وقوف على أنقاض «13 نيسان»… وأوقافه الذُرّية / وضاح شرارة

بين وقت وآخر يركب المتنقل في سيارة أجرة عمومية الى جنب سواق «عمومي» (بدوره)، ويلاحظ بعد ثوانٍ من ركوبه وجه السواق الساهم والمنقبض. وتسنح فرصة الحديث أو الكلام، على غير توقع ولا تمهيد. فينظر الرجل الساهم والغائر العينين الى بناء مشرف على الطريق، يدل حَجَره المرصوص والمقصَّب وزجاج نوافذه الواسعة والمظللة على ثراء ونعمة، ويسرُّ لنفسه، من غير مقدمة، ويكاد الصوت لا يسمع:» كان لازم هالبناية تتهدم وما تتعمر». فيسأل الراكب جاره الذي لم يَخْتره وجعله كلامه طرفاً في محادثة لم يردها، ولم يتوقعها: «بتعرف حدا فيها؟». فلا يعير الرجل الثلاثيني أو الاربعيني الجالس وراء المقود، والمتجهم العينين السوداوين والقسمات والخَلِق القميص، الراكب السائل نظرة أو التفاتة، ويقول من غير انقطاع:» ليش لازم الواحد يعرف، كلهم مثل بعضهن، كلهن حراميي ومصاصين دم». وقبل أن يعد الراكب جواباً او سؤالاً أو كلاماً يداري به دهشته وخوفه من الهاوية التي فتحتها نقمة المحدث الباردة والقاطعة، ختم الرجل تأمله: «الحرب كانت أحسن. ما حدا كان يجوع».

حرب غير منكرة

والحرب الحسنة التي يقصدها السواق، ويراها كافية من جوع ومقتصة من فرق مكانة وطبقة لا يطاق، هي «الحرب» التي مضى قبل أيام على ابتدائها أو انفجارها أربعون سنة تامة، وأحسب ان الشوفير الناقم دخلها وهو في العاشرة من العمر. وبعض الذين احتفلوا بمضي الاعوام الاربعين، أو تذكروا استهلالها المتعارَف والمكرس، شهدوا الاستهلال أو روي لهم، استعجلوا الاحتفال أو التذكر، وطووا هذا أو ذاك. وبعض من كتبوا أو تكلموا (على شاشة صغيرة) في 13 نيسان (1975) العتيد، بدوا أقرب الى التخفف من ثقل الحادثة، وقيامها معلماً على تاريخ لاحق كانت فاتحته أو أرهصت به، منهم الى استعادتها، والتأريخ لها، والتفكير فيها أو تدبرها. وذهب بعضهم (معظمهم؟) الى ان الحادثة المفترضة معلماً او مفترقاً فاصلاً لم تنصَّب على هذه الصفة إلا اصطلاحاً وتعسفاً. فهي، على زعمهم، لم تفتتح زمناً أو حالاً- فـ»الحرب» كانت على قدم وساق، قائمة وقاعدة-، ولم تستبق ختام زمن أو حال- فهي لا تزال مقيمة ومزمنة. وعلى هذا، فليس ثمة ما ينتطح فيه عنزان. وإذا أصرا على الانتطاح أو التناطح فليس ثمة ما… ويمر هذا لا إلى غاية أو نهاية. وفي ميزان الامد الطويل يبطل احتساب النتائج، وليس بين الاحياء من يسعه الشهادة على صواب التوقع أو خطئه، على ما نبه كِيْنز، صاحب الاقتصاديات الاشهر.

فهل مضت «الحرب» والمفرد الغريب كناية مغرضة عن كثرة مهملة- وانصرمت وتبددت ولم تخلف أثراً لا في حساب الزمن ووقائعه وحوادثه؟ ولا في حساب المشاعر والاحاسيس والافكار والصور، وما نسميه حياة ونعني به، إذا وسعنا إيجاب معنى، خضماً متلاطماً ولا تسبر قيعانه من الاحتمالات الهاربة والمتجددة؟ وهل انسلت، من غير ان ننتبه او ندري، من خيطان ثوب قديم ومهترئ، فتقطعت نتفاً وذرات وتخفت بين طيات «أثواب» أخرى لا تشبه الثوب القديم ولا تتشارك وإياه معالم تُتعرَّف؟ ولا يقصد بمضي «الحرب» أو تبددها غيبتها عن الحساب والتدبر السياسيين الراهنين، ولا انكماش ظلها عن حوادث الحاضر المديد والمترجح بين دفتي عقد من السنين. فهذا ظاهر. وهو لا يقتصر على 13 نيسان أو «حرب السنتين»، الى «حرب» 1982 التي أجلت المنظمات الفلسطينية المسلحة و»حركتها الوطنية»، وولدت الجماعة الخمينية المسلحة. فسؤال بعض المحاربين القدامى، من الكتّاب على وجه التخصيص، عن رأيهم اليوم في خوضهم حرب البارحة، وانخراطهم المحموم فيها، (وجواب شطر منهم، معظمهم؟ أنهم لا ينكرون حربهم هذه ويرون انخراطهم سائغاً)، هذا السؤال بدوره فقد مسوغه والداعي إليه، ولا يلتفت أحد إليه منذ أعوام طويلة. وهو شأن بوسطة عين الرمان، كفت الصحف عن إثبات صورتها، ما خلا بعض الصحف الاجنبية.

والقول ان «الحرب» لم تمضِ، وأن معاصريها، على أنحاء المُعاصرة وأوجهها، يحملون ندوبها وأنقاضها الكثيرة، ليس جواباً شافياً (كيف الحكم في الجواب الشافي، والسؤال وصاحبه على هذا الابهام؟). فالحادثة الفاصلة، شأن التقاليد والتراث، وشأن المواضي، ليست شيئاً قائماً في نفسه وبنفسه. فلا تدوم وتبقى وتفعل، على مقادير متفاوتة، إلا من طريق معانيها، وملابسة هذه المعاني توجهات الناس في حاضرهم (حواضرهم)، وعلاقاتهم وأواصرهم ومنازعاتهم. ومن اليسير علينا، نحن المتخلفين والمتحدرين من هذه المواضي، وصل الخيوط التي تربطنا بحوادث ترقى تدريجاً الى 13 نيسان (1975). فالهجرات والأسفار والمَقاتل والمصارع والأتراح والخسائر والولادات والفرص واللقاءات والرجعات، وكلها وغيرها خيوط تعقد بين المصائر والمآلات وبين عللها وأسبابها. والفجوات بين هذه وبين تلك تملأها المصادفات وحرية الاختيار والآراء التي يراها أصحابها إذا لم يكونوا مكرهين على رأي لا يرونه أو على عمل يضطرون إليه.

ذراري اليوم

ولكنه وصْل، إذا أراده مريد وتكلف مشقته، لا يصل اهل مجتمع بمواضيهم المشتركة أو المفردة وصلاً حياً يتداولونه، ويديرون عليه بعض حواضرهم وعلاقاتهم ومسالكهم الى آتيهم. فبعض من يحاولون الوصْل، ويعلنون محاولتهم أو محاولاتهم، يقولون اليوم أنهم لا يذكرون كيف انقلبوا من عشية «الحرب» الى غداتها، ولم يبق في ذاكراتهم ما يسعفهم على تعقب أثر أو اقتفائه وقراءته. وبعض آخر يحمل أعقاب «الحرب» وذراريها على أوائلها، ويرى حوادث اليوم ترديداً لحوادث بارحات تردد المرسوم الماضية. فكتبت وداد حلواني (رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، وهي ملهمة حملة «حقنا نعرف» وقبلها حملة «تنذكر وما تنعاد» وبعدها حملة «40 الحرب»- فهي على هذا نصب ذاكرة «الحرب» الحي)، كتبت تقول:» أما اليوم، وبعد مرور 15 سنة (…) صار الوطن أرضاً خصبة لتفريخ الحروب، لتأييدها وخندقتها، لتعليقها على حروب الآخرين، تتغذى منها وتغذيها، كأننا أمام تجسيد مذهل لقانون الأوعية المتواصلة…». وتخلص الى ان «المطلوب أصبح أكثر من وقفة رمزية في 13 نيسان. صار المطلوب جردة وطن (…) جردة لما حصل خلال 40 سنة…».

وفي كلتا الحالين، حال من تبددت «حربه» هباءً يعصى الرسم والجمع والاستدلال وحال من يراها متناسلة في ذراري لا تحصى ولا تنقطع، تتصور «الحرب» في صورة (طارئ) دخيل وغريب حل بنا على رغم منا وكراهة، وقلب أحوالنا رأساً على عقب، ولم يخلف ما نستدل به على إطافته ونزوله وأثره. والحق أن تناول الحروب المتطاولة والمتعرجة التي تنقلنا بواسطتها ومن طريقها بين أظهر أنواع المعضلات والازمات والمنازعات، الوطنية والمحلية والاجتماعية والثقافية والدولية والحقوقية والعسكرية والعصبية والانفعالية واللغوية…، لم يكن يوماً في متناولنا أو متناول مجتمع جماعاتنا، ولم نسعَ يوماً في جعله في متناولنا. وإذا صدق الزعم أن معرفة الافعال الانسانية أيسر على أصحابها وفاعليها من معرفة حوادث الطبيعة المستقلة عن الفاعلين، وجب الاستدراك على القول، والتنبيه الى ان افعال الناس المشتركة تكاد تكون ولا فاعل لها أو فاعلين معروفين، يعرفون أنفسهم وما فعلوا ويعرفهم غيرهم.

والذين تبنوا «13 نيسان» ونسبوه، ونسبوا آله (ذريته) الى أبوتهم وأمومتهم، وفاخروا بذريتهم هذه، كثر. وساندت التبني وأيدته كوكبة من الشارات البهية والمعاني السامية. فوعد أصحابُ اليوم العتيد وعداً قاطعاً وملزماً، إلهياً قبل ابتذال الصفة الحسنى والمصونة، بتبديد الغبن، أو بالمساواة الحقيقية و»الاجتماعية» غير الشكلية والقانونية وحسب. وتوحدوا على مداواة الخوف من طريق إحقاق الحق وإلغاء التفاوت والظلم. وقدموا وطنية صافية- عروبية منفتحة، وحضارية وفلسطينية ديموقراطية قالوا، أممية سمحاء سبق أن حضنت شعوب القوقاز المسلمة برفق، على مذهبية عصبية ودموية فائتة وضيقة. وأوكلوا الى الشعب، المسلح والقوي، وجماهيره المنظمة واليقظة، خوض حروب جميلة تحرر الشعب، وهو يخوضها من تلقائه سيداً متآخياً ومميزاً ببديهته وقريحته العدو من الصديق، من رهاب العدو الكولونيالي والامبريالي والصهيوني.

فيستعيد صورته عن نفسه، وهويته على الوجه التاريخي الاصيل، والشرعي من بعد، وليس على الوجه المستعار والمزيف، الكفري من بعد. ومضت الوعود والعهود الهاذية والمتعاظمة على نفخها في الشارات والمعاني. واختلطت بالثارات للأرض المغتصبة، والدم المسفوح (والحسيني من بعد) ظلماً، وبانجاز عودة المشردين والمعذبين واللاجئين، المستضعفين من بعد، الى الفردوس المفقود أو الضائع الواحد والموحد. وانتصب البطل (-الشعب) المهدي أو الخراساني من بعد، فوق الجماهير الغفل، وخرج منها خروج الزهرة من الكم، وصرع الكولونيالي الامبريالي، السفياني والاعور الدجال. فلا فقر ولا استلاب ولا تخلف بعد اليوم، ولا عملاء ولا زبائن أو مشايخ نفط ولا كومبرادور.

فهل صدَّق «الناس» على المعنى القرآني، أي ملأ القبائل- الوعود والعهود هذه؟ وقد يكون السؤال الوجيه، على خلاف سؤال لا حجة على صدق جوابه، هو التالي: بماذا ملأ «الناس» الوعود والعهود هذه؟ وما هي الاعيان، أو المادة العينية والحسية الملموسة على قول «الجبهة الديموقراطية» يومذاك، التي أدخلوها تحت الشارات والاعلام، وحملوا هذه عليها؟ ويسع من يهمه الجواب جمع بعض القرائن، وتناولها بتعليل أو تأويل لا يقتصر على الرجم. فما أن رفعت «المقاومة»، وهذا اسم ثابت على مر السلالات والسلطنات القاهرة، شارة الحرب المديدة والزاحفة حتى أعربت جماهيرها ومنظماتها عن المادة العينية والحسية الملموسة التي تحسبها مناسبة أو مطابقةً معنى العهد أو التاريخ الجديد والموعود. فإذا بها، المادة العينية، قريبة من نبؤة شوفير السيارة العمومية: «كان لازم هالبلد (وليس البناية) يتهدم وما يتعمر، ليش لازم الواحد يعرف، كلهم مثل بعضهن، كلهن حراميي ومصاصين دم، الحرب (دايماً) أحسن، ما حد بيجوع (فيها)».

وليس كلام شاهد اليوم استرجاعاً متعسفاً واعتباطياً. ففي أثناء حدوث الحوادث، ووقوع الوقائع، هالت الحوادث والوقائع بعض المعاصرين. فلم تمض اسابيع قليلة على اليوم العتيد، وقبل رفع المتاريس وحفر الخنادق واستقرار الخطوط أو الجبهات، حتى عمت بعض أحياء المدينة (بيروت) وأسواقها المتفجرات، وقطعت بعض الحواجز طرقات الوصل العريضة، واعتلى قناصة بعض السطوح العالية والمشرفة على طرقات الاحياء الداخلية. وحالت دوريات مسلحة مسائية مرتجلة الطرقات والمداخل والمخارج، ودققت في الاوراق الثبوتية، ووضع بعضُها شارات مُعْلَمة على أبواب مبانٍ يقيم بها سكان «مختلطون» (من طوائف دينية غير الطوائف الغالبة في الحي أو الشارع أو المنطقة، على ما أخذ القول يدرج).

الجائزة الكبرى

وهذه المقدمات مهدت الطريق الى بيت القصيد أو صلب الأمر. فاجتاح اهل الضعف، وعوام الجماعات العصبية وشبانها («صبيتها»، على قول منظر مكتهل وناضج)، الاحياء والشوارع، و»أطروها» بالحواجز والخنادق والمكاتب والدوريات والقنص، وفتشوا الدور والبيوت، وأنزلوا السكان المشبوهين من غير الملة وأحرجوهم على رجاء إخراجهم الذي لم يتأخر، وأوقفوا الجواسيس المحتملين، وصادروهم على وسائل الاتصال وعلى غيرها، وتحرشوا بالبنات… وهذه الافعال توسعت شيئاً فشيئاً: فاجتازت الفرق الصغيرة والمحلية حدود حاراتها وشوارعها، وانتصبت لتطهير الحارات والشوارع المجاورة والبعيدة. فأغارت على بعضها، وتحللت في غاراتها من قيود الجوار وبعض الإلفة ومن الحياء الذي يصاحبهما. فاحتلت مباني كاملة، وأجلت عنها سكانها الميسورين والاقل يسراً أو يساراً، ونهبت أثاث المنازل، وأجهزة المكاتب والآلات، وسلع المحال.

وتخطت أجزاءَ الاحياء المتوسطة بين حارات الاهل وبين شريط الساحل والمرفأ والأسواق، حيث الجائزة الكبرى الى المخازن والمصارف. وخطف كثيرون في الاثناء، وأطلقوا بعد وساطة وصفقة، أو قتلوا ثأراً. وأحاطت بأحياء الأهل أحزمة وفسحات أخليت للقتال. والقنص، قبل أن يخلفه القصف بالهواوين وبالمضادات والغراد والكاتيوشا، هو سلاح القتال الاثير. وتبادلت المناطق المهجرين. فتولى المسلحون إسكانها في الشقق المصادرة. واستدعى الاسكان التوسع في المصادرة. واقتضت «الهجرات» العريضة مصادرات نظيرها عرضاً، فنشأ الجناح (على الجهة الجنوبية الغربية من ساحل بيروت، وهي منطقة «البلاجات»)، على سبيل المثل، عن هذه المصادرات، ويعزوها رواة شهود عيان الى بعض كبراء حركة التحرير الوطني العروبي والقومي والاممي.

ودارت «السياسة» في الاثناء على دوام هذه الحال، والمضي على تقويض «تجدد الاجتماع» و»الاندماج الاجتماعي» (في مصطلح الاجتماعيات الهابيرماسية، وليس في المصطلح الحزبي الشيوعي والعالمثالثي الذي سوغ التقويض باسم الثورة على «الدولة» ونظام السيطرة والقمع والاستغلال والتبعية). وحلت هسترة الجسم الاجتماعي والسياسي محل إواليات السلطة والمفاوضة والوساطة والتحكيم والتمثيل والمساومة. فهذه كلها بدت تزويراً لعلاقات قوة متفاوتة وعارية، وإرجاء لحسم مباشر وباليد: فالسطو والسرقة والمصادرة والترهيب والطرد والقتل حق أو حقوق لا تحتاج الى وساطة هيئات أو مؤسسات او قواعد وقوانين. وكل توسيط هو قناع ميزان مائل لا تقوِّمه إلا الحرب الكلية والمطلقة، وعدالتها القاطعة.

ولكن أحداً لم يقل هذه المقالة التي عصيت القول، وتعصاه اليوم في سوريا والعراق واليمن وبعض لبنان وليبيا و»الدولة» المزعومة، وفي إيران. و»الجماهير» التي تصدرت مصالحها وأهواؤها وثقافتها مسارح الاجتماع (المتنازع) المشتركة، تولت ومنظماتها وقياداتها ونخبها السلطة، وأنفذت أحكامها في أنحاء مسارح الاجتماع كلها. وتكشفت المقالات والبرامج السياسية، المرحلية والاستراتيجية، ومصطلحاتها الوطنية والديموقراطية والاصلاحية والشعبية والوحدوية، عن رغبات لا قاع لبؤسها وتفاهتها وعماها ومباشرتها وأنانيتها وسذاجتها. فهجم أهل الضعف والعوام وسواقط الجماعات ونخبها، تتقدمهم قيادات ومشيخات من الوكلاء وأشباه الوجهاء المحدثين وأنصافهم، على مرافق الاجتماع، وقسَّموها غنيمة فيما بينهم ونفَّلوها، واقتتلوا على تقسيمها ونهبها وخزنها وتوريثها. وتواطأت «طبقات وسطى» متعلمة مفترضة، على الهجوم والنهب والقسمة. ولم يرعها أن 370 ألفاً من فئاتها «العليا»، تعليماً وتأهيلاً، والشابة هربوا الى الخارج، في 1975-1979، ومعظمهم يحمل سمة هجرة دائمة. وهؤلاء كانوا بؤرة نزيف لم ينقطع، حمله العوام وسواقط الجماعات وبعض نخبها على رحيل طابور خامس تخلص الشعب الصميم والمصابر والمرابط في الثغور منه، ومن مفاسده وغربته.

وما كان لبنية الاقتتال والتناثر أو التشظي التحتية التي رعتها حركات التحرير الفلسطينية في المرتبة الاولى، ووقعت هي من بعد ضحيتها، أن تتعهد تجديد لحمة سياسية واجتماعية وطنية أو أن تؤازر انبعاثها، على افتراض ان ثمة من يجد في نفسه القوة على التجديد والعزيمة عليه. فما تصدع وانهار وهوى في الاعوام القليلة التي أعقبت 13 نيسان 1975، وآذن على أنحاء كثيرة بالشقوق والتصدعات العربية المتناسلة والمتعاظمة، يتصل من طرق كثيرة بنواة السعي «العربي» المتثاقل والمتعثر في اطراح العلاقات العصبية والريعية السائدة والساحقة، وفي إنشاء أبنية عامة ومشتركة محلها. وهذا ما سبق لميشيل عفلق أن سماه، في التماعة حدس فريدة، مسألة «تقدمية العروبة» («إن معركة عروبة لبنان هي معركة تقدمية العروبة»، على قوله في عبارة نضالية وعسكرية غالبة مذ ذاك).

وهلل أهل الضعف وعوام الجماعات وسواقطها ونخبها للتصدع والانهيار، ولانتصار بنية الاقتتال والتناثر التحتية وثباتها. فالأبنية العامة والمشتركة، الوظيفية (الانتاجية والاقتصادية والادارية) والرمزية (الاعتقادية والثقافية والتواصلية)، عبء ثقيل على كاهل جماعات تنزع بكليتها وجماعها، اي برسوم اجتماعها وأبنيته، الى الانكفاء على هوياتها والاعتيال من ريوع مكاناتها وولاياتها وحروبها. وحملَ الجماعات إقرارُها بعجزها عن تجديد اللحمة أو استئنافها، وتسلميها بالأمر، الى توكيل من يتولى الامر بالوسائل المتاحة. وتولى الامر، بالوكالة والنيابة من يملك تحريك 30 ألف جندي، وألف دبابة، وآلاف المدافع الى لبنان «المشترك» مذذاك (الفلسطيني – اللبناني ثم السوري- اللبناني فالايراني اللبناني أخيراً وليس آخراً)، من غير حساب من رعية السلطان الصاغرة.

وعلى خلاف تراث عامي لبناني دؤوب نجح في غضون قرنين وبعض القرن في قلب علاقات السيطرة العثمانية العقيمة وإصدار السلطة من تحتٍ مجتمِعٍ ومشترك، صادر الجماعات على السلطة والولاية جهازُ قوة خالصة، تربع في رأس جماعاته الوطنية المتناحرة المنقسمة، وتذرع بتناحرها وانقساماتها الى توحيدها الاداري والقومي قسراً ومن خارج. وها هي تنتضي تناحرها وانقساماتها سلاحاً مدمراً تُعمله في تقطيع «دولتها» ونفسها (أنفسها)، بعد أن رعت في بلاد «13 نيسان» مسخاً على شاكلتها، وعلى شاكلة الحال التي اسهمت في صناعتها. ولكن المسخ يفوقها قوة تدمير ومراوغة، هو المولود من ذرية هذا «اليوم»، ومن ذراريه المتقطعة والمهجَّرة وثاراتها وشهواتها المرسلة. وما يقوله السواق الساهم والمرير يقوله المسخ بملء الفم: «مجتمع الحرب» قَدَر جميل لا راد له الى فَرَج إمام الزمان وقيام الساعة.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق