غيرنيكا وعودة الفاشية

حين تزدهر فلاحة الخراب في عصر ما، لم تعد الكلمات وحدها تفي بحاجتنا لكتابة صمت مشاعرنا المثقلة بغموض المرحلة وتبعثر حدودها وهشاشة خرائطها وسياساتها. إن الفرشاة وقلم الرصاص والقماشة البيضاء تمثّل ورشة مغايرة لالتقاط ما يحدث ولكتابة قصّتنا على نحو مغاير. ثمّة دوما لون مناسب لاختراع المشهد وثمّة أيضا العين المناسبة لالتقاطه في أشدّ لحظاته كثافة وصدقا. لكن قد يكون المشهد صغيرا بحجمه مثل تفّاحة سيزان وبطاطا فان غوغ وخبز سلفادور دالي وقد يكون المشهد أمرا جللا مثل لوحة إعدام ماكسي مليان لماني أو لوحة غيرنيكا لبيكاسو .
يقول بيكاسو في بعض ما يقول:“انّ الرسم أقوى منّي .انّه يحملني على أن أفعل ما يريد”. ماذا إذن أرادت لوحة غيرنيكا من بيكاسو أن يفعل؟ هل أرادت منه أن يقصّ علينا قصّة غيرنيكا بكل عمق الكارثة التي دمّرتها؟ أم أرادته أن يشهد فقط بالرسم على ماحدث؟ أم أرادت منه أن يلتقط مشاعر الضحايا العالقة بعدُ على حافة الخراب ؟
هذه اللوحة تحمل في تعاريج هندستها الغامضة نهارا أنطولوجيا ثقيلا: هو نهار طويل وقع قصفه واغتيال سكّانه الأصليين غدرا حينما كانوا في الطريق إلى السوق. ذاك كان ذات يوم من أفريل من عام 1937 حيث دمّرت قاذفات القنابل الألمانية الموالية لفرانكو مدينة غيرنيكا وهي أعرق مدن الباسك ورمز تراثها الثقافي. وما أشبه الأمس باليوم …في ذاك اليوم كتبت جريدة التايمز التي قرأها بيكاسو ما يلي: “دمّرت بعد ظهر أمس بلدة غيرنيكا القديمة عن بكرة أبيها بفعل غارات جويّة كاسحة. واستغرق قصف المدينة المكشوفة..ثلاث ساعات وربع ساعة بالضبط، كان في أثنائها أسطول ضخم من الطائرات الألمانية من طراز”يونكر“والقاذفات المقاتلة من طراز”هينكل“يلقي على المدينة بصورة متواصلة قنابل من زنة ألف رطل… وكانت المقاتلات في هذه الأثناء تحلّق على ارتفاع من منخفض من مركز المدينة لتطلق النار على المدنيين الذين التجؤوا الى الحقول. وبعد ذلك تحوّلت غيرنيكا برمّتها إلى شعلة من النيران .”
قد يحدث أن يقرأ أيّا كان هذا الخبر وأن يتأثّر بأيّ شكل به. فتاريخ الفظاعات الانسانية طويل ومتنوّع ومتوقّع دوما. لكنّ تحويل هذا الخبر الى أثر فنّي كبير ذاك ما فعله بيكاسو فقط الذي حوّل خبرا ملقى على قارعة جريدة تصلح لإشباع غريزة التطفّل لدى المتطفّلين إلى لوحة تشكيلية التقطت أنفاس ضحايا غيرنيكا وأعادت إلى المدينة أشباحها في شكل أبطال تشكيليين .


لقد كتب ستاندال ذات يوم أنّ “الفنّ وعد بالسعادة”. وهي كلمة فاتنة سيلتقطها نيتشه بكل مرح أحفاد زرادشت، وسوف يستعيدها ثيودور أدرنو صاحب كتاب “النظرية الجمالية” (1970). لكنّ دريدا سيقول بعد سيزان أنّ “الفنّ وعد بالحقيقة”. فبأيّ وعد يعدنا بيكاسو حينما رسم لوحة غيرنيكا: بسعادة ستندال أم بحقيقة دريدا ؟ ربّ حقيقة قاتلة: هكذا حال الحقائق عند نيتشه. هكذا حال المدن العربية: إنّها تتأرجح بين حلم السعادة وكوابيس الحقيقة. كم صارت غيرنيكا مرآة للجغرافيا الحالية. هل يعود التاريخ في شكل مهزلة كما توقّع ماركس دائما؟ أم أنّ الحياة لا تستعيد في دورتها الأبدية غير أشدّ لحظاتها اقتدارا وبهجة كما يعدنا بذلك نيتشه دوما؟ انّ بيكاسو يختطف لحظة هاربة من مدينة غيرنيكا فيخبّئها في أحضان فنّ الرسم حيث لا يمكن للدمار أن يلحقها. إنّها تتحصّن بهندسة المكعبات وغموضها. إنّنا نشهد هنا كيف يحرر بيكاسو غيرنيكا من صخب القنابل من أجل وعدها بسعادة الخلود في صمت اللوحة.
لقد صارت غيرنيكا اللوحة أشهر من غيرنيكا المدينة. وصار الوعد بالسعادة أكبر من كل حقائق التاريخ الذي يتحوّل أحيانا إلى مقتلة. وهكذا ينتصر الفنّ مع بيكاسو حينما تنهزم الجغرافيا. ولقد صارت بذلك غيرنيكا الى أشهر لوحة عالمية في القرن العشرين. إنّها أرموزة تاريخية يكون فيها الفنّ ذاكرة للآلام المخزّنة في عمق شعب ما. بيكاسو يقول: “إنّ اللوحة هي جملة من التدميرات”. ويقول أيضا: “لم يُخلق الفنّ من أجل تزيين العمارات بل إنّ الفنّ سلاح هجومي ودفاعي معا”. إنّه بيكاسو الرسّام الاسباني الأسطورة ( 1881-1973) الذي استطاع أن يرسم قبل أن يتعلّم الكلام والذي سلّمه أبوه الرسّام لوحة الألوان والفراشي قبل بلوغ الصبي أربعة عشرة سنة وقرّر ألاّ يرسم لأنّ ابنه قد هزمه وافتكّ منه جينات الألوان والأشكال.
كلّ المدن العربية صارت اسمها غيرنيكا. وكلّ أرواح المسلمين صارت إلى مكعّبات فقدت رغبتها في اللون فاكتفت بالأبيض والأسود كأفقر رغيف تشكيلي من أجل لوحات فقدت شهية الرسم. غيرنيكا اسم لمدينة اسبانية ولقب لدمار الفاشيين الذين كلما دخلوا مدينة إلاّ وخرّبوها. الفاشيون لا دين لهم ولا وطن..هويتهم الخراب وشهوتهم العدم ومستقبلهم الكارثة ..إنّهم يمزّقون التاريخ ويذبحون الجغرافيا.. قراصنة ومرتزقة وسماسرة موت.. اسمهم النازيون أو الفاشيون أو الارهابيون ..لا حرج على اللغة التي تستبدل مفاهيمها كلما أنهكتها تعاسات الناطقين بها وفظاعاتهم .


غيرنيكا مدينة ولوحة أسطورية شبيهة بإلياذة هوميروس وملحمة غالغامش وصلب المسيح ومذابح الأطفال في بعض عراق قريب.. لوحة رسمها العظيم بيكاسو بدماء الضحايا وسواد قنابل الألمان النازيين الذين قصفوا مدينة غيرنيكا الاسبانية سنة 1937 بأمر من الفاشي فرانكو. بدأ بيكاسو في رسمها في 1 ماي 1937 في باريس كي يقع عرضها في 25 ماي 1937 .غير أنّ ما يثير في هذه اللوحة هو أنّ بيكاسو لم يرسم الدمار الذي حلّ بمدينة غيرنيكا بطريقة تقليدية: فنحن لا نرى الدماء ولا الضحايا ولا الحرائق ولا الدبّابات ولا طائرات قاصفة.. بل ههنا أرموزة سيميوطيقية عميقة الأغوار. فالتكعيبية لا تكشف عن الواقع في عرائه المفضوح كما يحدث بأشكاله وأحجامه وألوانه وهندساته الحمقاء. بل هي تفكّكه إلى مكعبات وتبعثر نظامه المزعوم وتكشف في طيّات هندسته المستقيمة عن التقعّرات والأضلاع المحدّبة والتشوّهات. تلك هي التكعيبية التي اشتهرت تحت ريشة بيكاسو بأنّها تسطو على المرئي وتمنع رؤيته في كرّة واحدة. إنّها تخترع للموضوعات التي ترسمها هندسة أخرى وفضاء تجريديا يحرص على غموض العلامة التشكيلية واستغلاقها عن عيون المتطفلين.على سطح اللوحة لا تلتقي الموضوعات بعناصرها الخاصّة بها الاّ صدفة. حيث يحدث للأعضاء أن تتوه عن أمكنتها أو أن تغيّر من شكلها:عيون في شكل دموع أو فم في شكل سكّين.. أو عين الرسّام في شكل مشعل..
ماذا نرى تحديدا في غيرنيكا لو ظفرنا بادّعاء الرؤية؟ ثمّة الثور أوّلا وهو رمزية عميقة في مخيال الاسبانيين وهو يرمز الى مصارعة الثيران التي تنتهي دوما بكارثة. الثور ههنا هو أرموزة سياسية بامتياز: إنّه يحمل في هيجانه وشهوة لون الدماء رعب القوة الغاشمة التي ترمز آنذاك إلى القوميين وإلى الحرب الأهلية الاسبانية التي بدأت في 18 جويلية 1936 وانتهت سنة 1939 . ودارت بين القوميين والجمهوريين وتمّ فيها قصف مدينة غيرنيكا وقُتل فيها قرابة ألف وستّمائة مدني من جملة سكّان البلدة البالغ عددهم عشرة آلاف نسمة. لوحة غيرنيكا هي لوحة الألم بامتياز. إنّها ترسم ألم الضحايا وألم المدينة وألم بيكاسو نفسه. هذا الألم ترمز إليه صورة الأمّ وسط اللوحة التي تجري حاملة ابنها في يديها وهي تندب وقد رسم بيكاسو عينيها في شكل دموع ، ورسم فمها في شكل سكّين وذلك من أجل الاشارة إلى فظاعة القصف الذي أصاب الأبرياء . لذلك أيضا نرى في اللوحة امرأة تسقط من عمارة تحترق ويداها مرفوعتان إلى السماء لا ندري إن كانت تلوم السماء على ما يحدث للبشر أو تشكو لها ما حدث.. ومرّة أخرى يرسم بيكاسو عيني المرأة الثانية في شكل دموع. أمّا الحصان الذي يمثل في قلب اللوحة فهو يمثّل الشعب: لسانه في شكل سكّين وهو يحمل جراحه على جبهته ويستغيث بفم فاغر يخزّن وجع الضحايا من جنس الحيوان. فالفاشية ههنا لم تقصف البشر فقط بل قصفت الحيوانات أيضا حيث كان زمان القصف يوم سوق المدينة أي يوم ازدهار الحياة فيها. لكن الفاشية تعشق التهام الحياة في عنفوانها. ومن سيلتقط هذا المشهد ويشهد عليه بالكتابة في زمن انشغال الضحايا بإتمام مراسم الموت الغادر؟ فكلّ قتيل ينشغل بموته وحيدا.وتبقى الجريدة شاهدة على ما يحدث ..
انّها الجريدة التي كانت آنذاك حاملة لما يحدث على صهوة الورق الهشّ والحبر المختلط بالصراخ . الجريدة هي التي أخبرت بيكاسو بحادثة قصف غيرنيكا لذلك هو يرسمها بوصفها احدى شخوص اللوحة. إنّه يرسم بعيون الجريدة، يحوّل صمت الحروف السائلة على حافة الدمار إلى مكعّبات تشكيلية صاخبة. في هذه اللوحة نشاهد أيضا جنديا من الجمهوريين ملقى أرضا. لقد لقي حتفه هو أيضا. لكنّه لم يسقط وحيدا في هذا القصف انّما سقطت معه الجمهورية نفسها وكل أحلام المقاومة. فالفاشية لا تعرف شيئا غير نثر الخراب في عمق الأحلام نفسها. وحين تُقصف أحلام الأحرار، وحين تنتصر الفاشيات لن يبقى في المدينة غير الأشباح. غير أنّ الشبح الذي يرسمه بيكاسو في ظلال اللوحة المعتّمة إنّما هو شبح من نوع خاص. إنه لا يتوسّل جسدا من أحد. إنّما يكتفي برفع مشعل من أجل أن يرسل الضوء على ما حدث. إنّه لا يطلب غير أن نحدّق بما حدث كي نشهد على ما سيحدث دوما.


في مدينة الثور والحصان والأشباح ثمّة دائما امرأة أخرى هي المرأة الثالثة من السكّان الأصليين لهذه اللوحة: المرأة العرجاء التي تهرول زاحفة رغم جراحها وجسدها المشوّه نحو منطقة الضوء. إنّ هذه المرأة تذكّرنا باله النار هفستيوس في إلياذة هوميروس حيث كان عرجه مصدر ضحك وسخرية آلهة الأولمب. لكن بيكاسو ههنا لا يرسم عرج الآلهة بل عرج البشر،لا عرجهم الطبيعي إنما عرج سياسات نازية تجعل من البشر كائنات مشوّهة . إنّ صورة هذه المرأة العرجاء، مثيرة جدّا، وهي التي تزحف بما تبقى من جسدها نحو النور -وبيكاسو، شغوف جدّا برسم النساء، كما لوحة نساء افينيون .إنّها تفعل ذاك الأمر كي نراها وكي ترانا وكي تعيد توزيع منطقة المرئي واللامرئي من جديد .إنّها تقول لنا: انظروا إليّ ها أنذا مثلما أرادت السياسات العرجاء أن أكون. لكن بيكاسو رغم قتامة المشهد إنّما يصرّ دوما على نثر الأمل على هامش زراعة الخراب. وهو ما ترمز اليه شخوص أخرى تمثل على صدر اللوحة: المشعل الذي يمثّل عين الرسّام والحمامة رمز السلام والوردة رمز الحياة رغم هشاشتها والوهن الذي أصابها .
ماذا تقول لنا لوحة غيرنيكا اليوم ؟
وماذا تعلّمنا لوحة صامتة في صخب هذا اليوم الميتافيزيقي الطويل الذي سقطنا فيه بأجسادنا وعقولنا ومدننا ومجازاتنا واستعاراتنا وكناياتنا، وصار فيه العالم أشبه بدوّامة عنف دائمة؟ ربّما لم تعد الشعوب في حاجة الى دروس وعظ ، لكنّها لا تزال بحاجة إلى رسومات تشهد على ما يحدث وتصنع ذاكرة للمستقبل، حتى لا يقبل ذاك المستقبل صفر اليدين في شكل زمن أبله لا يملك أيّة قصة يقصّها لأطفاله القادمين. ماذا لو انتصر قلم الرصاص على رصاص القصف: و كلّما ذبحوا مدينة الا ورسمنا مكانها مدنا أخرى.. ذلك لأنّ “اليوطوبيات تعزّينا..لأنّها تفتح مدنا ذات جادّات فسيحة وحدائق حافلة بالزرع وبلدانا سهلة حتى وان كان دخولها وهميّا” (العبارة لميشال فوكو من مقدّمة كتاب الكلمات والاشياء ).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق