الفرس وطرقهم في التدوين والحكم. أشار ابن خلدون إلى هذا التحول الجذري، وقال في مقدمته الشهيرة: “ثم إن الملة الإسلامية لما اتسع ملكها واندرجت الأمم في طيّها ودرست علوم الأولين بنبوتها وكتابها، وكانت أمية النزعة والشعار، فأخذ الملك والعزة وسخرية الأمم لهم بالحضارة والتهذيب وصيّروا علومهم الشرعية صناعة، بعد أن كانت نقلاً، فحدثت فيهم الملكات، وكثرت الدواوين والتآليف، وتشوّفوا إلى علوم الأمم، فنقلوها بالترجمة إلى علومهم وأفرغوها في قالب أنظارهم، وجردوها من تلك اللغات الأعجمية إلى لسانهم وأربوا فيها على مداركهم، وبقيت تلك الدفاتر التي بلغتهم الأعجمية نسياً منسياً وطللاً مهجوراً وهباء منثوراً. وأصبحت العلوم كلها بلغة العرب، ودواوينها المسطرة بخطهم، واحتاج القائمون بالعلوم إلى معرفة الدلالات اللفظية والخطية في لسانهم دون ما سواه من الألسن، لدروسها وذهاب العناية بها”.

تحولت المثاقفة المتبادلة في كنف الإسلام إلى انصهار متكامل، وبات من الصعب الفصل بين ما هو عربي وعجمي في كثير من الأحيان. تداخلت العربية بالفارسية وصارت اللغتان لسانين لحضارة واحدة مشتركة. مع ازدهار حركة الترجمة التي رعاها كبار الخلفاء العباسيين، برزت كوكبة من “النقلة من الفارسى إلى العربي” ذكر ابن النديم في “الفهرست” أبرز أسمائها، منها: ابن المقفع، آل نوبخت، علي بن زياد التميمي، الحسن بن سهل، احمد بن يحيى بن جابر البلاذري، جبلة بن سالم، اسحق بن يزيد، محمد بن الجهم البرمكي، هشام بن القاسم، موسى بن عيسى الكروي، زادويه بن شاهويه الاصفهاني، محمد بن بهرام بن مطيار الاصفهاني، بهرام بن مردان شاه، وعمر بن الفرخان. شتهرت جنديسابور بأطبائها الذين نقلوا مؤلفات اليونان في الطب إلى السريانية، ومنها إلى العربية، وأشهر هؤلاء الأطباء أسرة بختيشوع الذين عاشوا في ظل الخلفاء العباسيين الأوائل. من طوس، خرجت كوكبة من كبار أئمة أهل العلم والفقه، وأشهرهم أبو حامد محمد بن الغزَّالي الطوسي، واخوه أبو الفتوح. ومن أصفهان، الشهيرة بـ“نصف العالم”، “خرج من العلماء والأئمة في كل فن ما يخرج من مدينة من المدن، وعلى الخصوص علو الإسناد، فإن أعمار أهلها تطول، ولهم مع ذلك عناية وافرة بسماع الحديث، وبها من الحفاظ خلق لا يحصر”، كما كتب ياقوت الحموي في “معجم البلدان”.

حضن كبار الخلفاء حركة الفكر والترجمة، وأقاموا المجالس في رعاية كبار وزرائهم، ومنهم الوزير الفارسي يحيى بن خالد البرمكي، والوزير أبو نصر سابور بن أردشير. في كنف الخلافة العباسية، تميّز بعض كبار المفكرين الفرس بعلمهم وعقلانيتهم، وقد أشار الجاحظ إلى هذه الخصوصية في “البيان والتبيين”، وقال في وصفها: “كل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة. وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام”. في هذا الميدان، لمع عبد الله بن المقفع، وأبو حيان التوحيدي، وأبو علي بن سينا، وابن الراوندي، ومحمد بن زكريا الرازي. شارك الفرس في بناء الحضارة العباسية، وشاركوا كذلك في الحكم، وتجلّى ذلك في زمن حكم بني بويه الذين خرجوا من بلاد الديلم وحكموا غرب ايران والعراق انطلاقا من مركز الخلافة في بغداد، من منتصف القرن العاشر إلى منتصف القرن الحادي عشر.

مثل الفرس، دخل الترك الإسلام في مرحلة مبكرة، ولعبوا دورا اساسيا في الحكم. في “البلدان”، يخبرنا اليعقوبي أن المعتصم اشترى الكثير من الأتراك قبل مبايعته بالخلافة في العام 833، واستمر في شراء الرقيق والإلحاح بطلبهم بعدما أفضت إليه الخلافة، “وكان أولئك الأتراك العجم إذا ركبوا الدواب ركضوا فيصدمون الناس يميناً وشمالاً، فيثب عليهم الغوغاء، فيقتلون بعضاً، ويضربون بعضاً، وتذهب دماؤهم هدراً، لا يعدون على من فعل ذلك. فثقل ذلك على المعتصم، وعزم على الخروج من بغداد”. قويت شوكة هؤلاء الأتراك بسرعة، وانتقلت السلطة إليهم بشكل تدريجي، وذلك قبل سقوط الخلافة في العام 1258 على يد المغول. في الرؤية القومية للتاريخ العربي التي رُوّج لها في مطلع القرن العشرين، سعى القوميون العرب إلى فصل التاريخ العربي عن التاريخ الإسلامي في إحدى مراحله، وجعلوا من تاريخ سقوط الخلافة العباسية في بغداد عنوانا لهذا الفصل، وذهبوا أبعد من ذلك، فأطلقوا على المراحل التي تلت هذا السقوط اسم “عصر الانحطاط”، وضمّ هذا العصر العهد المملوكي والعهد العثماني. في المقابل، استأثر القوميون الفرس بـصناعة “العصر الذهبي للإسلام”، واستأثر القوميون الأتراك بمهمة الدفاع عن الإسلام في العصور التي تلت هذا العصر.

بين بكر وتغلب

بعد مرور أكثر من قرن، يبدو العرب خارج اللعبة غارقين في نزاعاتهم العشائرية المستديمة. قديما، فرّقت هذه النزاعات بين بكر وتغلب، وبين عبس وذبيان، فكانت حرب البسوس وحرب داحس والغبراء، استغلّ الروم والفرس هذه النزاعات لصالحهم، كما استغلها في القرون الوسطى الترك والفرس. ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه اليوم من جديد. في الأمس القريب، قال علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، إن “إيران اليوم أصبحت امبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي”، وأضاف: “جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا إما أن نقاتل معا وإما نتحد”. من جهة أخرى هاجم مستشار الرئيس الإيراني تركيا ضمنيا، وقال: “إن منافسينا التاريخيين من ورثة الروم الشرقية والعثمانيين مستاؤون من دعمنا للعراق”. في موقف مشابه، رأى حيدر مصلحي، وزير الاستخبارات الإيراني السابق في حكومة محمود أحمدي نجاد، أن “إيران تسيطر فعلاً على أربع عواصم عربية كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو”.

في الجانب الآخر، رأى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تركيا هي المستهدفة من الحوادث الدائرة في سوريا، وأكّد أن انتقاد الغرب للمسلمين موجَّه في الأصل إلى الأتراك، وقال: “إن الحوادث المؤسفة التي تشهدها منطقتنا، تضع المسلمين دوماً في قفص الاتهام، وإظهارهم على أنهم سبب الإرهاب ومصدره. إيّاكم أن تظنوا أن المسلمين بالنسبة للغرب، هم أولئك البدو المساكين، الذين يعملون على رعي أنعامهم في صحارى أفريقيا، أبداً. لا، فالمسلمون بالنسبة للغرب، هم نحن في المقام الأول، وهذا البلد وهذه الأرض التي نعيش عليها، لذلك، فإننا موضوعون كهدف أول، في كل حركة تشنّ ضد المسلمين حول العالم”.

عن ملحق النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق