عبد الصمد الكباص يعود لطرح حاجات الحياة الأساسية.. فلسفيًا من جديد / عبد الكبير الميناوي

استمرارا للسؤال الفلسفي الذي سبق أن أعلن عنه في كتاب «الجسد والكونية: مبادئ ثورة قادمة»، الذي صدر قبل سنتين، يقترح الكاتب المغربي عبد الصمد الكباص في مؤلفه الجديد «الرغبة والمتعة: رؤية فلسفية»، الذي صدر عن «أفريقيا الشرق»، بالدار البيضاء، تناولا فلسفيا لعلاقة الرغبة والمتعة بمغامرة منح معنى إنساني للحياة، رابطا مفاهيم التاريخ والحياة واللغة بالرغبة، ليثبت أن إمكانيتها منبثقة من حقل الرغبة ذاتها، حيث الجسد هو المكان الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يبدع فيه وجوده ويبني فرديته.

وقال الكباص، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن عمله الجديد يرتبط بالسؤال الذي دارت حوله مؤلفاته السابقة، أي سؤال الجسد، الذي يعتبره السؤال الفلسفي الأجدر بتناوله في عصرنا هذا، وخصوصا في ظل التطورات العلمية التي شكلت ابتكارا جديدا للجسد الإنساني ولإمكانياته.

وجوابا عن سؤال علاقة مضامين المؤلف بتحولات الحاضر، قال الكباص: «هناك مجال واسع من التحولات العميقة التي تؤسس انتماءنا الكوني للحاضر، والتي تدفعنا لفهم صيغة بناء ذواتنا انطلاقا منها. هل نفلت، مثلا، من منطق السرعة؟ ألم تعد السرعة مبدأ لصيغة وجود إنسان هذا العصر؟ هل نستطيع أن نتنكر للعقلنة الطبية التي تطبق على أجسادنا، والتي تجعل كل واحد منا يبحث عن الإمكانيات القصوى لجسده، عبر تجويدها وترميم أي خلل قد يعوقها؟ هذا العمل يجيب على مثل هذه الأسئلة».

وبخصوص الكيفية التي يستطيع بها العالم العربي (مثلا) أن يحتفي بالرغبة والمتعة والحرية والحاجة، وبالحياة كـ«مجال ثمين لاقتناص الأبدية التي لا تُلتقط إلا فيما هو عابر وخاطف وفوري»، وبالشهوة والمتعة واللذة، كـ«مفاهيم تحقق مضمون التجربة الإنسانية»، قال الكباص: «في سياقنا العربي، يفرض سؤال الرغبة والمتعة نفسه بقوة اليوم، أي في هذا الزمن الصعب الذي صار الكثير منا يعتقد أن المهمة الأسمى لوجوده هي أن ينجز الموت، بل ربما أننا نحن هي المجموعة الثقافية الوحيدة في العالم التي تفرز صيغة مخيفة في تدبير العلاقة مع الحقيقة، حيث تعين هذه الأخيرة (أي الحقيقة) باعتبارها ما ينبغي لنا أن نَقتل الآخر من أجلها، أو أن ننال شرف الموت في سبيلها، وهو أمر خطير، يقوم جوهره على توسط كل علاقة بالحقيقة بالرغبة في إبادة الآخر من أجل تثبيتها، أو في طلب إفناء الذات تأكيدا لسموها. ويستدعي هذا الوضع المخيف تذكير الناس بأن الحياة تحفة جميلة، أسمى حتى من الحقيقة، والواجب هو أن نعمق جماليتها، بالسعي إلى المتعة وتقاسمها مع الآخرين، لأن المتعة التي لا تُتقاسم ليست متعة».

يتوزع عمل الكباص الجديد على فصول، تحمل عناوين: «السر والمتعة» و«العيش بخفة» و«قدر الجسد» و«العقلانية نفوذ كوني» و«متعة الحاضر» و«الرغبة» و«اللحظة» و«زمن الخفة» و«إشباع التاريخ وتجدد الزمان» و«جسدي حريتي»، حيث يشير الكاتب إلى أن الرغبة تفتح في صميم الكيان الإنساني انقساما ما بين نظامين اثنين: نظام الحاجة، الذي نسميه بالجسم، ونظام الرغبة، الذي نسميه بالجسد، مشيرا إلى أن التقنية استحوذت على النظام الأول، فيما الحاجة أضحت قابلة للحساب والتسويق. كما أن البناء العضوي للجسم الإنساني أضحى، بدوره، قابلا للتركيب وإعادة التركيب، فلم تعد الحاجة دافع الإنسان لتغيير العالم عبر العمل، بل أضحت هي مجال تغيير الإنسان ذاته عبر التحكم في حاجاته.

ويعتبر الكباص أن سؤال المتعة هو أكثر وجاهة ونجاعة من سؤال الحقيقة، لأن صلب وجودنا هو الذي يطرحه: إنها أجسادنا ورغباتنا التي تتحدث من خلاله. أما المتعة فليست سؤالا يبذل الفلاسفة مجهودا لخلقه وبنائه وإقناع الناس بأن هناك ضرورة ما تفرض طرحه، بل هو سؤال العين والأذن واللسان والأنف والرغبة، عبر مطالبة تتم في تلقائية الحواس وأسلوب إشباعها والعالم الجدير بتوفير هذا الإشباع.

هي بهجة الحياة متأتية من الحواس، ذلك ما نكتشفه من خلال فصول الكتاب، لأنها السبيل الوحيدة للتخفيف من الثقل الأخلاقي للوجود. وبالتالي فإن كل مناهضة للحواس، أو خلق إحساس بأن لا قيمة لها، أو ازدراءها، هو مناهضة لحق الإنسان في حياة ممتعة.

يؤكد الكباص على أنه ليس هناك من بؤس في الوجود يستدعي إحساسا بئيسا بالحياة، بل وإفراطا في ازدرائها، إلا وكان متأتيا من مناهضة الجسد، ومكافحة رغباته ومحاربة ما تطلبه الحواس من إشباع. فعندما نرفض ما تتيحه الحواس، ونبني أنظمة مجردة تصرف تَمَنّعنا عنه، نكون قد أغلقنا كل المنافذ التي منها تلج المتعة إلى الحياة فتصير بئيسة، لذلك نزهد فيها ويظهر لنا أن الأجمل والأروع هو ما بعد الموت. لأننا بكل بساطة أسَّسْنَا لما يجعل الحياة غير محتملة، مفرغة مما يجعلها جديرة بأن تعاش.

يراجع الكباص، في كتابه، مفهوم الكمال، فيقول إن «الكمال هو أن أرغب فيما أنا إياه؛ لأن ذلك يؤسس فرحا باللحظة. فوحدها اللحظة التي أوجد فيها بإمكانها أن تمنحني كمالي. إن إلقاء مشروع كمالي الخاص في المستقبل معناه تحويله إلى عدم، إلى شكل فارغ من التطلع نحو اللاشيء. أي تحويل الكمال إلى استحالة هي من استحقاق ما لا يوجد أصلا. الإنسان كامل في ما هو إياه، في جسده، في رغبته، في متعته ولذته. الكمال ليس هو ما ينقص اللحظة، بل هو ما يفيض عنها جراء إشباع الحواس، بشكل يسمح بممارسة ممتلئة للحاضر الذي يغدو هو الغاية المنشودة التي تتحقق فعليا». لذلك، يعتبر الكباص أن الحياة مجال ثمين لاقتناص الأبدية التي لا تُلتقط إلا فيما هو عابر وخاطف وفوري.

عن جريدة الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق