الثقافة الحوثية اليوم: الحياة في اليمن خطأ يجب تصحيحه بالموت / حسين الوادعي في الحرب

الحرب هي الجريمة عندما تنتقل الجريمة من مستوی الأفراد الی مستوى المجتمعات والدول. وفي حين تجرّم القوانين الجرائم الفردية، تجعل الجريمة الجماعية بطولة! لا توجد حروب محددة الأهداف، لأن الحرب ما إن تبدأ حتی يكون لها منطقها الخاص وتطورها الذاتي. يحدّد المحاربون موعد بداية الحرب فقط، ثمّ تقودهم الحرب بعد ذلك في طريقها المجهول. لا توجد حرب عادلة، لأن الحروب صناعة الأقوياء، والأقوياء لا يبحثون عن العدالة. في زمن الحرب نصحو صباحاً لنعدّ أصابعنا وأعضاءنا، لنتأكد أنها لا تزال كاملة. نتصل بأحبّتنا لنتأكد أنهم لم ينقصوا واحداً في قصف الليل. في زمن الحرب نضحك أكثر مما كنا نضحك في زمن السلم. نقسم بعيون مَن نحبّ أن تكون هذه آخر الحروب. في زمن الحرب نتعافی بسهولة من خيبات الحب. نتخلی عن خططنا للانتحار. ونحسّ أكثر من أيّ وقت مضی كم هي الحياة جميلة.

* * *

الفاشية والطائفية كحرب أهلية دائمة

الفاشية هي كل إيديولوجيا أو حركة سياسية، دينية، قومية، إثنية، تقوم على التسلط وعسكرة المجتمع وتمجيد الحروب وتقديس زعيم معصوم وملهم. ظهرت الفاشية في أوروبا عقب الحرب العالمية الأولى كثمرة لأزمات النظام الرأسمالي الليبيرالي الذي حاول التعبير عن تناقضاته بالتحول الى الاستبداد في الداخل وتمجيد الحروب ضد الخارج. كما ظهرت الفاشية الستالينية كثمرة لتناقضات داخلية في الماركسية التي قررت الاجابة عنها بالمزيد من القمع والارهاب في الداخل وبسلسلة من الحروب في الخارج. أما الفاشية الدينية فظهرت حصريا في العالم الإسلامي في السنوات العشرين الأخيرة من القرن العشرين، كنتجية للإجابات الخاطئة التي قدّمها الضمير الاسلامي لتحديات العصر.

الفاشية الدينية الأولى، تحققت في إيران العام 1979، كثورة مضادة لطموح الإيرانيين إلى مجتمع الحرية والمساواة والتغيير. منذ ذلك الحين توحدت الفاشية مع الطائفية. لا غرابة في توحّد الفاشية مع الطائفية في العالم الإسلامي، لأن كلتيهما حرب أهلية مستمرة وعسكرة للمجتمع وتدمير للتنوع والنسيج الاجتماعي. لم يختلف الوضع كثيراً في اليمن إلا في تفصيل بسيط: الفاشية الطائفية اليمنية (الحوثي- صالح) تعتمد على إذكاء الحروب ضد الداخل والخارج معاً. تتحول جميع الوظائف الإنتاجية والخلّاقة للمجتمع، وظائف تدميرية، تحت سيطرة تحالفها اللدود. لا تصبح الحرب حالاً طارئة فقط، بل تصبح جوهر الحياة. يجري احتقار السلام وتمجيد منافع الحروب دينيا وقوميا وعسكريا. فالحرب هي العزّة والكرامة والجهاد والقوة، والسلم هو الخنوع والخضوع والذلة. وحين تصبح الحرب قانونا أساسيا للكون، يصبح الموت القانون الأساسي للحياة! بل تصبح الحياة خطأ يجب تصحيحه بالموت. تصبح قمة العار أن تظل حياً، بينما الآخرون يموتون!

الحرب عند التحالف الفاشي الطائفي ليست وسيلة فقط، بل غاية واحتفال دائم. عيد دموي يوحد المجتمع الفاشي ويجدد طاقاته. حرب الخارج تؤدي الى المزيد من حروب الداخل. لا يستطيع تحالف صالح – الحوثي الرد على صفعات “عاصفة الحزم” في الجو، فيردّ عليها في البر بالمزيد من المجازر والحروب ضد اليمنيين، في مأرب وعدن والضالع ولحج وأبين. وكلما دمرت الطلعات الجوية للتحالف الخليجي المزيد من القدرات العسكرية لصالح والحوثيين، يردّ الأخيرون بمزيد من الحرب والقتلى على الأرض اليمنية، وخصوصاً في الجنوب.

تحالف الحرب الدائمة (صالح- الحوثي) يهرب الى الأمام في محاولة لحسم المعركة على الأرض، مهما كان عدد الضحايا، ومهما تفاقمت الثارات والأحقاد. إنه مستعد حتى لحرق عدن، حيّاً حيّاً، من أجل كسب موطئ قدم تفاوضي في مرحلة ما بعد انقشاع الدخان.

في الناحية المقابلة، ستصل الخطة العسكرية لـ“عاصفة الحزم” الى المأزق المتوقع منذ البداية: الأهداف التي وضعتها ليست كافية لحسم المعركة على الأرض. تالياً، هنالك حاجة الى إضافة أهداف جديدة.

الحصار الشامل ضد اليمن، براً وبحراً جواً، لا يمنع فقط دخول الأسلحة للحوثيين، بل يعرقل دخول المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية والأدوية ومستلزمات الحياة. الحرب تقود الطرفين، الداخلي والخارجي، في منطقها القبيح وتطورها الذاتي الذي لا يمكن مقاومته: مزيد من التدمير ومزيد من المعاناة للمدنيين والدخول في دوامة عنف لا نهاية لها.

الحرب طويلة ومفتوحة، وستعتمد على صاحب النفس الأطول في النزال. الغريب عدم ظهور أيّ مبادرات سياسية للجم الحرب، على الرغم من أن الهدف المعلن لـ“عاصفة الحزم” كان إعادة الأطراف السياسيين الى طاولة المفاوضات!

* * *

السيناريو المدمّر

أثبت الحوثيون قدرة على إعادة بناء المواقع العسكرية التي تم قصفها، بأسلحة أقل، لكن بفاعلية كبيرة. أما الحصار البري والبحري، حتى ولو استمر لسنوات، فلن ينجح في منع الحوثيين من إعادة بناء قوتهم. هذا ما فعله “حزب الله” في لبنان، على الرغم من الحرب الاسرائيلية والحصار الدولي على تزويده السلاح. اما اذا كان هدف “عاصفة الحزم” تهميش النفوذ الايراني في اليمن واعادة الإستقرار الى الجار الجنوبي، فلا يبدو أنها نجحت في ذلك. هذا المأزق ستضطر إلى مواجهته لوقت طويل وبتكلفة عالية، في الآتي من الأيام. التدخل العسكري الحالي قد يجعل اليمن في وضع أكثر خطراً على اليمنيين وعلى السعودية مما كان عليه قبل “العاصفة”. قد تنقسم اليمن بين النفوذ الإيراني ونفوذ “القاعدة” و“داعش”، في تحدٍّ مزدوج وخطير. على سبيل المثل: استولى الحوثيون على مديرية حريب في مأرب‬، وهي واحدة من أكبر مديريات المحافظة. كما أصبح لهم وجود عسكري في جزيرة ميمون التي تتوسط باب المندب، مما يعني أنه أصبح لهم وجود مسلح قريب جدا من المنفذ المهم دولياً. بعد سيطرتهم على عدن، تقدم لهم الحوادث في المكلا‬ ذريعة جديدة للتدخل والسيطرة على البوابة الشرقية لليمن. في الميدان الداخلي يصبح تحالف الحوثي – صالح أقوى مما كان قبل بدء ضربات طائرات التحالف. أضف الى ذلك أن المكلا سقطت بأكملها في يد “القاعدة” في وقت تتحول فيه “القاعدة” اليمنية نحو أساليب “داعش” في قطع الرؤوس وتفجير المساجد وإطلاق عنف وحشي لا يوفر صغيراً ولا كبيراً. وبعدما أصبح “داعش” على الحدود الشمالية للمملكة من ناحية العراق، قد تفاجأ المملكة بأن “داعش” صار يحاصرها من حدودها الجنوبية أيضاً. السيناريو الأخطر أن تكتفي السعودية بإبعاد خطر الصواريخ والطائرات عن أراضيها وتحويل اليمن ساحة لصراع طائفي دموي على هيئة عراق آخر في الجنوب.

لنتذكر أن تجربة التدخلات العسكرية في العراق وسوريا وليبيا أدت الى نتيجة واحدة: استدعاء “داعش”. في اليمن يساعد التمدد الطائفي والعسكري للحوثيين وإسقاط مؤسسات الدولة، في تسهيل صحوة الوحش الإرهابي النائم وإطلاقه ضد الجميع.

* * *

هادي في عدن

سقوط عدن والصراع المفتوح بين الإحتلال الداخلي والعدوان الخارجي، هما رسالة إلى الجميع أن المعركة لم تبدأ بعد! تم الاستلاء على عدن تحت حجة “محاربة القاعدة والدواعش”، في يوم انطلاق “القاعدة والدواعش” في حضرموت، كعذر جديد لإيصال معارك التحالف الحوثي- “العفاشي” (للنهب) الى الطرف الشرقي لليمن بحدوده البرية الأوسع مع السعودية! الاستيلاء على عدن ليس معركة رمزية بل ورقة تفاوضية محورية في الصراع العسكري الذي سيعود الى السياسة ولو بعد حين. “احتلال” عدن يعني أن كل المليارات التي أنفقتها “عاصفة الحزم” على الطلعات الجوية قد طارت هباء.

أمضى الرئيس هادي أكثر من شهر في عدن من دون أن يقوم بأي اجراء لتسليح المدينة وتحصينها وحمايتها. بل رفض تسليح أي مجموعات خارج دائرته القبلية الضيقة في ابين. اضطر شباب المقاومة في عدن الى اقتحام المخازن في جبل حديد لتسليح انفسهم، فقتل العشرات منهم في اطلاق نار بأوامر من هادي. لم يصمد هادي للمقاومة بعدما جر الويلات على عدن بإعلانها عاصمة موقتة. هرب مع أعوانه ووزير خارجيته ليحاولوا اختطاف المقاومة الباسلة لأهالي الجنوب بتصنيفها اعلاميا كمقاومة من أجل “شرعية هادي”.

نقطة ضعف السعودية أنها خططت لحرب سريعة وخاطفة، بينما نقطة قوة صالح والحوثي أنهما يخططان لحرب طويلة حتى آخر مقاتل. يعرف الحوثيون وصالح انهما لا يستطيعان المواجهة المباشرة لـ“عاصفة الحزم”، لذا يركزان جهودهما على مواصلة “الاحتلال الداخلي” للمدن والمحافظات مهما ادى ذلك الى قتل المزيد من اليمنيين واثارة الاحقاد والثارات والشروخ الطائفية والمناطقية. اما “عاصفة الحزم” فلن يكون امامها الا التحول الى حصار جوي وبحري شبه دائم على الغذاء والدواء والكساء واغلاق كامل لأي منفذ لليمنيين على العالم الخارجي، في سيناريو شبيه بما تفعله اسرائيل مع قطاع غزة منذ عقود. هذا سيؤدي الى تحول خطير في مسار “عاصفة الحزم” يضعها في موقف محرج امام المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الدولية المهتمة بالوضع الانساني المتدهور في اليمن. كما انه يضع التحالف في وضع صعب قد يذهب بالسعودية بعيداً جداً بتوريطها في حرب برية طويلة ليس داخل اليمن فقط ولكن داخل حدودها البرية ايضا. هذا السيناريو غير المتوقع يدفع المواجهات اكثر نحو التدخل البري المباشر، سواء عبر ميليشيات يمنية ممولة من السعودية او عبر تدخل مباشر سعودي- مصري- باكستاني.

انتهت الجولة الأولى من الحرب بفوز تحالف الحوثي- صالح على تحالف “عاصفة الحزم” بفارق النقاط وفارق جثث القتلى من اليمنيين الأبرياء. هذا يدل على أن السعودية فشلت مجدداً في استخدام القوة الخشنة في اليمن بعد فشلها المزمن في استخدام القوة الناعمة لضمان استقرار جارها الجنوبي وحياده. هكذا سيظل اليمنيون محاصرين تحت القصف الداخلي والخارجي في انتظار ما تسفر عنه الجولة الثانية.

* * *

لبنان – اليمن

عندما ضربت اسرائيل لبنان في العام 2006 كانت الجبهة الداخلية لمقاومة العدوان مخلخلة بسبب تصدر الميليشيا الطائفية (حزب الله) المشهد. هذا قريب جدا من الوضع الذي نجد أنفسنا فيه كيمنيين بعد “عاصفة الحزم”. كان العدوان الاسرائيلي رد فعل على تصرف فردي لـ“حزب الله” الذي كان ولا يزال يمارس نوعاً عنيفاً من “العدوان على الداخل” عبر استخدام القوة والتهديد لفرض أجندته السياسية ضد الطوائف الأخرى. وكان السؤال الصعب: ما الموقف الذي يجب أن يتخذه اللبنانيون؟ هل يقفون مع “حزب الله” مغامرين بدعم ميليشيا طائفية تسعى إلى “الاحتلال الداخلي” للبنان لصالح الطائفة الشيعية ولصالح إيران؟ أم يؤيدون العدوان الاسرائيلي الذي سيخلصهم من حال العدوان الداخلي المستمر لميليشيا “حزب الله”؟ أم يقفون على الحياد بين الاعتداءين الداخلي والخارجي؟

هذا ما يحدث في اليمن التي يحاول الطائفيون فيها إشعال الحروب في الداخل وتصدر المقاومة ضد الخارج في الوقت نفسه!

كما حدث في لبنان 2006 انقسم اليمنيون ولم يعرفوا ما الموقف الصحيح الذي يجب اتخاذه: هل يقفون مع الحوثي – صالح مجازفين بدعم الميليشيا الطائفية التي تشنّ عليهم حروبها الداخلية في مأرب والبيضاء وعدن ولحج وكل مكان؟ أم يؤيدون “عاصفة الحزم” لعلها تساعدهم في التخلص من هذا التحالف الحربي الطائفي؟ أم يقفون في الوسط محاولين قدر الامكان تجنب الحرب التي تقتلهم من الطرفين؟

عندما يتصدر الطائفيون المقاومة تتفتت الجبهة الداخلية بين عدوان الداخل وعدوان الخارج. المقاومة الطائفية في لبنان لم تحرر فلسطين لكنها احتلت لبنان. لأن الطائفيين لا يقاتلون من أجل “تحرير الوطن” وإنما من أجل احتلاله من الداخل!

في العام 2006 دمرت المقاومة الطائفية لبنان من أجل إطلاق أسرى “حزب الله” وتخفيف الضغط على إيران في الملف النووي. وفي 2015 يدمر التحالف الطائفي، الحوثي- صالح، اليمن من أجل الطائفة ومن أجل إيران.

المقاومة الوطنية دفاع عن الحياة والحرية، أما المقاومة الطائفية فهي دفاع عن خيارات الموت المتاحة. هذا هو الوضع المعقد الذي نعيشه لفترة قد تكون طويلة.

هناك فرق بين أن تقول: “كلنا يمنيون في مواجهة العدوان”، وأن تقول: “كلنا حوثيون في مواجهة العدوان”. عندما ترفض العدوان كـ“يمني”، ترفض أيضاً عدوان التحالف الحوثي – العفاشي علی أهلنا في عدن ولحج والضالع والبيضاء ومأرب، مثلما ترفض العدوان الخليجي علی الأراضي اليمنية.

عندما ترفض الحروب كـ“يمني”، ترفض الحرب من ناحية المبدأ وتسعی لإنهاء منطق الحرب كوسيلة للعمل السياسي. لكن عندما ترفض التدخل الخليجي كـ“حوثي عفاشي”، فأنت فقط ترفضه لأنه أعاقك موقتاً عن حروبك الداخلية وبدأ ينافسك علی حصد أرواح اليمنيين. العقل الطائفي لا يری الا طائفته. أما كل ما هو خارج الطائفة فغير موجود. لا يزال تحالف الحرب الدائمة (الحوثي- صالح) يرفض وقف الحرب الداخلية في البيضاء ومأرب والجنوب كي تدكّ غارات التحالف المدن اليمنية. لا يزال يرفض وقف الحروب الداخلية ضد أبناء بلده، حتی وهو يدعو الجميع للتوحد “معه” لمواجهة العدوان الخارجي!

عندما حدد زعيم الحوثيين “جبهات” الرد علی العدوان لم يكن يفكر كـ“يمني” بل كـ“طائفي”. تحدث، علی سبيل المثل، عن اهمية الجبهة الاعلامية في الوقت الذي أغلقت ميليشياته القنوات والمواقع الإعلامية المؤثرة. فـ“الصحافيون الأحرار” الذين تحدث عنهم الزعيم الطائفي هم “صحافيو الطائفية” وليسوا صحافيي اليمن. وعندما تحدث عن الجبهة الأمنية، حدد اجراءات لمواجهة “المجرمين في الداخل”. هذا يعني المزيد من المعارك والاختطافات والانتهاكات ضد اليمنيين. ولم ينس في هذه الظروف القاسية ان يطلب فرض جبايات علی التجار والمواطنين تحت حجة دعم المجهود الحربي.

لاحظتُ بكثير من الاستغراب ان كل الجبهات التي حددها الزعيم الطائفي للرد علی العدوان “الخارجي” هي جبهات “داخلية”! وان كل الاجراءات التي حددها للرد علی العدوان الخارجي هي إجراءات ضد اليمنيين وليس ضد السعودية أو مصر أو الخليج. هذا هو العقل الطائفي عندما يفكر. لا يری الا طائفته في مواجهة “الآخرين”. ومهما ارتكب الطائفي من جرائم في حق المواطنين فإنه لا يستطيع رؤية هذه الجرائم لأن لا شيء خارج الطائفة.

* * *

تأملات عبر الدخان

تقود الحروب الی مفاجآت غبر متوقعة: الحرب الأممية ضد ليبيا والعراق وفي سوريا أدت الی صعود “داعش”. تحرير أفغانستان أدی الی جحيم “طالبان”. لا شيء يضمن أن لا تؤدي تداعيات “عاصفة الحزم” الی صعود “القاعدة” أو “داعش” علی أنقاض الخراب.

في عدن اليوم، انتشار سلفي كبير يحشد الناس لمواجهة الحوثيين تحت شعار “جهاد الروافض”. كما نشطت “القاعدة” في حوطة لحج وبدأت حفلات الذبح ضد الجنود.

أينما مرت الة الحرب الدائمة والمستمرة تنهض الطائفية من تحت الركام وتتصدر خطاب المقاومة. السعودية أدمنت التجنيد علی الأساس الطائفي. وإذا ما بدأت في تجنيد حلفائها داخل اليمن فلن تبتعد عن الخطاب الطائفي وتجييش المجتمع لمواجهة “الروافض” مما يعني أن “داعش النائم” في اليمن سيصحو عما قريب.

نجح “حزب الله” في وضع مسافة كافية بينه وبين إيران، سمحت له بالبقاء حيا وسط تقلبات السياسة وأمواجها. ولأنه يعرف جيدا أنه لا يمثل لبنان، لم يحاول الاستيلاء علی السلطة أو الحديث بإسم “الشعب اللبناني”.

هذا ما ينقص الحوثيين لتجنيب اليمن المزيد من الدمار. التوقف عن الحديث باسم “الشعب اليمني العظيم” والتخلي عن خطاب “ثورة 21 سبتمبر” التي يعود إنجازها الی القواعد الشعبية لحزب المؤتمر وليس الی لجان الحوثي ومقاتليه! يحتاج الحوثيون أيضاً الی وضع مسافة كافية بينهم وبين إيران والقيام بإجراءات جادة تؤكد للخليج أنهم لن يشكلوا تهديدا له او حصاراً ايرانياً من الجنوب.

كما يحتاجون الی استيعاب البعد المذهبي الجغرافي في حركتهم الذي يجعل عبورهم الخطوط المذهبية والمناطقية (متداخلة جداً في اليمن) إيذاناً بحروب اهلية مستمرة.

منذ صعودهم المفاجئ في 2014 يحارب الحوثيون “بالإنابة”. يحاربون داخلياً نيابةً عن صالح ويرسلون تهديدات الحرب للجيران نيابة عن إيران. ستكون اليمن أفضل لو بدأ الحوثيون معركتهم الخاصة. وبالنسبة إلى حركة ترفع لواء “المظلومية” ليست المعركة الحقيقية معركة “شاصات” وصواريخ وإنما معركة عدالة وقانون ومساواة وأمان.

في شباط 2015 وجهت مصر تحذيراً إلى الحوثيين بالتدخل العسكري اذا اقتربوا من باب المندب. تلت ذلك المناورات البحرية السعودية المصرية المشتركة (مرجان 15) وجرى الحديث عن تنسيق مصري سعودي للقيام برد عسكري مشترك للتعامل مع أيّ احتمالات في اليمن. وصلت رسائل التهديد المصرية الى إيران عبر الحوثيين وجاء الرد بإجراء مناورات عسكرية حوثية ضخمة على الحدود السعودية في منتصف آذار 2015 “استعداداً لأي تحديات قد تطرأ”، وفق تصريح الناطق باسم الحوثيين.

كان واضحاً ان الخليج ومصر يوجهان رسائل الحرب إلى إيران عبر اليمن، وأن الحوثيين دخلوا مرحلة “الحرب بالإنابة” وأن أجندتهم صارت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بأجندة إيران الإقليمية.

بعد رسائل التهديد المصرية السعودية بأسبوعين فقط، أبرم الحوثيين اتفاقاً مع إيران لتسيير 28 رحلة طيران بين طهران وصنعاء أسبوعياً. وصار واضحاً بعد ذلك أن هذا الاتفاق استُخدم كغطاء لجسر جوي لنقل اسلحة ومعدات عسكرية حديثة جداً كانت تتوجه مباشرة الى صعدة عبر مطارها الدولي الذي افتتح في اللحظة نفسها. تزامن هذا أيضاً مع إغلاق الحوثيين مطار تعز “للصيانة” اياماً عدة كان يجري خلالها نقل شحنات غامضة الى صعدة!

في 20 آذار وصلت سفينة أسلحة إيرانية الى ميناء الحديدة محمّلة 185 طناً وجرت مناشدات لـ“درع الجزيرة” للتدخل ومنع السفينة من تفريغ حمولتها، وكان واضحاً أن هناك استعداداً إيرانياً – حوثياً لمعركة مقبلة في اليمن.

في تلك اللحظة بالذات بدأت الفوارق بين الداخلي والإقليمي تتلاشى. قبل بدء الضربات الجوية بأيام كانت الصورة كما يأتي:

– حضور إيراني قوي (عبر الحوثيين) على الحدود السعودية بمعدات ثقيلة ومقاتلين وخطاب تعبوي. وكانت السعودية ترى في هذا الانتشار محاولة إيرانية لحصار الخليج من الجنوب (بعد محاصرته من الشمال بالسيطرة على العراق وسوريا ولبنان). بالاضافة الى خطر اشتعال الجو السياسي في المنطقة الشرقية ذات الغالبية الشيعية.

- استعدادات مصرية سعودية للتدخل العسكري السريع في اليمن جواً أو بحراً، مهما كانت التداعيات والعواقب.

– حصول الحوثيين على أسلحة متطورة جدا يعتقد أن بعضها كان صواريخ بالستية متوسطة المدى. هذا مؤشر الى أن التسليح لم يعد مهتماً بالسيطرة على الداخل اليمني فقط.

- دخول الحوثيين تعز في اللحظات الأخيرة للسيطرة على باب المندب بين الحوثيين مدعومين بالمؤتمر، مما أثار مخاوف الخليج ومصر. فإغلاق باب المندب يشكل ضربة لقناة السويس ويضع المنطقة استراتيجياً في يد إيران.

– التصريحات المتكررة لكبار المسؤولين الايرانيين بأن اليمن أصبحت تحت السيادة الإيرانية وجزءا من حدود الأمبراطورية الإيرانية، زادت الوضع غموضاً وجعلت التفرقة بين من هو “حوثي” ومن هو “ايراني” صعباً جداً.

- توجه الحوثيون الى الجنوب للاستيلاء على عدن والقضاء على هادي. هذا يعني وضع اللمسات الأخيرة للسيطرة على الوضع الداخلي في اليمن والانتقال بعد ذلك الى تصفية الحسابات.

هذه هي الخلفية المتسارعة للحرب الإقليمية التي اتخذت اليمن ساحة لها. إنها حرب بالإنابة يقوم فيها اليمنيون بتصفية حسابات القوى الاقليمية على أراضيهم. أما ادعاءات السيادة التي يطلقها الحوثيون أو التي يطلقها هادي (الحاكم بالإنابة) فمجرد غطاء هش لإضفاء صبغة وطنية على استجلاب النفوذ الخارجي الى اليمن وتدمير سيادته وبنيته التحتية واستقلاله.

- عقلية إما أن تكون مع الحوثي – صالح، وإما أن تكون مع التدخل الخليجي، تشويش على الموقف الأخلاقي الحقيقي الذي يجب أن نتخذه كمواطنين.

الموقف الاخلاقي الوحيد المتناغم مع قيم السلم والمواطنة والمدنية هو رفض الحروب من أيّ طرف كان. تالياً، النضالات المدنية والمسيرات ضد حروب الحوثي – صالح وانتهاكاتهم يجب أن تستمر جنباً الى جنب مع الاحتجاج المدني ضد التدخل الخارجي.

أما عقلية “أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب” فهي عقلية قبلية متخلفة تغلّب الانتماءات القبلية والقرابية على القيم والمصالح الوطنية.

لن تؤدي هذه العقلية إلاّ الى تسليم اليمن الى يد فاشية عسكرية دينية تعتاش على الحروب المستمرة وإقصاء الخصوم وترويج ثقافة الموت وإقناع الشباب بأن السيناريو الأفضل الذي يمكن أن يحصلوا عليه هو أن يموتوا شهداء.

ان النزعة العسكرية الفاشية التي يؤسسها تحالف صالح – الحوثي منذ أيلول 2014 هي السبب في جر اليمن الى ساحة حرب وتصفيات إقليمية وضعت اليمن في مصاف الدول المعزولة والطريدة دولياً، مثل كوريا الشمالية وإيران. وما التحالف العربي والدولي الواسع ضد الحوثي – صالح الا تعبير عن حجم العزلة والخطر الذي يستشعره العالم منهما.

* * *

صعدة اليوم

اذا حطت بك الرحال يوما ما في صعدة فسترى المستقبل الذي ترسمه الفاشية الدينية لليمن.

على جدران المنازل ستلاحقك عبارات “الشهادة” و“الشهداء” و“الموت”، لا لتمجد الراحلين فقط، بل لتحويل “الشهادة” الى مؤسسة والموت الى غاية. وحين ترنو ببصرك للاستمتاع بالمساحات الخضراء في اغلب مديريات صعدة فسوف تشاهد لافتات “روضة الشهداء” تطالعك أينما سرت. هذه “الروضات” ليست إلا المقابر التي أقامتها الميليشيا للأطفال والمراهقين وبعض الكبار الذي قتلوا في حروبها مع الدولة. يتجاوز دور المقابر تكريم الموتى الراحلين، الى تأسيس ثقافة الشهادة والموت لدى جيل صعدة الجديد. ليس من حياة عامة في صعدة. الأحزاب ملغاة ومقارها مغلقة. السياسة محرّمة، والحريات الشخصية لا وجود لها خارج جدران المنزل. أما المدارس فتحولت خلايا لتجنيد الأطفال وتلقينهم ثقافة الموت من أجل السيد. صعدة هي النموذج التمهيدي لمن يريد أن يعرف. فالفاشية هي كل إيديولوجيا أو حركة سياسية تقوم على التسلط وعسكرة المجتمع وتقديس الزعيم. هذه هي ملامح الديكتاتوريات الفاشية مهما ارتدت من أقنعة.

لا غرابة في توحد الفاشية مع الطائفية لان كلتيهما حرب أهلية مستمرة. الفاشية والطائفية تحول جميع الوظائف الإنتاجية والخلاّقة للمجتمع الى وظائف تدميرية. لا تصبح الحرب حالاً طارئة فقط، بل تصبح جوهر الحياة.

في خطابه قبل أيام، أكد الزعيم الحوثي أن الحرب هي القرار الصحيح وأن السلم سقوط وذلّ! ليس هذا غريباً. هذا هو ديدن الفاشية التي تمجد الحرب وتحتقر السلام. سيقوم خطاب الميليشيا الفاشية الطائفية في الأيام المقبلة بتحقير السلام وتمجيد منافع الحروب دينياً وقومياً وعسكرياً. السلام خنوع وضعف واستكانة ومذلة. السلام عار. أما الحرب فليست وسيلة فقط بل غاية. احتفال دائم. عيد دموي، يوحد المجتمع الفاشي ويجدد طاقاته. إنها ولادة جديدة للفرد وتكفير عن الذنوب وتحقيق للذات من طريق تدمير الذات. لهذا يمجد الزعيم الحوثي الحرب ولا يستطيع أن يعيش في غيابها.

الحرب هي العزة والكرامة والجهاد والقوة. وحين تصبح الحرب القانون الأساسي للكون يصبح الموت القانون الأساسي للحياة! بل تصبح الحياة خطأ يجب تصحيحه بالموت. قمة العار أن تظل حياً بينما الاخرون يموتون! هذا ما يلقّنه الحوثيون للشباب والأطفال.

يتحقق السيناريو “الأورويلي” (نسبة الى جورج أورويل) في اليمن وترتفع الشعارات الثلاثة للحكم الفاشي المقبل: الحرب هي السلام، الحرية هى العبودية والجهل هو القوة. لا تعيش الفاشية من دون عسكرة المجتمع. تصادر النظم الفاشية أجهزة الدولة ومؤسساتها، والسلطات التنفيذية والإدارية والتعليمية والجيش والبلديات والجامعات والمدارس والصحف والنقابات. ولكي تؤسس الفاشية العسكرة الدائمة للمجتمع، تعيد محورة حياته حول الحرب والجهاد والمقاومة. يتم اختراع عدوّ جديد في كل يوم تقريباً. يتحول العدو الى شيطان سياسي أو ديني أو اجتماعي، وتوقد أجهزة الدعاية الفاشية حفلات الكراهية الجماعية للعدو وتؤسس الجو النفسي للحرب الدائمة. الحرب التي يجب أن لا تنقطع لأنها مجد الانسان!

عن ملحق النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق