الاعترافات الحميمة في «رسائل الزمن غير الضائع» / نجم والي

النافذة التي نطل منها على العالم الأكثر إبداعاً عند العديد من كتّاب وكاتبات العالم تتسع أمامنا، مع نشر هذا الكتاب الضخم «رسائل الزمن غير الضائع»، جمع وتحرير : فايت هاينيشين، (دار دايمينت)، والذي يحتوي على مختارات نموذجية من الرسائل التي كتبها الأدباء والأديبات، الفنانون والفنانات، لحبيباتهم، أصدقائهم، ذويهم، وأساتذتهم. وبالذات الآن، في هذه السنوات، حيث أصبح فن المراسلة مهملاً، ولم يعد له ذلك الحضور المؤثر، الذي امتلكه أيام زمان، أو من الأفضل القول بعد تغير المشهد من بساطته ومباشرته إلى طغيان الفاكس والبريد الإلكتروني والانترنيت، عندما ينفتح أمامنا صندوق الذخيرة هذا، الذي لا يختلف عن صندوق للعجائب، نتعرف فيه على أنفسنا، عندما نقرأ فيه بخبطة واحدة، كل تلك الكلمات البريئة والمباشرة، وبكل ما فيها من حميمية ووجد: أرق الحب الذي اعترف به الروائي المكسيكي خوان رولفو لحبيبته؛ فرح الحب الذي اعترف به مايكافوسكي لحبيبته؛ البساطة التي ملأت سطور رسائل لوركا؛ التفاصيل الصغيرة التي باح بها فرناندو بيسوا لحبيبته؛ قوة الفاقة عند الفيلسوف كارل ماركس والرسام فان غوغ؛ المتاهات الفلسفية للفيلسوف الألماني شوبنهاور التي يشترك فيها مع زميله في المواطنة غوته؛ رحلات البحث الأدبية بين الأميركي الشمالي هنري جيمس وزميله في الرحلة ر. ل. ستيفينسون؛ مغامرات الحب المليئة بالوجد للفرنسية سيمون دوبوفوار مع عشيقها الكاتب الأميركي الشمالي نيلسون آلغرين؛ أو التخلي عن الكتابة ووداع العالم للصبي الفرنسي آرثر رامبو الذي يجهل أنه كان قد كتب حينها أعمالاً عظيمة.

أبداً لم يعتقد أي كاتب من هؤلاء بأن التأثيرات والانطباعات المصاغة بسبب عددها الضئيل ربما وكلماتها القليلة ستُنشر ذات يوم، وستصبح موضع دراسة، وأنها لن تثير فضول الدارس فقط، إنما ستفتح أمامه آفاق الغوص عميقاً في حياة الكاتب أو الكاتبة. نعم لم يفكر أي من هؤلاء، وفي غمرة حماسته الكتابية، بأن ما سيكتبه سيخدم العالم عن طريق ضمه نفسه للعالم الإبداعي الذي بدأ كل كاتب أو كاتبة بتشكيله (خصوصاً في بداية سنوات التشكل الأدبية)، والذي نتعرف عليه الآن عن طريق كتاب ضخم يجمع أهم الرسائل لتلك الكينونات المتشكلة، والتي ما زالت الأفكار التي قالتها تحت تأثير الحماسة الشبابية «في البحث عن الزمن…» غير الضائع، والذي لا يستحي من إطلاق أية فكرة، مهما كانت قيمتها، لأن المواهب في بداية انطلاقها لا تفكر بغير إنعتاق نفسها، التنفيس عن مخزونها والتعبير عمّا يضغط عليها، غير معنية بردود فعل الآخر وتقويمه لأفعالها.

«بإمكاني أن أضع قلبي بين يديك، دون أن يتمرد…….تعلمت أن أقول أسمك بينما أنام»، كتب خوان رولفو لحبيبته كلارا آباريثيو، في أكتوبر 1944. بينما اعتاد الشاعر الروسي مايكوفسكي، صاحب «غيمة في بنطلون»، أن يرسل برقيات لحبيبته «ليليا» (أخت إلزا زوجة أراغون)، «أمس، اليوم، غداً، وبعد مليون…مليون..مليون سنة أحبك حتى طقطقة عظامك». غارقاً في الحب، كان أيضاً الأرجنتيني لويس بورخيس وليس غيره، الذي لم يستطع تحمل عواطفه الصاخبة، يعترف لصديقه ياكوب سوريدا: «هي لديها 17 سنة من العمر، أسمها كونسيبسيون غريرّو. لكن في النهاية، ما العمل؟ دون عمل أدبي كبير معروف يشعر الواحد بكونه شخصاً غير معروف؟ أستسلم وأقتنع بالقول بأني وقعت بالحب، تماماً، بصورة حمقاء«. واقعاً تحت الهاجس ذاته، صريعاً للمعاناة، كان أيضاً مايكوفسكي، عندما تركته «ليليا» وذهبت مع الشاعر الفرنسي بول إيلوار، إذ يكتب لصديقه «الرفيق» كوستروف: «الرفيق كوستروف.. أنني جريح للأبد.. لن أشفى من هذا الحب …أنني خائر القوى، بالكاد أستطيع جرجرة خطاي».

عبر طرق المرارة سارت الفرنسية سيمون دوبوفوار أيضاً، وعلى مدى 17 عاماً، منذ أن تعرفت في شيكاغو في العام 1947 على الكاتب الأميركي الشمالي نيلسون آلغرين، الذي كانت تطلق عليه «زوجي العزيز»، بين قوسين، لكي تخرجه من الشكوك:» ذات مرة سألتني فيما إذا كنت طفلة أو إمرأة رصينة. لا أشعر بكوني طفلة، لكني أيضاً متأكدة بأنني لست رصينة. امرأة رصينة لن تثير الدهشة عندك بهذا الشكل المليء بالألم»، كتبت ذلك بسنتين قبل صدور كتابها «النسوي» المشهور «الجنس الآخر» (1949). بجمل تقترب من ذلك، وأكثر صدمة تكتب الشاعرة التشيلية (غير المعروفة لكتّاب وقراء العربية) غابرييلا ميسترال (أول كاتبة تحوز على جائزة نوبل): «لا يخطر على بالي أن أقول لك كلاماً رقيقاً، مانويل. ليس لأنني لا أحبك؛ إنما لأنك حطمت كل شيء عندي، الأمل والإيمان».

ليس هناك أكثر من الشاب فيدريكو لوركا تواضعاً في رسائله، ففي رسالة بعثها لأهله يتحدث عن متعته لشراء ماكنة حلاقة «جيليت» بخمس بيزتات (العملة الاسبانية)»أحلق ذقني كل يوم لكي أواظب على كوني مقيماً صالحاً في بيت الطلاب»، وفي رسالة أخرى لا يستحي من طلب الفلوس من أهله «أتضرع إليكما أن ترسلا 150 بيزيته. لأن حالي سيئة جداً بما يخص الفلوس وقضيت زمناً طويلاً بدونها، لكي لا تقولا أنني مبذر، وحدثت لي أمور كثيرة بالمصادفة». على الشاكلة نفسها، وربما أكثر تضرعاً، يتوسل ماركس، صاحب الرأسمال، صديقه «البورجوازي» فريديريك أنغلز أن يبعث له بعض الفلوس «أمس إنتهى الفحم عندي. الجو بارد جداً. وإذا لم تبعث لي مبلغاً محترماً بسرعة، فلن أستطيع الانتهاء من مخطوطة «في الاقتصاد السياسي» التي في يدي». عن الفاقة والحاجة تتحدث رسالة المغموم الرسام الهولندي فان غوغ «النجدة. أرسل لي المبلغ الذي طلبته منك في رسالة سابقة بسرعة. أنني أموت جوعاً، وصاحبة البيت تحوم عند الباب. أنها لن تتباطأ من طردي. لم أسدد الإيجار».

لكن البساطة نجدها عند مؤسس الحداثة البرتغالية فرناندو بيسوا أيضاً، الذي يكتب في رسائله لحبيبته أوفيليا كل شيء «طفلتي الحبيبة، صغيرتي، أنني في مقهى مارتينو دي آركادا، أنها الثالثة والنصف وعمل اليوم قد أُنجز»، وعمل اليوم كان الحصول على قوته اليومي كمراسل تجاري حر وكمترجم للمراسلات التجارية في مكاتب شركات الاستيراد والتصدير. العديد من رسائله لحبيبته تتحدث عن تفاصيل صغيرة، عن حياته اليومية، عن آماله الشخصية والمشاريع التي هي «حطام».

ليس هناك من يجعلنا متاخمين لحياته أو لعالمه في رسائله أكثر من الفيلسوف الألماني شوبنهاور، الذي كان يعتقد وله من العمر 23 عاماً: «هذا العالم هو مملكة الاستبداد والرعب؛ لذلك علينا أن نتطلع إلى من لم يسرقنا حتى الآن بسبب الاستبداد، لذلك علينا الصمود والتصرف فقط عبر ما لا يسع أية إمكانية لارتكاب أي خطأ ممكن». تصورات مشابهة يشاركه فيها الكاتب الأميركي الشمالي ستيفينسون، الذي يُخبر صديقه الكاتب الأميركي الشمالي هنري جيمس: «أبداً لم تثر حماستي المدن، ولا البيوت، ولا المجتمع ولا الحضارة (بكل مظاهرها). كما لا يبدو لي بأن قضية أرض الله البكر (كما تُعرف من الناحية التكنيكية) ستثير عندي حماسة ما». لا يفكر بهذا الاتجاه مثلاً رسام مثل سيلفادور دالي: «لا تعنيني نوعية الرسامين في باريس، لا تهمني أعداد صالونات الرسم التي يمكن فيها رؤية الكثير من الأشياء الجميلة إلى جانب الأشياء القبيحة؛ المهم هو هذا اللمعان، القوة، الحيوية التي تبعثها باريس، فقط باريس…».

التخطيطات الأولى من أجل الاستقرار على شكل جمالي أو تكنيكي خاص، أو على كل ما يتفتح في البدايات الإبداعية نراه وسط سطور العديد من الرسائل، ومن غير المهم أن يكون أحياناً مبثوثاً بين السطور. رامبو الذي وصل إلى باريس تواً وما زال له 17 عاماً من العمر يكتب لفيرلين: «حضرتك تحملني على إعادة دعوتي: ليكن ما يكون. تلك هي كل شكواي. أبحث عن كلمات هادئة: لكن مملكتي لفن الهدوء ليست كبيرة». تكهنات شبيهة بتلك التي تحدثت عنها البريطانية أميلي ديكينسون: «لا أملك أية سلطة على نفسي، ولا أستطيع التحكم بها، وعندما أحاول التنظيم، تنفجر طاقتي – وتجعلني عارية، باد علي الهوى».

أكثر إخلاصاً للُقيتهم كانوا كتاباً مثل الألماني غوته، الذي ينصح صديقه الفيلسوف شوبنهاور: «آمل ألا تتعب حضرتك من حرث هذا الحقل الجميل، ولا بالاستمرار بتغذية أفكاره على أمل أننا خلال سنوات عديدة نتوقف مستمتعين عند النقطة الوسطية التي بدأنا منها؛ في النهاية، نحن نستلهم في الزمن القديم ذاته، وهذه الفائدة لن يستطيع أي شخص، مهما كان، مصادرتها منا». الشيء ذاته فعله ستيفينسون مع هنري جيمس بعد سؤاله له: «ما هو الموضوع، ما هي الطريقة التي يتغذى منها فن ما، وما هو مصدر قوته؟»، ليضيف بعد سطور «كل السر أن ليس بإمكان أي فن أن يتنافس مع الحياة». وبعد أشهر قليلة يذهب هنري جيمس أكثر بعيداً ويعترف لستيفينسون بأنه عثر على السر الذي يشغل صديقه: «أن طريقتك بالكتابة هي التبسيط وتفوقك هو البساطة».

في هذا البحث، يبحر الكاتب الأرجنتيني بورخيس أيضاً: «التكثيف، ليس أكثر من قول ما هو جوهري. صناعة كل ما هو معاش وحيوي من القصيدة التي فيها كل سطر هو تركيب محكم للإحساس، للتعبير عن العالم الخارجي والروحي». بسنوات بعد ذلك سيكون ذلك أحد الانشغالات التي ستسيطر على المكسيكي خوان رولفو، عندما يشير بأن أسلوبه يكمن في التركيب: «غالباً أقول أشياء كثيرة بكلمات قليلة، عندما أكون محتاجاً لاثنتين أو ثلاث صفحات لكي أقول قضية واحدة فقط».

أصوات أولى، مكتوبة في حالات خاصة، من دون أن يعرف كتّابها بأنها ستكون مقروءة ذات يوم، وبأنها ستضيء مثل منارة أمام أولئك الذين بدأوا للتو بالبحث عن طريقهم الإبداعي والحياتي وسط الظلمات، ووسط ممالك الاستبداد الواسعة، رغم أن واحدة من تلك الكينونات التي كانت تتلمس طريقها، لمحت من البعيد ما ستؤول إليه تلك اللحظات الحميمة المسطرة على الورق، أنها أميلي ديكينسون: «في كل رسالة استحضر دائماً الأبدية، لأنها الروح وحدها الحاضرة، من دون رفقة الصديق الجسد».

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق